مع اقتراب الموعد الذي حددته الحكومة
العراقية في 30 أيلول/ سبتمبر المقبل لإنهاء وجود
الفصائل المسلحة، يدخل العراق مرحلة مفصلية في ملف السلاح خارج إطار الدولة، لا سيما بعد إعلان "ائتلاف إدارة الدولة" التعامل مع أي نشاط مسلح بعد هذا التاريخ وفق قانون "مكافحة الإرهاب".
ويأتي ذلك في ظل تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية على بغداد، بعد اتهامات باستخدام الأراضي العراقية لتنفيذ هجمات ضد دول الجوار، وما تبعها من تطورات عسكرية وسياسية أعادت ملف الفصائل المسلحة إلى واجهة المشهد العراقي.
وحمل بيان "إدارة الدولة" دلالات سياسية تتجاوز الجانب الأمني، إذ يعكس توافقا رسميا بين السلطات الرسمية، على ضرورة إنهاء ظاهرة السلاح المنفلت، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالا ملحا عن مدى قدرة الحكومة على تنفيذ ذلك، في ظل تعقيدات العلاقة بين القوى السياسية الشيعية والفصائل المسلحة.
اظهار أخبار متعلقة
"شرط أساسي"
تعليقا على ذلك، ذهب الكاتب والمحلل السياسي العراقي هلال العبيدي إلى أن نزع سلاح الفصائل لم يعد مجرد شرط أمريكي، بل أصبح، قبل ذلك، مطلبا إقليميا فرضته التطورات المحيطة بالعراق.
وقال العبيدي لـ"عربي21" إن دول الجوار "فاض بها الكيل" من استمرار وضع داخلي غير مسيطر عليه، سواء على المستوى الأمني أو السياسي، مشيرا إلى أن تأثير هذه الحالة وصل حتى إلى إقليم كردستان العراق.
ورأى الخبير السياسي العراقي أن الوضع الإقليمي هو الذي حرّك الولايات المتحدة ودفعها إلى وضع نزع سلاح الفصائل شرطا ضروريا لاستمرار حكم القوى الشيعية في العراق.
ولا يقتصر الضغط، وفق العبيدي، على الخارج، إذ توجد قوى سياسية داخل وأخرى شعبية داخل العراق تريد أيضا نزع سلاح الفصائل، مشيرا أن غياب التمثيل الحقيقي بالبرلمان، إلى جانب المال الفاسد وعدم تطبيق الانتخابات بصورة عادلة، أسهم في وصول الفصائل والقوى المسلحة إلى نفوذ سياسي كبير.
وأعرب العبيدي عن اعتقاده بأن القوى الشيعية نفسها بدأت تدرك أن الأولوية لم تعد فقط حماية ما يسمى "المقاومة"، وإنما حماية النظام السياسي الذي تتولى إدارته، لافتا إلى أن هذا التحول يعني أن حماية النظام أصبحت قضية أساسية بالنسبة إلى هذه القوى.
ورأى أن سلاح الفصائل يمثل "سلاحا ذا حدين"، فهو من جهة يوفر دعما لحكم القوى الشيعية، لكنه من جهة أخرى يضر بهذا الحكم بسبب عدم خضوعه للدستور والقانون، وارتباط قراره، بحسب رأيه، بأوامر تأتي من الخارج، وتحديدا من إيران.
وبحسب العبيدي، فإن بقاء الحكم الشيعي لا يعني بالضرورة بقاء السلاح خارج الدولة، إذ يمكن أن يستمر الحكم من خلال المؤسسات الدستورية والانتخابات، شرط أن تكون هذه العملية السياسية بعيدة عن تأثير السلاح.
وأكد العبيدي أن الفصائل المسلحة مطالبة بالاندماج في القوات الأمنية، وأن مستقبل الحكم الشيعي يرتبط إلى حد كبير بقرار
نزع السلاح، لأن القضية في جوهرها تتعلق بقدرة هذا الحكم على إدارة الدولة.
اظهار أخبار متعلقة
حماية النظام
من جهته، قال الكاتب والمحلل السياسي العراقي جاسم الشمري، إن نزع سلاح الفصائل ربما أصبح "الشرط الأمريكي الأبرز والأهم" مقابل استمرار العملية السياسية، لكنه تحفظ على اختزال القضية في استمرار حكم
الشيعة، وإنما يتعلق الأمر في النهاية بمستقبل النظام السياسي والدولة العراقية ككل.
وأضاف الشمري لـ"عربي21" أن القوى السياسية الشيعية حاولت في البداية التعامل مع الشرط الأمريكي بالمراوغة السياسية أو إعادة تفسيره، لكنها اصطدمت، بحسب تقديره، بصلابة واضحة من البيت الأبيض، ما عزز قناعتها بأن واشنطن جادة هذه المرة في مسألة نزع سلاح المليشيات.
وحذر الكاتب من أن عدم الاستجابة لهذا المطلب قد يدفع العراق إلى مرحلة من التصعيد السياسي والأمني، وربما يصل الأمر إلى إعادة النظر في المعادلة السياسية القائمة، بما يشمل مستقبل القوى الشيعية الكبرى ودورها في الحكم.
وفي قراءته لتحول الأولويات، رأى الشمري أن ما جرى خلال السنوات الماضية تمثل في تحويل قضية "حماية المقاومة" إلى قضية "حماية النظام السياسي". وأكد أن المقاومة لم تُستخدم بوصفها مشروعا عسكريا أو أمنيا فقط، بل تحولت أيضا إلى وسيلة للحفاظ على النظام السياسي القائم، وارتبطت بأهداف سياسية وحزبية ومكوناتية، وحتى شخصية.
وأشار إلى أن هذا الاستخدام ليس جديدا، بل يعود إلى بدايات تشكيل الكيانات السياسية والعملية السياسية بعد عام 2003، لافتا إلى أن جهات مشاركة في العملية السياسية، وفي مقدمتها قوى ضمن "الإطار التنسيقي" الشيعي، هي في الوقت نفسه جزء من مما تُسمى "المقاومة الإسلامية" في العراق.
ورأى الشمري أن الفصائل تمكنت خلال السنوات الماضية من امتلاك نفوذ سياسي داخل البرلمان ومؤسسات الدولة، فيما جرى تغليف هذا الدور بعناوين من بينها محاربة تنظيم "الدولة" وحماية المراقد الدينية، بما منح السلاح شرعية سياسية ومجتمعية.
وأعرب الكاتب العراقي عن اعتقاده بأن المرحلة الحالية مختلفة بسبب اتساع التركيز الأمريكي والضغوط الإقليمية لإعادة التوازن إلى الدولة العراقية، بحيث تكون دولة جامعة لجميع العراقيين وليست خاضعة لإرادة مكون أو قوة سياسية واحدة.
ورقة إيرانية
أما الموقف الإيراني من مستقبل سلاح الفصائل، فيرى الشمري أن طهران حريصة على بقاء السلاح الذي يأتمر بأمرها في العراق وسوريا ولبنان، لأن هذا السلاح يمثل، وفق تقديره، ورقة نفوذ إقليمية.
وأشار إلى أن إيران، وخصوصا بعد الحرب الأخيرة، لا تريد أن تكون في الواجهة المباشرة للمواجهة، وأنها تحاول إعلاميا وسياسيا النأي بنفسها عن الهجمات التي تنفذها الفصائل المسلحة، ومن بينها الهجمات التي استهدفت السعودية.
وفي المقابل، يعتقد الشمري أن الإبقاء على الفصائل لا يرتبط فقط بمشروع طائفي أو مذهبي، وإنما بالمصالح الاستراتيجية الإيرانية وأدوات النفوذ التي تستخدمها طهران في المنطقة.
وأكد أن الفصائل، مهما بلغت قوتها، لا تمتلك القدرة على خوض مواجهة متكافئة مع الولايات المتحدة، ولا تستطيع إحداث تغيير استراتيجي في الدول المستهدفة، موضحا أن قدرتها على استهداف بعض المواقع أو المنشآت لا تعني قدرتها على تغيير المعادلات السياسية والأمنية للدول.
اظهار أخبار متعلقة
وربط الشمري بين استجابة الفصائل لبعض المطالب السياسية وبين طبيعة قرار الحرب والسلم لديها، مشيرا إلى أن تأجيل ضربات ضد السعودية بناء على طلب هادي العامري (أحد قادة الإطار التنسيقي)، يعكس أن هذا القرار ليس مستقلا بالكامل عن الحسابات السياسية والإقليمية.
وفي السياق ذاته، قال المحلل السياسي القريب من الإطار التنسيقي حيدر الموسوي خلال مقابلة تلفزيونية، الأسبوع الماضي، إن "الإطار" بدأ منذ مدة باتخاذ قراراته بمعزل عن الجانب الإيراني، وإنه يجري محادثات معمقة مع الفصائل الرافضة لنزع السلاح بهدف الحفاظ على الحكم بيد الشيعة.
وأشار الموسوي إلى أن الحفاظ على الحكم أصبح "أولوية" لدى أغلب قيادات الإطار، مستشهداً بموقف هادي العامري الذي قال إن المقاومة لا تنحصر بالسلاح، وإن الحفاظ على نظام حكم يترأسه الشيعة ينبغي أن يكون أولوية حتى لو تطلب الأمر إقامة علاقة مع الولايات المتحدة.
وعن إيران، قال الموسوي إن هناك تفهّما لاختلاف الحالة العراقية عن الواقع الإيراني، وإن عدم الاستقرار في العراق قد يؤدي إلى "ذهاب الحكم من يد الشيعة"، وهو ما تتحدث عنه قيادات داخل الإطار التنسيقي.