طقوس الحياة اليومية في ميدان الإبادة الجماعية

حسام شاكر
يصف الكاتب الوضع أنه ما من طفل في قطاع غزة إلا وشاهد أشلاء بشرية ممزقة مرات عدة- الأناضول
يصف الكاتب الوضع أنه ما من طفل في قطاع غزة إلا وشاهد أشلاء بشرية ممزقة مرات عدة- الأناضول
شارك الخبر
للحياة في ميدان الإبادة الجماعية طقوسها اليومية المألوفة، حيث ترصد العين الفاحصة أهوالاً كامنة في مشاهد تتلاحق على الشاشات، أو يتوارى المشهد مع أنقاض تختزن أبدان آلاف الفلسطينيين الذين انقطعت أنفاسهم تحتها دون أن يقوى الأهالي على انتشالهم.

في قطاع غزة سجّلت الوحشية الحديثة حضورها الرهيب عبر فظائع متلاحقة على مرأى من العالم أجمع.

سطَت الإبادة الجماعية على مواصفات الحياة اليومية في عموم تفاصيلها، وتركت وقعها المأساوي على الأهالي في شتى المجالات كما يتجلّى في هذه العيِّنات المُستلّة من الواقع مثلاً.

سطو مستمرّ على الفضاء الصوتي

لا يعرف أطفال غزة الحياة اليومية بدون صوت مُزعِج يرافقهم ليلاً ونهاراً بلا انقطاع، وهكذا هو الحال منذ أن أبصروا النور تقريباً.

وقد يصعب على أولئك الصغار المُحاصرين في الرقعة المُطلّة على خاصرة البحر المتوسط أن يتخيّلوا عالماً يخلو من هذا الضجيج؛ الذي يُرسِّخ إحساسهم بالتهديد المُستدام من القصف المحتمل في أي لحظة.

إنّه أزيز المُسيّرات الحربية الإسرائيلية التي تُحلِّق أسرابها فوقهم وتراقب كلّ بقعة في قطاع غزة على مدار الساعة بلا كلل.

اكتسبت مُسيّرات جيش الاحتلال الإسرائيلي اسمها في غزة من مفعولها الصوتي المزعج، فالأهالي يسمّونها "زنّانة"، وهو اشتقاق لغوي عربي من واقع الأزيز الذي تُطلقه.

هكذا يسطو الاحتلال على الفضاء الصوتي للمكان ويبعث برسالة للأهالي بأنّهم مُراقَبون بلا هوادة، وأنّ القذيفة التالية قد تفتك بأحدهم هنا أو هناك وتقتله أو تصيبه مَع من حوله جميعاً، فالتحليق المدوِّي على هذا النحو هو مزيج من السطوة السمعية والإرهاب الصوتي والترويع المعنوي.

ولكلّ فلسطيني في قطاع غزة خبرته من الفواجع المرتبطة بتحليق هذه المسيّرات الحربية بأنواعها، من واقع مشاهداته الحيّة لأعمال قصف أزهقت أرواح أقارب وجيران وأحبّاء تمزّقت أجسادهم وبقيت ذكرياتهم.

لا صافرات إنذار ولا ملاجئ

لم تُعرَف الغارات الجوية قبل العصر الحديث، فقد تطوّرت بدءاً من الحرب العالمية الأولى، وفرضت هذه الهجمات سلوكاً وقائياً يتمثّل في إطلاق صافرات الإنذار لاتخاذ وضعيّات حماية ذاتية ولمحاولة الاحتماء في ملاجئ آمنة مُعدّة لهذا الغرض.

ورغم أنّ حملة الإبادة الجماعية التي استهدفت الشعب الفلسطيني في قطاع غزة بدءاً من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 استخدمت أحدث أدوات الحرب في زمانها، بما فيها أسراب الطائرات الحربية الأمريكية الصنع وكذلك المُسيّرات التي تتقاسم الأدوار في القصف الجوي؛ إلاّ أنّ صافرات الإنذار لم تُطلَق في غزة ولو لمرّة واحدة!.

لا يعود الأمر إلى إهمال إداري أو عطل تقني؛ بل إلى حقيقة أنّ فكرة صافرات الإنذار تبدو عبثية ببساطة.

فالقصف ظلّ يجري على مدار الساعة، ما يجعل التحذير منه نكتة سمجة. والأهمّ في هذا الشأن أنّه لا ملجأ للأهالي كي يَفرّوا إليه، ولا فرصة احتماء من أهوال متفجِّرة تسقط من السماء. ثمّ إنّ تكدُّس المدنيين الفلسطينيين في ملجأ ما تحت الأرض يبقى مخاطرة جسيمة بأرواحهم ستترتّب عليها حصيلة هائلة من الضحايا، فمفعول القذائف الثقيلة يخترق الأعماق ويُحدِث حُفَراً عميقة شُوهِد أثرها في قلب الأحياء السكنية وفي مخيمات اللاجئين ومن حول المستشفيات ودور العبادة أيضاً، ولن تقوى الأدوات البدائية المتاحة على انتشال العالقين تحت الأنقاض حينها.

لأجل هذا كلّه لا تعرف غزة صافرات إنذار، ولا يحظى الشعب فيها بامتياز الاحتماء بأي مكان آمن، وقد صار معروفاً للعالم أجمع أنه لا مأوى في مسرح الإبادة الجماعية الرهيبة ولا مكان آمناً فيها. حتى مدارس الأمم المتحدة التي احتمى بها الأهالي المشرّدون تحوّلت إلى مصائد للقتل الجماعي المتكرِّر، وكذلك دور العبادة الإسلامية والمسيحية التي جرى سحقها، وحتى الأديرة الأثرية لم تسلم من القصف، بينما تحوّلت المستشفيات إلى أطلال، ودفعت فرق الإسعاف ومرافق الصليب الأحمر وفريق "المطبخ المركزي العالمي" (دير البلح، 1 إبريل/ نيسان 2024) ثمن هذا الواقع من سلامتها الشخصية.

حياة بلا صنابير مياه

إنّ الواقع في ميدان الإبادة الجماعية يعني تكبّد مشاق الحياة بدون صنابير مياه، وبدون فرصة ارتواء مضمونة وآمنة.

ففي البدء دمّر جيش الاحتلال شبكات المياه في قطاع غزة، وأعلنت قيادة الجيش على لسان "وزير الدفاع" حينها يوآف غالانت يوم 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 عن قطع إمدادات المياه بالكامل عن أكثر من مليوني إنسان هم سكّان القطاع.

ومع تدمير معظم البيوت تدميراً شاملاً وإلحاق أضرار جزئية في ما تبقّى منها قائماً فوق الأرض، علاوة على تدمير المرافق المدنية؛ فإنّ الصنبور التقليدي اختفى تقريباً باستثناء نقاط قليلة يحتشد الأهالي عندها لتعبئة المياه بوسائل بدائية. فما كان يستغرق ثواني معدودة للتزوّد به من صنابير المنزل صار يتطلّب رحلة مشاقّ مديدة كلّ يوم، وهي لا تضمن أن يعود صاحبها سالماً.

لا تقتصر المحنة على هذا الحدّ، فقد استهدف القصف الإسرائيلي المتكرِّر فلسطينيين وفلسطينيات من كلّ الأعمار، بمن فيهم أطفال، خلال مسيرة العذاب اليومية للتزوّد بالمياه.

تعيّن على الأُسَر الفلسطينية توزيع أفرادها في مهام يومية على هذا النحو، فعلى أحدهم أن يأتي بما يتوفّر من مياه، وعلى آخرين أن يحملوا أوعية فارغة على أمل مَلْئِها بطعام شحيح لا يستوفي متطلّبات التغذية الكافية للصغار والكبار، بينما يقاسي آخرون مشاقّ الحصول على الطحين ومواد أساسية للمعيشة، وقد لا يجدونها أو قد يعودون منها بإصابات بالرصاص الإسرائيلي أو بأبدان أحالتها قذائف "الجيش الأكثر أخلاقية في العالم" – كما يصف ذاته - إلى أشلاء.

النساء وفنّ البقاء

إنْ تَطَلّب الحصول على المياه كلّ هذه المشقّة المحفوفة بالتهديدات؛ فإنّ محاولة تدبُّر احتياجات إنسانية يومية، مثل قضاء الحاجة أو الاستحمام، لابدّ أن تجري في ظروف مأساوية، خاصة بالنسبة للنساء والفتيات.

ينبغي الاعتراف للمرأة الفلسطينية في قطاع غزة بالجدارة في فنّ البقاء من واقع خبرات حياتية طوّرتها في هذه الظروف الاستثنائية القاهرة.

تعيّن عليها أن تقوم بأدوار حاسمة في الانتقال من أنقاض بيت مُدمّر إلى فضاء مفتوح على قارعة الطريق أو على رمال الشاطئ، وستشارك في إقامة خيمة منصوبة من موادّ بدائية متاحة بأسلوب إعادة التدوير القهري.

في هذا النمط الشاقّ من الحياة يتعيّن نسيان كلّ شيء يعرفه عصرنا عن العطور ومواد التجميل أو مستلزمات "العناية بالبشرة"، فعلى النساء والفتيات تدبير أساسيات الحياة في واقع لا تتوفّر فيه حتى الاحتياجات الصحية النسائية، ولا دورات المياه الاعتيادية.

تتكبّد المرأة من كلّ الأعمار أعباء هائلة في هذا الواقع الذي تقلّصت فيه الخصوصية إلى أدنى حدّ.

ولتجهيز الطعام؛ فإنّ المطبخ كما تعرفه الأُسَر النمطية حول العالم اختفى تماماً وصار تحضير الطعام المُتاح يجري حول موقد بدائي من الطين أو الحجر تضطرّ الأمهات إلى تشغيله بإحراق مواد غير آمنة على الصحة والبيئة، وقد يتسبّب هذا الأسلوب في اشتعال حرائق تأتي على خيام النازحين المكتظّة.

مجتمع الأسنان المتداعية

عندما يتحدّث الإنسان في غزة قد نكتشف أشياء لا يبوح به عادة، فلعلّه فقد بعض أسنانه إلى غير رجعة مثل أعداد غفيرة من الأهالي التي تركت الإبادة الجماعية أثرها عليهم في هذا الشأن أيضاً.

حدث هذا بعد أن سحق جيش الاحتلال عيادات الأسنان في قطاع غزة، ودمّر مستشفيات أو أحرقها أو أخرجها عن الخدمة بعد أن كانت ترعى مرضى الأسنان وغيرهم، كما أوقع أفواجاً من الضحايا في أوساط الطواقم الطبية العاملة في هذا المجال.

عانى الأهالي طوال موسم مديد من حظر دخول المستلزمات الدوائية والعلاجية والتجهيزات الطبية ذات الصِّلة بصحة الأسنان وغيرها، بل صار مجرّد الحصول على معجون أسنان وفرشاة من الأسواق ترفاً بعيد المنال.

أدّى هذا الواقع المُزري الذي فرضته الحكومة الإسرائيلية وسلطاتها وجيشها على أكثر من مليوني إنسان في قطاع غزة إلى تدهور جماعي في صحة الأسنان مسّ أجيال الشعب الفلسطيني جميعاً.

إنّ مجتمع الأسنان المتداعية هذا هو صورة ناطقة لواقع الحرمان القهري المفروض على هذا الشعب في رقعة يخنق الحصار المشدّد حياتها اليومية وينزع عن وجوه الأهالي الشاحبة بعض أسنانهم؛ بينما لا يجدون ما يستحقّ مضغه من الطعام أحياناً.

أقدام حافية ونعال مهترئة

فرض جيش الاحتلال الإسرائيلي على معظم سكّان قطاع غزة نزوحاً متكرِّراً من منطقة إلى أخرى، عبر أوامر إخلاء مفاجئة أو جرّاء تكثيف حملات القصف.

تعيّن على الأهالي مرّة تلو أخرى أن يندفعوا على الطُّرُق الوعرة بعد تجريفها أو التحرّك بين أكوام الأنقاض والنفايات نحو وجهة ما داخل القطاع حاملين المتاع ومستلزمات التخييم البدائي، وما إن يحطّوا رحالهم فيها قد يضطرهم جيش الاحتلال إلى النزوح مجدّداً نحو وجهة أخرى، وهكذا.

جرّب الفلسطينيون من كلّ الأعمار مشاقّ النزوح المتكرِّر، في اتجاهات متضاربة، سيراً على الأقدام أو على متن عربات بدائية تجرّها الأحصنة أو الحمير أو باستخدام ما تبقّى من سيّارات.

ومن تفاصيل المشاهد التي واكبها العالم أنّ بعض النازحين يسيرون بنعال مهترئة أو حتى حفاة الأقدام بعد تلف أحذيتهم خلال المسير الطويل دون أن يجدوا بديلاً لائقاً عنها.

يضطرّ الأهالي إلى محاولة رتق الأحذية الممزّقة أو النعال المهترئة جولة بعد جولة، دون أن تتوفّر بدائل جديدة عنها غالباً. فمع إقدام سلطات الاحتلال على منع دخول احتياجات الأهالي المتعددة صار اقتناء حذاء جديد أو حتى نَعْل بسيط مطلباً بعيد المنال بالنسبة لكثير منهم.

تتجلّى قسوة الحياة اليومية في ظلّ الإبادة الجماعية في مشاهد عدّة؛ منها مشهد الصغار والكبار، والنساء والرجال، الذين يفتقدون أحذية أو نعالاً صالحة للاستخدام ويتكبّدون عناء السير الطويل على مسارات النزوح المتكِّرر، ولن يكون هذا على أيّ حال أكثر ما يشغلهم في واقع شديد القسوة.

أشلاء في عيون صغيرة

من الحقائق المروِّعة أنّه ما من طفل في قطاع غزة إلاّ وشاهد أشلاء بشرية مُمزّقة مرّات عدّة، وقد يعود بعضها إلى أشخاص يعرفهم جيّداً من أهله أو جيرانه أو أصدقائه.

تبقى بعض الأشلاء عالقة في أذهان الصغار، وقد يعدّون الحياة الملطّخة بالدماء والبقايا البشرية أمراً اعتيادياً في هذه الرقعة تحديداً من العالَم. يتعيّن التذكير بأنّ خبرة الترويع العميق هذه لم تنشأ بفعل كارثة طبيعية، بل بفعل تسانومي الإبادة الجماعية الحديثة التي مارستها إسرائيل باستخدام أسلحة وذخائر وتقنيات أمريكية وغربية.

ليس الطفل في ميدان الإبادة الجماعية مجرّد شاهد على ما يجري من أهوال، فهو ضحيتها المباشرة أيضاً، حسب المؤشِّرات الإحصائية المرعبة التي وثّقتها تقارير مختصّة صادرة عن الأمم المتحدة، ولا يخرج الطفل حيّاً بعد تجربة مكوث طويلة بين الأنقاض.

في هذه التجربة تحديداً يكون الطفل عالقاً بين الحياة والموت، وشاهداً على أنفاس تختنق في الظلام الدامس من حوله، ويكاد يفقد الأمل في الخروج حيّاً حتى تمتدّ إليه يد تنتشله إلى سطح الحياة بمشقّة بالغة. لن يجد الطفل في حياته الجديدة منزلاً يسكنه، وقد يكون وحده تقريباً من بقي على قيد الحياة من أسرته، لكنّ مأساته المركّبة لن تمنحه فرصة تأمّل في كلّ ما جرى لأنّ عجلة الإبادة الجماعية المتحركة قد تسحقه في أيّ لحظة.

ما الذي أبقته أهوال الإبادة الجماعية لمواثيق حماية الطفولة في عالم سمح باستمرار كلّ هذه الوحشية المرئية بحقّ الأطفال الفلسطينيين سنة تلو سنة، التي ظلّت فظائعها تُبثّ على الهواء مباشرة دون أن يكبحها العالم؟.

نقلا عن "ميدل إيست آي"


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل