تصاعدت حدة ردود الأفعال الصادرة عن القوى السياسية والفصائل المسلحة في
العراق، الأربعاء، المنددة بالقصف المشترك الذي شنته القوات
السعودية والأمريكية والذي استهدف مقرات تابعة لهيئة الحشد الشعبي، وأسفر عن سقوط العشرات من المنتسبين بين قتيل وجريح.
وما بين دعوة لاتخاذ موقف حازم وحاسم، وأخرى هددت بالرد، أصدر زعماء عدة فصائل مسلحة بيانات وصفوا الهجوم السعودي بأنه "اعتداء آثم وغير مبرر استهدف سيادة العراق وقواته المسلحة بإسناد من الطيران الأمريكي".
انطلاق مراسم تشييع قتلى الحشد
ومساء اليوم الأربعاء، انطلقت وسط العاصمة العراقية بغداد، مراسم تشييع ضحايا القصف السعودي الأمريكي الذي استهدف مقرات للحشد الشعبي في مناطق متفرقة من البلاد.
وأظهرت لقطات مصورة، انطلاق مسيرة شاركت فيها العديد من
الفصائل وقادة الحشد الشعبي من منطقة شارع فلسطين وسط بغداد، كما شهدت ترديد هتافات ضد السعودية وأمريكا، ودعوات للانتقام.
معظم القتلى لفصائل ترفض نزع سلاحها
اللافت أن معظم القتلى الذين سقطوا جراء الغارات الأمريكية، يتبعون ستة فصائل مسلحة عراقية سبق وأعلنت رفضها دعوة رئيس الحكومة الجديد علي الزيدي نزع سلاحها، والذي حدد نهاية شهر أيلول/سبتمبر آخر موعد لذلك.
ومن أبرز تلك الفصائل: كتائب "سيد الشهداء"، وحركة النجباء، وكتائب حزب الله العراقي، و"سرايا أولياء الدم"، و"أصحاب الكهف" التي كانت لها مشاركة واسعة في إسناد إيران عقب شن أمريكا وإسرائيل هجمات ضدها في 28 شباط/فبراير الماضي، بالإضافة إلى كتائب كربلاء.
الفصائل تدعو لنزع سلاح الحكومة
ومن بين تلك الفصائل "بدر، وعصائب أهل الحق، وحركة النجباء، وكتائب حزب الله"، حيث دعت للإسراع في إخراج القوات الأجنبية من العراق وتأمين منظومات دفاع جوي متطورة لحماية الأجواء العراقية، كما أطلقت تهديداً بدفع الرياض وواشنطن "ثمناً باهظاً من مصالحهما وأمنهما".
وفي السياق، دعت "سرايا أولياء الدم" إلى "طرد" السفير السعودي من العراق فوراً، وقطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع السعودية.
وقال الناطق باسم السرايا أبو مهدي الجعفري في بيان: "لا زلنا ننتظر موقفاً رسمياً من الحكومة العراقية يرتقي إلى حجم الحدث، ويعبّر عن الوفاء لتضحيات الشهداء"، مبيناً أن "الحكومة إن تقاعست عن أداء واجبها فعلى الشعب العراقي المطالبة بحصر سلاح الحكومة بيد المقاومة".
وأعلنت هيئة الحشد الشعبي، الأربعاء، مقتل 20 منتسباً وإصابة 32 آخرين في القصف الأمريكي السعودي على مقراته في محافظات "بغداد، وواسط، ونينوى، والبصرة، وكركوك، وكربلاء، وديالى"، وأوضحت أن الحصيلة قابلة للارتفاع أو التحديث مع استمرار عمليات البحث والتدقيق.
لبحث الرد.. الفصائل العراقية تعقد اجتماعاً "عن بُعد"
على الصعيد نفسه، كشفت مصادر مطلعة قيام ما يُعرف بـ"المقاومة الإسلامية في العراق" بعقد اجتماع "عن بُعد" لبحث الرد على القصف "الأمريكي السعودي" أو الامتناع عنه.
ونقلت وسائل إعلام محلية عن المصادر تأكيدها أن الاجتماع عُقد عن بُعد تجنباً لعقد لقاء مباشر خشية تعرضه للاستهداف، في أعقاب الضربات التي استهدفت مواقع تابعة للحشد الشعبي.
وأشارت المصادر إلى أن الفصائل تواجه ضغوطاً سياسية وحكومية كبيرة لعدم المضي بأي تصعيد عسكري، في ظل مخاوف من أن يؤدي أي رد إلى تداعيات أمنية وسياسية خطيرة داخل العراق، ويفتح الباب أمام اتساع رقعة المواجهة الإقليمية.
نواب للزيدي "السعودية قصفت كربلاء يا رئيس الوزراء"
من جهتهم، أصدر نواب عراقيون مواقف شديدة اللهجة إزاء الضربات الجوية الأمريكية السعودية التي استهدفت مقرات الحشد الشعبي ومدناً عراقية عدة، محذرين من خطورة استهداف المدن المكتظة بالزائرين ككربلاء.
ودعوا حكومة الزيدي إلى اتخاذ خطوات حاسمة تشمل إلغاء زيارة الرياض المقررة غداً الخميس، وقطع التنسيق الأمني والاقتصادي مع الأطراف المتورطة، واستدعاء السفير السعودي، فضلاً عن تبني سياسة الردع والرد بالمثل دفاعاً عن "دماء العراقيين وأمنهم".
الزيدي يدرس تأجيل زيارته إلى السعودية
وضمن تداعيات القصف، نقلت وسائل إعلام محلية عن مصدر حكومي مطلع قوله إن رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي يدرس إلغاء أو تأجيل زيارته الرسمية إلى السعودية، المقررة يوم غد الخميس، على خلفية التطورات الأمنية الأخيرة التي شهدتها البلاد.
وأضاف المصدر أن "الزيدي حتى الساعة لم يتخذ القرار الرسمي والنهائي بإلغاء الزيارة أو تأجيلها، فهو ما زال يدرس القرار مع فريقه السياسي"، مشيراً إلى أن "هناك تواصلاً مع أطراف إقليمية ودولية من أجل تهدئة الأوضاع".
وتابع أن "المعطيات والمؤشرات تدفع نحو تأجيل الزيارة لموعد آخر لمنع أي تصعيد شعبي وسياسي ضد الزيدي وحكومته من قبل الفصائل المسلحة".
الصدر.. "كفانا حرباً"
وفي أول موقف له بعد القصف الأمريكي السعودي على العراق، أعرب زعيم التيار الوطني الشيعي، مقتدى الصدر، عن استنكاره وقال: "كفانا حرباً"، داعياً الحرس الثوري الإيراني إلى عدم قصف العراق.
كما وجه حديثه إلى ما وصفها بـ"الميليشيات المنفلتة"، مشدداً على ضرورة عدم إعطاء ذرائع لدول الخليج العربي بقصف العراق، ومؤكداً أن العراق وشعبه بحاجة إلى السلام، ومجدداً دعوته إلى التحلي بروح الإخوة والوحدة وعدم الانسياق خلف مخططات العدو الساعية إلى زعزعة الأمن والفتنة.
إيران على خط الأزمة
وفي تطور لافت، أفادت وكالة "
مهر" للأنباء الإيرانية، الأربعاء، بمقتل أربعة من عناصر الحرس الثوري في الهجوم الأمريكي السعودي على العراق، وبحسب الوكالة، فإن العناصر من مدينة كاشان الإيرانية وهم كل من: "علي أصغر آستانه، وأبو الفضل متقي، ومرتضى أكبري، وأمير عباس درهم فروش".
وأدانت وزارة الخارجية الإيرانية، اليوم، الهجمات الأمريكية السعودية، قائلة إنها تمثل "اعتداءً واضحاً" على سيادة ووحدة أراضي العراق.
كما اعتبرت استهداف مقار الحشد أنها تنسجم مع مساعي الولايات المتحدة وتل أبيب لتوسيع رقعة الحرب في المنطقة، فيما أعلنت تضامنها الكامل مع بغداد، وحملت واشنطن وحلفاءها في المنطقة مسؤولية العواقب الخطيرة لهذه الأعمال التي وصفتها بالاستفزازية.
"الحوثيون" يعلنون تعاونهم مع الحشد الشعبي
ووسط تحذيرات من اتساع رقعة المواجهة، وفقاً لوكالة "رويترز"، اتهم عضو المكتب السياسي في جماعة "أنصار الله" اليمنية، عبدالله النعمي، الأربعاء، السعودية بمحاولة تحميل فصائل الحشد الشعبي مسؤولية هجمات لم تنفذها، واصفاً موقف الرياض بـ"المرتبك والضعيف".
وقال النعمي إن الحشد الشعبي نفى في أكثر من مناسبة تنفيذ هجمات ضد السعودية، فيما أعلنت جماعة "أنصار الله" بصورة واضحة مسؤوليتها عن عمليات سابقة استهدفت موانئ ومنشآت سعودية، بينها مواقع في ينبع وجيزان.
وأضاف أن السعودية "لا تريد الاعتراف" بتبني الجماعة لتلك العمليات، واتهمها بالبحث عن "أعداء وهميين" في المنطقة، فيما حذر النعمي من أن توجيه الاتهامات إلى الحشد الشعبي قد يؤدي إلى "خلق عدو جديد للمملكة"، مضيفاً: "مستعدون للتعاون للإطاحة بالنظام السعودي".
أمريكا تحذر رعاياها بعد إعلان مشاركتها
وجددت البعثة الأمريكية في بغداد، الأربعاء، تحذيرها إلى رعاياها من السفر إلى العراق بسبب وجود ما وصفته بـ"الإرهاب والاختطاف والنزاع المسلح"، مشيرة إلى "محدودية" قدرة الولايات المتحدة على تقديم المساعدة لهم.
وقالت البعثة، في "تحذير أمني"، إن "جماعات ميليشيا متحالفة مع إيران شنت هجمات انطلاقاً من الأراضي العراقية استهدفت أهدافاً داخل العراق وفي المنطقة"، مؤكدة أن هذه الهجمات تشكل مخاطر جسيمة على السلامة العامة.
وفي تصريحات لشبكة "فوكس نيوز"، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأربعاء، أن الهجوم الذي استهدف الفصائل في العراق نُفذ بالتنسيق مع الحكومة العراقية.
أعلنت "
سنتكوم"، فجر الأربعاء، أن مقاتلات أميركية وسعودية نفذت ضربات دقيقة على مواقع للأسلحة والإمدادات اللوجستية في مناطق عدة من شرقي العراق، قالت إنها تابعة لفصائل مرتبطة بإيران ومسؤولة عن تلك الهجمات.
أكدت وزارة الدفاع السعودية الضربات، معلنةً في بيان نشرته عبر منصة "إكس" أن المملكة شنت، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، هجوماً استهدف "ميليشيات إرهابية موالية لإيران" في العراق، متهمةً تلك الجماعات بالوقوف وراء الهجمات الأخيرة التي استهدفت منشآتها النفطية.
ونقلت شبكة "سي إن إن" عن مسؤول أمريكي، لم تكشف عن هويته، قوله إن هذه الغارات تُعد "رسالة واضحة بأننا لن نترك تلك المحاولات (استهداف المنشآت النفطية) تمر دون رد".