هل خرجت مصر من حلف عسكري سعودي تركي باكستاني أم جرى استبعادها؟

التحالف الجديد يجمع الثقل المالي السعودي والقدرات العسكرية الباكستانية والصناعات الدفاعية التركية- جيتي
التحالف الجديد يجمع الثقل المالي السعودي والقدرات العسكرية الباكستانية والصناعات الدفاعية التركية- جيتي
شارك الخبر
في الوقت الذي كان يجري فيه الحديث عن تقارب (مصري، سعودي، باكستاني، تركي)، قد يتم صياغته في شكل تحالف رباعي من الدول السنة الأربعة في ظل تداعيات إقليمية خطيرة ومتتابعة، وقعت الدول الثلاثة منفردة دون القاهرة اتفاقية "مكة" للدفاع المشترك، الجمعة، ما دفع مصريون للتساؤل: "هل خرجت مصر أم أُخرجت من مثل ذلك ائتلاف؟".

وفي ظل غياب مثير للتكهنات لرئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، ومن مكة المكرمة، وقع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، اتفاقية دفاع مشترك الجمعة، وذلك بعد إعلان الرياض في 30 تموز/ يوليو الماضي تشكيل تحالف دفاعي بحري من 13 دولة ليس من بينها مصر، التي أعلنت بشكل غير رسمي تريثها في الانضمام ودراسة الموقف وأخذ رأي البرلمان.

لكن الاتفاق الجديد الذي وصفته "the new indian xpress"، بأنه "ناتو إسلامي، وتوقعت أن يؤدي لـ"تغيير موازين القوى بالشرق الأوسط وجنوب آسيا"، يهدف إلى "تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء"، وينص على أن "أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هجوم على الجميع"، كما يقوم على "تطوير "التعاون الدفاعي"، وفق بيان وكالة "واس".

وتشير تساؤلات محللين مصريين عن سبب غياب مصر عن تحالف يعمل لحماية المدخل الجنوبي للبحر الأحمر الذي يموج بالكثير من الأحداث التي تؤثر على حرية الملاحة بقناة السويس، متسائلين كيف يتم تشكيل تحالف لحماية البحر الأحمر دون مصر؟، وهل فضلت القاهرة الحليف الإماراتي على السعودي؟، وهل يؤذن هذا الوضع بتأزم جديد بعلاقات القاهرة والرياض؟، وهل قررت مصر عدم ازعاج إسرائيل بالانضمام إلى تكتل عسكري فيه تركيا؟، وما خسائر ومكاسب البلد العربي صاحب الجيش الأقوى عربيا وأفريقيا؟.

تساؤلات مشروعة ومعلومات غائبة

وفي رؤيته، قال الخبير في الاستراتيجية وإدارة الأزمات الدكتور مراد علي، لـ"عربي21": "لا نملك معلومات تسمح بالجزم بما حدث خلف الكواليس، ولكن لدينا تساؤلات دون إصدار أحكام"، مؤكدا أن "مصر لم تكن بعيدة عن هذا المسار، ففي 21 حزيران/يونيو الماضي، اجتمع بالقاهرة ما عُرف بإطار (R4)، مصر والسعودية وتركيا وباكستان، وتناول قضايا الأمن والاستقرار الإقليميين".

اظهار أخبار متعلقة



وأوضح أنه "لذلك فانتقال السعودية وتركيا وباكستان بعد ذلك لمستوى أكثر تقدمًا من التعاون الدفاعي، بغياب مصر، يطرح سؤالًا حول ما جرى بين المرحلتين: هل كان التصور أن يتطور هذا الإطار الرباعي لصيغة أمنية ودفاعية أوسع ثم خرجت مصر منه؟، هل جرى استبعادها؟ أم أن القاهرة فضلت عدم الانتقال لهذا المستوى من الالتزام العسكري؟، لا أعتقد أن لدينا حتى الآن ما يكفي للإجابة القطعية عن ذلك".

وتساءل علي، "عن أثر التحالفات الإقليمية الأخرى في الموقف المصري، وهل فضّلت القاهرة الحفاظ على تموضعها الوثيق مع الإمارات وعدم الذهاب بعيدًا بمسار تتصدره السعودية مع تركيا وباكستان؟، وهل كانت هناك حسابات مرتبطة بعلاقة القاهرة وتل أبيب، أو بترتيباتها بشرق المتوسط مع اليونان وقبرص، جعلتها أكثر تحفظًا إزاء الانخراط بتحالف عسكري تركيا أحد أعمدته؟".

ولا يعتقد أن "هذا التطور يعني بالضرورة أننا أمام أزمة جديدة وحتمية بين القاهرة والرياض، فعلاقاتهما أكبر وأعمق من أن تُقرأ من خلال خطوة واحدة، وهناك مصالح اقتصادية وسياسية وأمنية بينهما، لكن بتشكل محور أمني يجمع السعودية وتركيا وباكستان، فغياب مصر عنه ليس أمرًا هامشيًا، ويثير تساؤلات حول اتجاه العلاقات بين مصر والسعودية، وحول موقع مصر بإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية".

أهمية التحالف وحجم المخاطر

ولفت مراد علي، إلى أن "الأمر يصبح أكثر أهمية حين ننظر لحجم التحديات التي تواجهها مصر كدولة تقع بقلب واحد من أخطر الممرات البحرية بالعالم، وقناة السويس تعرضت بالسنوات الأخيرة لضغوط اضطراب الملاحة بالبحر الأحمر، كما شهدت مصر مؤخرًا حادثة خطيرة بوصول مسيّرة لمنشأة داخل أحد موانئها المهمة، ولا تزال هناك أسئلة حول مصدرها وكيف استطاعت الوصول للهدف الاستراتيجي".

ويرى أنه "بهذه البيئة الأمنية، فالتعاون مع السعودية وتركيا وباكستان قد يوفر لمصر قيمة استراتيجية كبيرة بمجالات الدفاع الجوي، والإنذار المبكر، وأمن البحر الأحمر، والصناعات العسكرية، والمسيّرات، وتبادل المعلومات والتدريب".

وبين أنه "إذا نظرنا للدول الثلاث، فنحن أمام مزيج شديد الأهمية: السعودية بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي وموقع استراتيجي بالخليج والبحر الأحمر، وتركيا بما تمتلكه من جيش كبير وقاعدة صناعية دفاعية متطورة، وباكستان وقدرات عسكرية كبيرة وعمق استراتيجي وخبرة طويلة، فضلًا عن كونها قوة نووية، ومن ثم فخروج مصر أو بقائها خارج مثل هذه المنظومة قد يحرمها من فرصة مهمة للمشاركة ببناء نظام أمني إقليمي جديد بدلًا من الاكتفاء بمراقبته من الخارج".

وأكد أنه "بالطبع قد تكون لدى النظام المصري حسابات مختلفة، فقد يرى أن شبكة علاقاته الواسعة مع إسرائيل والهند واليونان وقبرص تتطلب قدرًا أكبر من المرونة وألا ترتبط بمحور عسكري واحد؛ لكن السؤال: هل المكاسب التكتيكية المحتملة تساوي الخسارة الاستراتيجية إذا تحولت الشراكة السعودية التركية الباكستانية لنواة حقيقية لمنظومة أمنية إقليمية جديدة؟".

وشدد على أن "مصر ليست دولة صغيرة على هامش المنطقة، وزنها السكاني والعسكري والجغرافي والتاريخي يجعل مكانها الطبيعي بقلب أي معادلة أمنية عربية وإسلامية كبرى"، متمنيا "عدم تباعد مصر وحاضنتها العربية والإسلامية، وألا تكون التزاماتها أو حساباتها مع المحور الإسرائيلي–القبرصي–اليوناني بشرق المتوسط أصبحت قيدًا يحول دون بناء علاقات استراتيجية أعمق مع السعودية وتركيا وباكستان".

وختم قائلا إنها "بحاجة لإعادة بناء تموضعها الاستراتيجي بصورة شاملة؛ ليس المطلوب أن تعادي أحدًا، ولا أن تنضم إلى أي تحالف بلا حساب، ولكن المطلوب أن يكون قرارها نابعًا أولًا من مصالحها الوطنية ومن إدراكها لوزنها الحقيقي".

خرجت مصر أم أُخرجت؟

استشاري الإدارة الاستراتيجية الدكتور محمد زويل، لـ"عربي21"، قال إن مصر كانت حتى حزيران/يونيو الماضي جزءً من صيغة التشاور الرباعية مع الدول الثلاث، وعُقد الاجتماع الرابع بالقاهرة بدعوة مصرية؛ لذلك نفرق بين (استبعاد مصر) و(اختيار مصر عدم الدخول)، فالمعلومات العلنية حتى الآن لا تثبت أن القاهرة استُبعدت رسميًا".

اظهار أخبار متعلقة



الباحث في الشئون السياسية وإدارة الصراع، أكد لـ"عربي21"، "لا توجد حتى الآن أدلة علنية كافية للقول إن مصر أُخرجت من التحالف، والأدق القول إن السعودية وتركيا وباكستان انتقلت لصيغة ثلاثية أكثر التزامًا عسكريًا، بينما لم تدخل مصر فيها، وهذا فرق استراتيجي كبير، وبالتالي قد يكون السؤال: لماذا قبلت الرياض وأنقرة وإسلام آباد الانتقال لمستوى التحالف الدفاعي بينما فضّلت القاهرة البقاء خارجه؟".

وفي إجابته على السؤال: هل فضّلت مصر الإمارات على السعودية؟، تحفظ زويل، على هذه الفرضية لكون الإمارات ليست طرفًا بالاتفاق الثلاثي، مؤكدا أن "المشهد ليس: مصر+ الإمارات، ضد السعودية+ تركيا+ باكستان، بل أقرب إلى أن السعودية تعيد بناء شبكة أمن إقليمي جديدة، وتركيا وباكستان عمودين فيها، ومصر اختارت ألا تتحول من شريك تشاور إلى طرف في التزام دفاعي تلقائي".

ويرى أن "القول بإن القاهرة (اختارت الإمارات على السعودية) يحتاج أدلة إضافية، لكن توجد زاوية أكثر عمقًا: فمصر لديها مصلحة بالحفاظ على علاقتها الاستراتيجية بالإمارات لكنها لا تستطيع التفريط بالسعودية، لأنها بالنسبة لمصر عمق عربي وخليجي، وشريك اقتصادي واستثماري، وعنصر مهم بأمن البحر الأحمر، وقوة عربية يصعب على القاهرة أن تدخل معها بخصومة استراتيجية، لذلك لا أرى أن القاهرة تريد الانحياز لأبوظبي ضد الرياض، وإنما تريد الحفاظ على مسافة حركة بين القوتين".

إزعاج إسرائيل بتحالف فيه تركيا

قال الخبير المصري: "لا أرى دليلًا يسمح بالقول إن إسرائيل التي طلبت من مصر عدم الانضمام، إنما هناك منطق استراتيجي واضح، اتفاق يمنح تركيا دورًا عسكريًا أكبر، ويضم باكستان صاحبة القدرات النووية ويؤسس لمبدأ (الهجوم على أحد هجوم على الجميع)؛ يمكن أن يُقرأ في إسرائيل بوصفه نشوء قدرة ردع إقليمية مستقلة عن تل أبيب وواشنطن".

ويرى أن "لمصر، حساباتها، فالقاهرة مرتبطة بمعاهدة سلام مع إسرائيل ولديها علاقات أمنية وعسكرية وثيقة مع أمريكا، وأمن سيناء وغزة والبحر الأحمر يجعلها في تماس مباشر مع تل أبيب، لذلك انضمامها لتحالف عسكري تقوده جزئيًا تركيا بلحظة شديدة الحساسية بين أنقرة وتل أبيب يجعلها أمام التزامات استراتيجية لا تريدها".

وأوضح أنه "ليس بالضرورة أن تكون مصر قد قالت: (لن نغضب إسرائيل)، بل ربما قالت: (لن ندخل في ترتيب عسكري قد يضعنا بمواجهة غير مباشرة مع إسرائيل أو أمريكا أو إيران قبل أن نحدد أين تبدأ مصالحنا وأين تنتهي؟)، وهذا أكثر واقعية من نظرية (الإملاء الإسرائيلي).

ويعتقد زويل، أن "هذا ليس بالضرورة ينذر بأزمة بين القاهرة والرياض؛ لكنه قد يكون مؤشرًا على اختلاف في تعريف الأمن الإقليمي، فالسعودية أكثر استعدادًا لبناء مظلة أمنية إقليمية متعددة الأطراف بعد أن أصبحت الثقة في الحماية الخارجية أقل، والاتفاق يجمع: المال والطاقة السعودية، والصناعة والتكنولوجيا العسكرية التركية، والخبرة العسكرية والردع النووي الباكستاني، في تكامل له منطق استراتيجي".

"أما مصر، فتبدو أقرب لنموذج تعدد الشراكات دون الالتزام بمحور عسكري واحد، وهذا الاختلاف قد يسبب احتكاكات سياسية، لكنه لا يعني بالضرورة أزمة سعودية مصرية؛ بل أذهب  أبعد من ذلك: إذا تعاملت القاهرة مع الأمر بذكاء، فقد تتحول عضويتها السابقة في صيغة (R4) لقناة اتصال بين الرياض والتحالف الجديد، وبقية النظام العربي".

ماذا تخسر مصر؟

يعتقد زويل، أن "الخسارة الحقيقية أكبر من مجرد (كرسي في تحالف)، بل خسارة جزء من النفوذ في هندسة الأمن الإقليمي، فالسعودية وتركيا وباكستان لديها الآن منصة أمنية تستطيع تطويرها، ومصر تجد نفسها خارج التحالف عندما انتقل من التشاور إلى الالتزام الدفاعي، وهذه خسارة سياسية".

ولفت ثانيا إلى "خسارة فرصة بناء منظومة أمن البحر الأحمر؛ وهذه ربما أخطر نقطة، فمصر لديها قناة السويس والبحر الأحمر وباب المندب كجزء أساسي من أمنها القومي، والاتفاق الجديد يأتي وسط تتعرض طرق الملاحة والمنشآت الاستراتيجية بالمنطقة لضغوط كبيرة".

وألمح إلى "خسارة فرصة الاستفادة من القدرات التركية والباكستانية"، موضحا أن "تركيا لديها صناعة دفاعية متقدمة، خصوصًا في الطائرات المسيرة والمنظومات البحرية والجوية، بينما توفر باكستان خبرة عسكرية وعمقًا استراتيجيًا مختلفًا، ومصر خارج هذه المنظومة قد يعني أنها تفوّت فرصة للمشاركة ببناء سوق ومنظومة دفاع إقليمية".

اظهار أخبار متعلقة



وأشار إلى "الردع الجماعي"، كخسارة رابعة لمصر، مبينا أنه "إذا تعرضت السعودية لاعتداء، فتركيا وباكستان لديهما الآن أساس سياسي للدخول إلى جانبها، أما مصر فلا تملك الالتزام ذاته، وبالعكس، لو تعرضت لهجوم مماثل، فلن تكون السعودية وتركيا وباكستان ملزمة وفق هذا الاتفاق بالدخول تلقائيًا في الحرب إلى جانبها".

هل لمصر مكاسب؟

"نعم، وبقوة"، يجيب الخبير المصري، مؤكدا أن المكسب الأول: "عدم الوقوع في (فخ الالتزام التلقائي)، فمصر لديها حدود ومصالح بليبيا والسودان وغزة، والبحر الأحمر، وشرق المتوسط والقرن الأفريقي وسيناء؛ وليس من مصلحتها أن تصبح ملزمة بدخول حرب لأن دولة حليفة تعرضت لهجوم".

وبين أن "المكسب الثاني: الحفاظ على العلاقة مع واشنطن، فالاتفاق السعودي التركي الباكستاني يرسل رسالة واضحة إلى أمريكا بأن حلفاءها الإقليميين يريدون قدرًا أكبر من الاعتماد على الذات، أما مصر، فببقائها خارجه تحتفظ بمساحة أكبر في العلاقة الأمنية مع أمريكا"، إلى جانب "تجنب الصدام غير المباشر مع إسرائيل، فمصر لا تحتاج في الوقت الراهن لفتح جبهة استراتيجية جديدة"، كمسكب ثالث.

ورابعا: "الاحتفاظ بعلاقة متوازنة مع السعودية وتركيا والإمارات، كأهم مكسب، فبدل أن تصبح القاهرة طرفًا بمحور، يمكنها أن تصبح دولة توازن بين المحاور؛ لكن هناك خطر أكبر إذا استمرت مصر في سياسة: لا ندخل التحالف ولا نبني تحالفًا بديلًا فإن المشكلة تصبح خطيرة، لأن العالم يتحول من مرحلة التحالفات التقليدية بمرحلة شبكات الأمن متعددة الأطراف، والسعودية فهمت هذا مبكرًا".
التعليقات (0)