"
الحرب
هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى" (كارل فون كلاوزفيتز).
بعد قرنين من الزمان،
قد يجد
الشرق الأوسط نفسه مجبراً على إضافة عبارة مريرة أخرى إلى هذه المقولة الشهيرة:
عندما تفشل السياسة في حل النزاعات الجوهرية، فإن الحرب لا تنتهي، بل تكتفي بتغيير
شكلها فقط.
تتبع كل أزمة جديدة
في الشرق الأوسط نمطاً مألوفاً ومتوقعاً؛ تندلع الأعمال العسكرية، وتتحرك
الدبلوماسية
على الفور، وتضطرب الأسواق العالمية، وفي غضون أيام قليلة، يتركز انتباه العالم كله
على هدف واحد ملموس: منع التصعيد من التحول إلى حرب إقليمية شاملة. ولم يكن التوتر
العسكري الأخير سوى انعكاس حي لهذه الحقيقة؛ حيث تمت السيطرة عليه مؤقتاً، لكن، هل
يمكن اعتبار ذلك نجاحاً حقيقياً؟
ومن هنا تبرز حقيقة
أساسية: إن معضلة الشرق الأوسط لا تكمن في غياب الدبلوماسية، بل في تحول غايتها وأهدافها.
اليوم، أصبح تحويل الأزمات إلى "حالة قابلة للإدارة" بدلاً من جعلها "قابلة
للحل" هو معيار النجاح. بات النجاح يُقاس بمدى محدودية القتال، ومدى أمان إمدادات
الطاقة، ومدى سرعة تعافي الاقتصاد العالمي. ولكن تحت ركام هذا النجاح المؤقت، تظل النزاعات
الاستراتيجية قائمة في مكانها، لتولد أزمة جديدة بعد كل بضع سنوات.
هذا هو التناقض الجوهري
في هذه المنطقة: على مدى العقدين الماضيين، أتقن الشرق الأوسط آليات احتواء الأزمات
وخفض التصعيد، لكنه تراجعت قدرته على إنتاج تسوية سياسية مستدامة. لقد زادت القدرة
على إدارة الأزمات، بينما تآكلت القدرة على بناء الثقة.
ويعود ذلك إلى وجود
رؤيتين أمنيتين متوازيتين ومتصادمتين؛ فبينما ترى طهران في قدراتها الصاروخية وشراكاتها
الإقليمية درعاً وجودياً لا غنى عنه لحمايتها، ترى الولايات المتحدة وحلفاؤها في هذه
القدرات نفسها تهديداً مباشراً للتوازن الإقليمي. فالردع قد يؤجل الحرب، لكنه لا يصنع
الثقة.
هذه الحالة المستمرة
من عدم الاستقرار الجيوسياسي لم تعد مجرد تهديد أمني فحسب، بل تحولت إلى تحدٍ اقتصادي
استراتيجي. لقد وضعت دول الخليج في السنوات الأخيرة أسس مشاريع كبرى للاستثمارات العالمية
والبنية التحتية الحديثة والتكنولوجيا. لكن التنمية الاقتصادية لا ترتبط بالإصلاحات
فقط، بل تُشترط بالاستقرار طويل الأمد والقدرة على التنبؤ السياسي. في ظل هدنة مؤقتة
وتحت ظلال جولات قتالية متقطعة، لا يمكن لأي حلم اقتصادي أن يظل آمناً لفترة طويلة.
وهنا يكمن التناقض؛ حيث تسعى المنطقة من جهة إلى بناء ناطحات السحاب والمراكز الاقتصادية
العالمية، بينما يظل خطر الحرب الإقليمية الدائمة من جهة أخرى يهدد تدفقات رأس المال
ويقوض ثقة المستثمرين.
عندما تُختزل الدبلوماسية
في مجرد تأجيل الانفجار القادم، فإن الثقة في لغة الحوار تتلاشى مع مرور الوقت، وعندما
تنتج
المفاوضات مراراً وتكراراً فترات هدوء مؤقتة دون تقديم سلام حقيقي ومستدام، فإن
لغة
القوة تبدأ في فرض نفسها على طاولة الحوار، وتتحول الأزمة من حدث عابر إلى حالة
إقليمية مزمنة.
إن الشرق الأوسط اليوم
لا يحتاج إلى مجرد "خفض للتصعيد"، بل يحتاج إلى استراتيجية حقيقية لـ"بناء
الثقة". إن مستقبل المنطقة لا يكمن في انتصار ساحق لأحد الأطراف أو استسلام طرف
آخر، بل يكمن في قدرة القيادات الإقليمية والقوى الدولية على تجاوز الإدارة المؤقتة
للأزمات، وتأسيس نظام سياسي مستقر يضمن ألا تكون الهدنة مجرد استراحة محارب، بل نقطة
انطلاق نحو مستقبل دائم ومستقر.
[email protected]
Byrumaisa.com
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.