إيقاظ الإحساس الإنساني بحقيقة الإبادة الرهيبة في غزة

حسام شاكر
"تقديم الوجوه والأسماء والتفاصيل كما تستحقّ كفيل بأن يستثير إحساس البشر"- الأناضول
"تقديم الوجوه والأسماء والتفاصيل كما تستحقّ كفيل بأن يستثير إحساس البشر"- الأناضول
شارك الخبر
قد يعلم البشر بوقوع فظائع دون أن تُحرِّك فيهم هذه المعرفة المُجرّدة مشاعر تستحقّها، خاصّة عندما تجري بحقّ "آخرين لا يشبهوننا" أو في بلاد تُعدّ "بعيدة"، أو عندما تتكرّر الأهوال فتصير اعتيادية ومألوفة لا جديد فيها تقريباً. تشرح بعض المقاربات النفسية حالة العزلة الشعورية هذه، فقد تأتي بفعل تحيّزات معرفية من قبيل "مغالطة عالم عادل" التي من شأنها حجب التعاطف في حالات مستحقّة، طلباً للراحة النفسية أو تبريراً للانحياز إلى المعتدي عبر حيلة "لوْم الضحية"، أو بفعل الرضوخ لسردية دعائية تنزع الإنسانية عن الضحايا أو تضعهم في مرتبة أدنى لا تجعلهم يستأهلون الاكتراث.

على أنّ اعتياد الفظائع وتكرار مشاهدها قد يُضعِف قدرتها على استثارة الإحساس الإنساني اللائق بوقعها الصادم، كما جرى مثلاً مع توالي القصف الإسرائيلي على المستشفيات في قطاع غزة واحداً تلو الآخر حتى صار ذلك خبراً اعتيادياً في سياق التغطيات الصحفية، أو اعتياد استهداف المقارّ الدولية التابعة للأمم المتحدة، أو غيرها. وعندما يقع تمرير جريمة الحرب الأولى فإنّ تكرار هذه الجريمة على المنوال ذاته يمنح الجمهور إحساساً بالتكيّف الوجداني معها، حتى مع تحقّق المعرفة المجرّدة بأنها فظاعة أو انتهاك جسيم.

اعتاد الجمهور العالمي رؤية مبانٍ سكنية شاهقة وهي تهوي خلال ثوانٍ قليلة جراء القصف الإسرائيلي، وهكذا لا تبدو هذه الجريمة المتكررة أمراً استثنائياً طالما أنها هناك في غزة تحديداً، ويمكن اختبار ذلك، مثلاً، لدى المقارنة بين ردود الفعل العالمية المندِّدة بعد قصف "برج الجلاء" بمدينة غزة يوم 15 أيار/مايو 2021 عندما هوَى سريعاً بطوابقه الأحد عشر بفعل غارة إسرائيلية، ثمّ فتور ردود الفعل العالمية خلال حملة إسقاط ما تبقّى من المباني السكنية المرتفعة في غزة في أيلول/سبتمبر 2025 عبر سلسلة من الغارات الإسرائيلية. إنّ الفكاك من سطوة الإحساس بالاعتياد هو تحدّ حقيقي إن أراد عالمنا حقّاً أن لا يتطبّع مع الفظائع في القرن الحادي والعشرين.

تتجلّى الوحشية الحديثة في أقنعة ودودة لا تستثير الفزع ومشاعر الصدمة أو الذهول. إنها لا تحزّ رؤوس الأطفال بالسكاكين، بل تجتثّ أبدانهم تماماً وقد يتبخّرون دون أن يبقى منهم أيّ أثر أحياناً بفعل قذائف مطوّرة تزن أطناناً تهوي فوق مخيمات اللاجئين البائسة. سترى الأبصار حفرة هائلة في نهاية المشهد الذي أخفى تفاصيل المقتلة الرهيبة والتدمير الواسع

ثمة معضلة أخرى لا ينبغي إغفالها، هي أنّ الإحساس بخطورة الحملات الوحشية قد يتعطّل أو يرتبك إنْ اقتُرفت بطرائق حديثة وعبر أدوات متطوِّرة. قد يُستثار الفزع الإنساني من سكين تقطر دماً يحملها قاتل متوحِّش ذو ثياب رثّة أجهز على ضحيّته المغلوبة على أمرها. لكنّ هذا القاتل لن يُرى أساساً إن قبع في غرفة تحكُّم بعيدة عن موقع الجريمة وباشر بهدوء عملية قتل جماعي رهيبة بحقّ الأهالي الأبرياء في قطاع غزة، من خلال الضغط على أزرار مُضاءة وهو يحتسي قهوة أمريكية في مواجهة الشاشة، وهي حيلة أكثر فعالية من السكين البدائية بطبيعة الحال. تتفاقم هذه المعضلة عندما يُوكَل الأمر بالكامل إلى أداة تقنية، مثل المسيّرات غير المأهولة، أو أنظمة القتل الجماعي الموجّهة بمنظومات ذكاء اصطناعي، التي اعتمد عليها جيش الاحتلال الإسرائيلي في اقتراف بعض فظائع الإبادة الجماعية في قطاع غزة. إنها وحشية أسرع فتكاً وأعظم أثراً من الأنماط البدائية المباشرة في الذبح والتقطيع، لكنها قابلة لتكريس حالة من تبلّد الأحاسيس بحقيقة ما تقترفه من أهوال.

تتجلّى الوحشية الحديثة في أقنعة ودودة لا تستثير الفزع ومشاعر الصدمة أو الذهول. إنها لا تحزّ رؤوس الأطفال بالسكاكين، بل تجتثّ أبدانهم تماماً وقد يتبخّرون دون أن يبقى منهم أيّ أثر أحياناً بفعل قذائف مطوّرة تزن أطناناً تهوي فوق مخيمات اللاجئين البائسة. سترى الأبصار حفرة هائلة في نهاية المشهد الذي أخفى تفاصيل المقتلة الرهيبة والتدمير الواسع. رغم ذلك؛ لم يفوِّت بعض الضباط والجنود الإسرائيليين فرصة التسلِّي بهوايات اصطياد البشر والتنكيل بهم وتجريب ممارسات بدائية متوحِّشة، دون أن يقاوموا شغفهم بتصوير ما يقترفونه أحياناً لأجل التباهي به.

من المهمّ ملاحظة كيف اشتغلت هذه الإبادة الجماعية في نطاق تَجاوَز توقّعات أجيال الحاضر، التي ظنّت أنّ الفظائع الرهيبة محسوبة على الماضي وأنّها لا تكون إلّا بالأبيض والأسود، وأنّ الفاشية إذ تقترف جرائم الحرب فإنها ستحضُر مع مشاهد نمطية معهودة من أنظمة بائدة. لم تتهيّأ أذهان البشر بعد لاستيعاب حقيقة أنّ الإبادة الجماعية التي جرى اقترافها في القرن الحادي والعشرين هي عملية منظّمة ومطوّرة وموجّهة بعناية، بل إنها الأولى في التاريخ التي يُستعمَل فيها الذكاء الاصطناعي بغرض الفتك والتدمير. ولهذه الإبادة الجماعية منظومة دعائية مُكرّسة لتبرير كل ما وقع اقترافه من فظائعها أوّلاً بأوّل بسرديّات محبوكة دفع بها قادة ومتحدِّثون ومعلِّقون يُتقنون أحابيل المراوغة الخطابية وفنون لغة الجسد، ويحرصون على تشتيت أنظار العالم وصرفه عن الالتفات إلى ما يُرتكب في ميدان الفظائع المُسمّى قطاع غزة.

إنّ إيقاظ الإحساس الإنساني بحقيقة الإبادة الجماعية الرهيبة التي وقع اقترافها في قطاع غزة على مدار سنتين على الأقلّ يتطلّب الاستمرار في فضح فصولها وفتح ملفّاتها ومباشرة معالجات مكثّفة ومبادرات متضافرة، تُخرِج شهادات الميدان والتفاصيل الموثقة في التقارير الدولية المستقلة إلى حيِّز الإدراك الإنساني الحيّ. من القسط الإقرار بأنّ جهوداً صحفية وإعلامية وفنية وأدبية وجماهيرية حثيثة بُذلت حول العالم في هذا الصدد، لكنّ موسم الإبادة الجماعية المديد يفرض مزيداً من المعالجات الإبداعية والمبادرات المبتكرة بلا هوادة.

لنتخيّل الوقْع العميق الذي قد يُحدِثه استرجاع مشاهد الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتدمير الشامل والتجويع الرهيب التي اقترفها الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، من خلال معالجات أدبية وفنية وسينمائية متعدِّدة تدفع بأعمال عالمية وإبداعات متميِّزة في هذا الشأن، حتى إن بقيت هوليوود أو غيرها على انصرافها المعهود عن فلسطين. لنتصوّر ما يمكن أن تُحدثه معالجات بصرية تستعرض فصول هذه الإبادة الجماعية الحديثة بالأبيض والأسود، وبمحاكاة في المواصفات تُحيلها ذهنياً ووجدانياً إلى ماضي القتل الجماعي والجرائم ضدّ الإنسانية الذي استقرّ الوعي العالمي بفظاعته، فتجعل فظائع غزة الرهيبة امتداداً منطقياً لوحشية الماضي البعيد أو القريب، وهي كذلك حقّاً. هذا ما حاولت جماهير ذات حسّ إنساني يَقِظ تجريبه بمبادرات عدّة، كما جرى مراراً في إقليم الباسك الإسباني -مثلاً- الذي ربطت نشاطاته الميدانية، المُعزّزة بروح فنية عالية، فظائع غزة بأهوال غرنيكا التي خلّدها بابلو بيكاسو في لوحته الشهيرة (1937). لا غنى عن مزيد من هذه المبادرات لفضح نزعة إنكار الإبادة الجماعية في غزة التي يُصرّ عليها قادة دول ونخب بارزة في عالمنا.

إنّ تحويل الكمّ الهائل من ضحايا الإبادة إلى حكايات مرويّة ونماذج رمزية مُعرّفة خيار لا غنى للخروج من قبضة الاختزال الإحصائي الذي يحوِّل الإنسان إلى وحدة عددية يُحجَب الإحساس عنها

إنّ تقريب الضحية من الإدراك مدخلٌ لا غنى عنه، عبر مَنْحِها وجهاً يُؤلَف واسماً يُعرَف وقصّة تُروَى، وسيبدأ الأمر مثلاً مع الطفلة هند رجب أو الشاعر الأكاديمي رفعت العرعير أو الطبيب المُختطَف حسام أبو صفية وآخرين. يتعيّن التنقيب عن رمزيات إنسانية كامنة في مشهد يطفح بالمآسي والحكايات والمواقف الأخّاذة أيضاً، ولا غنى عن رمزية المكان الذي يجعل غزة ومواقع الإبادة والصمود المتزاحمة في القطاع مثيرة للوجدان الإنساني والإحساس بحكاياته المطمورة تحت الأنقاض.

إنّ تقديم الوجوه والأسماء والتفاصيل كما تستحقّ كفيل بأن يستثير إحساس البشر، أينما كانوا في عالمنا، بجدارة الارتباط الوجداني واستحقاق التماثُل المعنوي مع هؤلاء الذين أُوقِعت عليهم الإبادة الجماعية الرهيبة التي واكبها العالم عبر الأجهزة المحمولة سنتين كاملتين على الأقلّ. يتعيّن الإقرار بأنّ الطفل المشرّد والمجوّع هو ابننا جميعاً في هذا العالم، وأنّ الجدّة التي هوى السقف والجدران فوق بدنها النحيل وظلّت عالقة بين الأنقاض حتى لفظت أنفاسها الأخيرة هي جدّتنا أيضاً، وكذلك الحال مع الأمّهات والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم. لا مبالغة في استشعار أنّ الضحايا هم نحن، أينما كُنّا في بيئات البشر، وأنّ المساس بهم يعادل المساس بنا جميعاً، وأنّ الإجهاز على قيمة الحياة والكرامة الإنسانية وإسقاط القانون الدولي والقيم الكونية يجعلنا جميعاً معنيِّين مباشرة بما جرى ويجري من انتهاكات مريعة وقع تبريرها بسرديات محبوكة وجرى إسنادها عبر تواطؤات متضافرة. إنّ تحويل الكمّ الهائل من ضحايا الإبادة إلى حكايات مرويّة ونماذج رمزية مُعرّفة خيار لا غنى للخروج من قبضة الاختزال الإحصائي الذي يحوِّل الإنسان إلى وحدة عددية يُحجَب الإحساس عنها.

إنّ إيقاظ الإحساس الإنساني مفتاح لا غنى عنه، لمساعدة البشر أينما كانوا على الامتثال لالتزاماتهم المبدئية والأخلاقية والقيمية وترجمة الشعارات المرفوعة من حولهم إلى مواقف جادّة، وللضغط على حلفاء الإبادة الجماعية وأصحاب الخطابات والمواقف المتحايلة على ذكاء الشعوب وسويّتها الإنسانية. عندما تستيقظ المشاعر الدفينة سيكتشف البشر ما يتعيّن القيام به من أدوار ومهامّ في مواجهة كلّ هذا الظلم والقهر والعدوان، وسيكون للعاطفة ما بعدها من حملات وتحرّكات تحرص على تحويل المشاعر إلى مواقف ناجزة، تضغط وتُسائِل وتُحاسِب وتضع جريمة الإبادة الجماعية الرهيبة بحقّ الشعب الفلسطيني في قطاع غزة في دائرة الوعي المركزية لأجيال الحاضر والمستقبل.

(ترجمة خاصة إلى العربية عن "ميدل إيست مونيتور")


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)