"أفضل
طريقة للتنبؤ بالمستقبل هي أن تصنعه" (بيتر دراكر)
في السياسة
الدولية، لا يبدأ المستقبل بالتغيّر لمجرد صعود قوة جديدة؛ بل تبدأ التحولات
الحقيقية حين لا تعود القوة القديمة هي الخيار الوحيد. وربما يكون اتفاق
الدفاع
المشترك الذي جمع
باكستان والسعودية وتركيا في مكة أحد المؤشرات المبكرة على مثل
هذا التحول. فالمبدأ الذي يقوم عليه الاتفاق واضح في جوهره: الاعتداء المسلح على
أحد أطرافه يُعد اعتداءً على الأطراف الثلاثة. وقد ذهب وزير الخارجية التركي هاكان
فيدان إلى تشبيه هذا المبدأ، من الناحية الفنية، بمبدأ الدفاع الجماعي المنصوص
عليه في المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي. لكن الأهم أن الاتفاق لم يكن
استجابة مرتجلة لأزمة طارئة؛ فقد سبقته مفاوضات امتدت لنحو عام، وكان مشروعه قيد
البحث بين العواصم الثلاث قبل توقيعه.
وهذا يعني أن ما
حدث في مكة لم يكن مجرد توقيع على وثيقة دفاعية، بل انتقال تفكير استراتيجي طويل
نسبياً من دائرة النقاش إلى الإطار الرسمي. ومن هنا يبرز السؤال الأول: لماذا
اجتمعت ثلاث دول تختلف في اقتصاداتها وبناها العسكرية وأولويات سياستها الخارجية
وتصوراتها المباشرة للتهديد، تحت مظلة دفاع جماعي واحدة؟ الإجابة أكثر تعقيداً من
الاختزال الشائع في تعبير "الناتو الإسلامي".
نقطة التحول الاستراتيجية ستظهر عندما لا يقتصر توزيع الأعباء على القدرات العسكرية، بل يمتد إلى صناعة القرار الأمني نفسه، عندها قد يتحول تقاسم الأعباء مع الولايات المتحدة تدريجياً إلى قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية الإقليمية. فتوازن القوى لا يتغير دائماً بخروج قوة كبرى من المشهد؛ أحياناً يكفي أن تُفتح أبواب جديدة
فعلى مدى عقود،
بدت معادلة أمن الخليج شبه مستقرة: التهديدات تنشأ في المنطقة، والسلاح يأتي في
معظمه من الغرب، أما الضمانة العسكرية الأخيرة فترتبط بواشنطن. غير أن الحروب
والأزمات الأخيرة أعادت إظهار فارق بالغ الأهمية: أن تبيع السلاح، وأن تمتلك
وجوداً عسكرياً، وأن تضمن الأمن عند لحظة الخطر، ليست أموراً متطابقة. لذلك لا
يمثل اتفاق مكة إعلاناً عن نهاية الدور الأمريكي؛ وربما تكمن أهميته الأعمق في أنه
يشير إلى تراجع مرحلة كان فيها للأمن الإقليمي ضامن واحد يمكن تصوره. فالمستقبل لا
يُبنى من دون واشنطن بالضرورة، لكنه لم يعد يُبنى عبر واشنطن وحدها.
وإذا كان هذا
التحول هو جوهر القصة، فإن السؤال التالي يصبح تلقائياً: لماذا باكستان وتركيا
والسعودية تحديداً؟ لا تكمن الإجابة في التشابه بينها، بل في اختلاف مصادر قوتها.
فباكستان قد لا تُصنّف قوة عالمية كبرى وفق المقاييس الاقتصادية التقليدية، لكنها
تمتلك ردعاً نووياً موثوقاً، وجيشاً كبيراً ذا خبرة، وموقعاً جغرافياً لا يمكن
فصله عن الصين وإيران وأفغانستان وبحر العرب والخليج. أما
تركيا، فقد استطاعت وهي
عضو في الناتو أن تطور صناعتها الدفاعية، والطائرات المسيّرة، والصواريخ، والقدرات
البحرية والإنتاج العسكري المحلي إلى مستوى لم تعد معه مجرد مستورد للأمن، بل
أصبحت أيضاً مصدّراً للقدرة الدفاعية. وتضيف
السعودية إلى هذا المثلث رأس المال
والطاقة والثقل السياسي في العالمين العربي والإسلامي، فضلاً عن موقع يربط الخليج
والبحر الأحمر بممرات التجارة والطاقة العالمية.
هذه ليست ثلاث
قوى متساوية؛ إنها ثلاثة أنماط مختلفة من القوة، وهنا تحديداً تكمن أهمية
اجتماعها. توفر باكستان قوة الردع والخبرة العسكرية، وتضيف تركيا القاعدة الصناعية
الدفاعية والخبرة المؤسسية، فيما تمنح السعودية المشروع ثقله الاقتصادي والسياسي
والجغرافي. ولم يعد الأمر نظرياً بالكامل؛ إذ يجري الحديث عن آليات تنسيق تجمع
وزراء الخارجية والدفاع والقيادات العسكرية، إلى جانب التدريبات البرية والبحرية
والجوية، والتعاون في الدفاع الجوي والأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية
والذكاء الاصطناعي والإنتاج الدفاعي المشترك ونقل التكنولوجيا. كما طُرحت إمكانية
انضمام دول أخرى، من بينها مصر، إلى ترتيبات أوسع مستقبلاً. وإذا تطور هذا
الاحتمال، فقد يتحول اتفاق مكة من ترتيب ثلاثي إلى نواة لهندسة أمنية إقليمية
قابلة للتوسع. وعندها يصبح السؤال الأكثر جدية ليس ما إذا كان هذا "ناتو
إسلامياً"، بل: هل تتحول دول اعتادت لعقود أن تكون مستهلكة للأمن إلى دول
قادرة على إنتاجه وتوفيره؟
ولا يمكن فصل هذا
السؤال عن التحول الجاري في علاقة الخليج الأمنية بالولايات المتحدة. فقد ربطت
الدبلوماسية الباكستانية السابقة مليحة لودهي التعاون الدفاعي الباكستاني- السعودي
بالفعل بالتحولات الجيوسياسية الأوسع وباحتمال نشوء ترتيبات أمنية جديدة في الشرق
الأوسط، مشيرة إلى الأسئلة المتزايدة حول درجة الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية
وضرورة توسيع الخيارات الدفاعية الإقليمية.
كما عكست تقارير
صحافية أمريكية حديثة نقاشاً متنامياً في عواصم الخليج بشأن الاستراتيجية الأمريكية،
وكلفة الحروب الإقليمية، والبحث عن ترتيبات أمنية أكثر تنوعاً. لكن قراءة ذلك
باعتباره انفصالاً خليجياً عن الولايات المتحدة ستكون مبالغة تحليلية، فلا تزال
القواعد الأمريكية، والأسلحة، والاستخبارات، والعلاقات السياسية ركائز أساسية في
أمن الخليج. التحول الحقيقي ليس الانفصال، بل التنويع، فواشنطن تريد حلفاء يتحملون
قدراً أكبر من مسؤولية الدفاع عن أنفسهم، بينما تريد دول الخليج توسيع خياراتها
حتى لا تعتمد قدرتها الدفاعية على مسار واحد. ويمكن للهدفين، في الوقت الراهن، أن
يسيرا معاً. لكن نقطة التحول الاستراتيجية ستظهر عندما لا يقتصر توزيع الأعباء على
القدرات العسكرية، بل يمتد إلى صناعة القرار الأمني نفسه، عندها قد يتحول تقاسم
الأعباء مع الولايات المتحدة تدريجياً إلى قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية
الإقليمية. فتوازن القوى لا يتغير دائماً بخروج قوة كبرى من المشهد؛ أحياناً يكفي
أن تُفتح أبواب جديدة.
لكن فتح الأبواب
شيء، وبناء منظومة دفاعية موثوقة شيء آخر، وهنا قد تصبح أكبر نقاط قوة اتفاق مكة
أيضاً أكبر اختباراته. فأصعب امتحان لأي
تحالف ليس وجود عدو مشترك، بل اختلاف
أعضائه في تحديد العدو. لقد أرست معاهدة شمال الأطلسي عام 1949 مبدأ الدفاع
الجماعي، لكن البنية العسكرية المتكاملة للحلف تطورت وتعززت عبر أزمات جاءت
لاحقاً. وسيواجه اتفاق مكة السؤال المؤسسي نفسه: ماذا يعني عملياً أن "الاعتداء
على طرف هو اعتداء على الجميع"؟ هل يعني الدخول المباشر في الحرب؟ أم توفير
الدفاع الجوي والصاروخي؟ أم تبادل المعلومات الاستخباراتية؟ أم الدعم البحري
واللوجستي والسيبراني؟ أم الاكتفاء بالمساندة السياسية والدبلوماسية؟
وإيران هي المثال
الأكثر وضوحاً على تعقيد هذا الاختبار. لم تتعامل طهران فوراً مع الاتفاق بوصفه
تحالفاً عدائياً، لكنها تمثل في الوقت نفسه نموذجاً أمنياً مختلفاً يعتمد على
الردع غير المتكافئ، والشركاء من غير الدول، والاستفادة من أوراق جغرافية
واستراتيجية مثل مضيق هرمز. وقد أثبتت أزمات هرمز مراراً أن القوة في الشرق الأوسط
لا تُقاس بعدد الصواريخ وحده، بل أيضاً بالقدرة على تحويل الجغرافيا إلى كلفة
عالمية. لذلك لم تعد المنطقة تشهد تنافساً بين تحالفات فحسب، بل بين نماذج مختلفة
للأمن والردع: نموذج إيران القائم على الردع غير المتكافئ وشبكات النفوذ، والتفوق
العسكري الإسرائيلي المقترن بمسار التطبيع الإقليمي والمظلة الأمنية الأمريكية
التقليدية، والآن نموذج الدفاع الجماعي بين الدول الذي تحاول باكستان وتركيا
والسعودية بناءه. ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي لاتفاق مكة ليس معرفة العدو الذي
تتفق عليه العواصم الثلاث، بل ما إذا كانت تستطيع بناء تعريف مشترك للأمن حتى
عندما تختلف في قراءة التهديد.
وعند هذه النقطة،
يتجاوز دور باكستان البعد العسكري إلى وظيفة سياسية أكثر دقة. فقد حرصت إسلام آباد
على تأكيد التزاماتها الدفاعية تجاه السعودية وشركائها في الخليج، مع إبقاء مساحة
للدبلوماسية وخفض التصعيد والحوار مع إيران والولايات المتحدة. وما يبدو ظاهرياً
تناقضاً قد يكون في الواقع أهم عناصر القيمة الاستراتيجية الباكستانية. فالسعودية
شريك دفاعي وثيق، وتركيا حليف قريب، والصين شريك استراتيجي، وإيران جار لا يمكن
تجاهله، والولايات المتحدة قوة عالمية تحافظ إسلام آباد على قنوات الاتصال معها. فإذا
قدمت باكستان القوة وحدها، فستكون ضلعاً قوياً في هذا المثلث؛ أما إذا حافظت إلى
جانب القوة على قدرتها على التواصل بين الأطراف، فقد تصبح مركز توازنه. ولهذا
يحتاج اتفاق مكة إلى أن يتطور ليس فقط بوصفه آلية للدفاع الجماعي، بل كإطار يجمع
الردع والدبلوماسية في الوقت نفسه. وسيكون تحديد
التهديد المشترك، وآليات التشاور في الأزمات، وتبادل المعلومات الاستخباراتية،
والتوافق العملياتي بين القوات، وضبط التصعيد من أهم اختبارات نجاحه.
وتكتسب مسألة
التوافق العملياتي أهمية خاصة، لأن القوات المسلحة الثلاث تعمل ضمن بيئات تسليح
مختلفة: تجمع باكستان بين منظومات صينية وغربية، وتعتمد السعودية بدرجة كبيرة على
منصات أمريكية وغربية، فيما تتجه تركيا بوتيرة متسارعة نحو التكنولوجيا الدفاعية
المحلية. وتحويل الإرادة السياسية إلى منظومة عسكرية حقيقية لا يحتاج إلى اتفاق
على الهدف فحسب؛ بل يحتاج أيضاً إلى أنظمة تستطيع أن تتحدث اللغة العملياتية
نفسها. وهذا هو الفارق بين الإعلان والمؤسسة، وبين الرمز والردع الموثوق.
لن يكون أعظم نجاح لاتفاق مكة هو اليوم الذي تدخل فيه الدول الثلاث حرباً معاً؛ سيكون نجاحه الأكبر تلك الحرب التي لا تبدأ أصلاً لأن القوة المشتركة جعلت كلفتها غير مقبولة
وهنا يكتسب
السؤال الذي بدأ منه هذا المقال معناه السياسي الكامل. المستقبل ليس فقط ما يحدث
للدول؛ بل هو أيضاً ما تستعد له اليوم بإعادة ترتيب مصادر قوتها واعتمادها
وتحالفاتها. لم تتخلَّ دول الخليج عن الولايات المتحدة، ولا تسمح الحقائق الدفاعية
الراهنة بمثل هذا الاستنتاج، لكن الحروب الأخيرة، وعدم اليقين في مضيق هرمز،
وتهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة، والتحولات في التحالفات الإقليمية، كلها
دفعت نحو توسيع الخيارات الأمنية.
وفي الوقت الذي
تواصل فيه السعودية إعطاء الدبلوماسية وخفض التصعيد أهمية واضحة، فإنها تستثمر
أيضاً في ترتيبات دفاعية وأمنية بحرية جديدة. وربما تلخص هذه المعادلة منطق الخليج
الجديد: أبقِ باباً مفتوحاً للدبلوماسية، لكن لا تقف أمام باب واحد حين يتعلق
الأمر بالأمن. فالإنسان، عندما يتراجع يقينه بسند واحد، لا يتخلى عنه بالضرورة في
اللحظة نفسها؛ بل يبدأ أولاً بتوزيع ثقله، وربما تفعل الدول الشيء ذاته.
وإذا أمكن تحويل
الردع الباكستاني، والصناعة الدفاعية التركية، والثقل الاقتصادي والسياسي السعودي
إلى منظومة تجمع القوة بضبط النفس، والدفاع الجماعي بالدبلوماسية، والتحالف بحرية
القرار، فلن يكون أعظم نجاح لاتفاق مكة هو اليوم الذي تدخل فيه الدول الثلاث حرباً
معاً؛ سيكون نجاحه الأكبر تلك الحرب التي لا تبدأ أصلاً لأن القوة المشتركة جعلت
كلفتها غير مقبولة. وعندها لن يكون السؤال الأهم في الشرق الأوسط المقبل هو ما إذا
كانت الولايات المتحدة ستغادر المنطقة أم ستبقى فيها؛ سيكون السؤال أكثر تعقيداً:
هل تستطيع واشنطن التكيف مع شرق أوسط يبقى حليفاً لها، لكنه لم يعد ينظر من فوق
كتفه إلى واشنطن وحدها كلما تعلق الأمر بصناعة أمنه؟
[email protected]
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.