عالق بين إيران وأمريكا.. كيف تحولت الحرب إلى كابوس للعراق؟

تكشف الحرب الأخيرة أن المشكلة لم تعد مجرد صراع نفوذ بين واشنطن وطهران داخل العراق، بل أصبحت اختباراً لوجود الدولة العراقية نفسها.. الأناضول
تكشف الحرب الأخيرة أن المشكلة لم تعد مجرد صراع نفوذ بين واشنطن وطهران داخل العراق، بل أصبحت اختباراً لوجود الدولة العراقية نفسها.. الأناضول
شارك الخبر
تكشف الحرب المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، عن المأزق الوجودي الذي يعيشه العراق، بعدما انهار التوازن الهش الذي حاولت بغداد الحفاظ عليه لسنوات بين القوتين المتنافستين، لتجد البلاد نفسها مجدداً ساحة للصراع الإقليمي، في وقت تبدو فيه مؤسسات الدولة عاجزة عن حماية سيادتها أو ضبط الفصائل المسلحة التي تنشط على أراضيها.

ومع انتقال تداعيات الحرب إلى الجنوب العراقي، تعرضت منشآت نفطية ومواقع مرتبطة بالشركات الأجنبية لهجمات بطائرات مسيرة، فيما اتُهمت فصائل عراقية موالية لإيران بتنفيذ جانب من تلك الهجمات، بالتزامن مع استهداف قواعد ومصالح أمريكية، وهو ما أدى إلى إلحاق أضرار بالغة بقطاع النفط، ودفع شركات وعمالاً أجانب إلى مغادرة البلاد، وأعاد إلى الواجهة السؤال الأصعب في العراق منذ الغزو الأمريكي عام 2003: من يملك القرار الفعلي في بلد تتقاسم النفوذ فيه الدولة الرسمية، والفصائل المسلحة، والقوى الإقليمية والدولية؟

وبحسب تقرير مطول نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية اليوم، فإن الهجمات التي استهدفت قطاع الطاقة العراقي كشفت بصورة واضحة مدى هشاشة الدولة، بعدما باتت أراضيها وأجواؤها عرضة للاختراق من أطراف متعددة، فيما لم تتمكن الحكومة المركزية في بغداد أو السلطات المحلية في البصرة من تقديم إجابات واضحة حول الجهات المسؤولة عن الهجمات، واكتفت ببيانات عامة تتحدث عن انتهاك السيادة وفتح تحقيقات.

وتعرضت منشآت نفطية ومواقع مرتبطة بقطاع الطاقة في محافظة البصرة، جنوبي العراق، لسلسلة هجمات بالطائرات المسيرة، من بينها حقل تديره شركة بي بي، ومجمع يضم شركات أجنبية تقدم خدمات لقطاع النفط، فضلاً عن مواقع أخرى مرتبطة بمصالح أمريكية وغربية.

وفي إحدى الهجمات، اندلع حريق ضخم بعد استهداف منشآت تستخدمها شركتا هاليبرتون وكيه بي آر الأمريكيتان، وهما من الشركات التي تعمل في العراق منذ الغزو الأمريكي عام 2003، فيما اضطر عدد كبير من العاملين في قطاع الطاقة، من جنسيات أمريكية وأوروبية وصينية، إلى مغادرة البلاد، في وقت غادر فيه بعضهم براً بسبب إغلاق المجال الجوي.

مليشيات موالية لإيران في قلب المشهد

ورغم عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها عن غالبية الهجمات، باستثناء الهجوم الذي استهدف ناقلتي نفط قبالة ميناء البصرة وأعلنت إيران مسؤوليتها عنه، فإن مسؤولين عراقيين تحدثوا عن وقوف فصائل عراقية مسلحة مدعومة من طهران وراء عدد من العمليات.

وبحسب التقرير، فإن هذه الفصائل تنتمي إلى ما يعرف بـ"المقاومة الإسلامية في العراق"، وهي مظلة تضم جماعات شيعية مسلحة تشكلت في الأصل لمقاومة الوجود الأمريكي بعد غزو العراق، ثم أصبحت لاحقاً جزءاً من منظومة "الحشد الشعبي" الذي تأسس عام 2014 لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية.

ورغم أن قوات الحشد الشعبي تخضع رسمياً لسلطة الدولة العراقية، فإن الواقع السياسي والأمني يشير إلى امتلاك عدد من فصائلها أجندات مستقلة، فضلاً عن نفوذ اقتصادي واسع امتد إلى قطاعات البناء والزراعة والعقود الحكومية وغيرها من الأنشطة.

ويكشف المشهد العراقي الحالي عن وجود نوعين رئيسيين من الفصائل المسلحة؛ الأول يسعى بصورة أساسية إلى حماية مصالحه الاقتصادية وشبكات النفوذ التي بناها خلال السنوات الماضية، بينما يتمسك الثاني بأجندة أيديولوجية مرتبطة بالصراع مع إسرائيل والوجود الأمريكي في المنطقة، ويرى في المواجهة مع واشنطن وتل أبيب جزءاً من معركة أوسع تتجاوز حدود العراق.

وقد أدى اندلاع الحرب إلى إعادة تنشيط الفصائل الأكثر تشدداً، التي وجدت نفسها أمام ما تعتبره مواجهة مصيرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في وقت تستخدم فيه واشنطن قواعدها داخل العراق، فيما تمر الطائرات الإسرائيلية عبر الأجواء الإقليمية لضرب إيران.

حكومة بغداد بين الضغط الأمريكي والسلاح الإيراني

في المقابل، يواجه رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي ضغوطاً متزايدة من واشنطن لإعادة تنظيم المشهد الأمني، وإجبار جميع الفصائل المسلحة على تسليم أسلحتها أو دمج أجنحتها العسكرية ضمن مؤسسات الدولة.

ووضع الزيدي مهلة للفصائل المسلحة حتى نهاية أيلول/سبتمبر من أجل نزع سلاحها والاندماج في أجهزة الدولة، في خطوة تستجيب إلى مطلب أمريكي قديم يتمثل في تقليص نفوذ إيران داخل العراق.

لكن المهمة تبدو شديدة الصعوبة، خصوصاً مع رفض الفصائل الأكثر تشدداً التخلي عن أسلحتها، وإعلانها أن سلاحها مرتبط بقضية أيديولوجية وعقائدية لا يمكن التخلي عنها في ظل استمرار الوجود الأمريكي في العراق.

ويقول مسؤولون عراقيون إن الهجمات على المنشآت النفطية لم تكن تستهدف الشركات الأجنبية بقدر ما كانت تهدف إلى الضغط على الولايات المتحدة من خلال ضرب الاقتصاد العراقي، ورفع أسعار النفط العالمية، وإجبار واشنطن على إعادة النظر في حربها ضد إيران.

وبحسب مسؤولين في قطاع النفط، تراجع إنتاج البصرة بصورة حادة خلال الأسابيع الأولى من الحرب، بينما توقفت صادرات النفط تقريباً، وهو ما شكل ضربة مباشرة لاقتصاد العراق الذي يعتمد بصورة أساسية على عائدات الطاقة لتمويل موازنة الدولة ورواتب ملايين الموظفين.

وتذهب بعض التقديرات إلى أن الهدف من الهجمات قد يكون أيضاً دفع الشركات الغربية إلى مغادرة العراق، تمهيداً لإفساح المجال أمام شركات من دول أكثر قرباً من إيران أو أقل تعرضاً للضغط الأمريكي.

دولة عاجزة عن حماية أجوائها

وتعكس تصريحات مسؤولين عراقيين حجم الإحباط داخل مؤسسات الدولة، إذ يرى مسؤولون أمنيون أن الحرب أثبتت أن العراق لا يملك القدرة على حماية أراضيه أو أجوائه، وأن البلاد أصبحت عرضة لانتهاكات من جميع الأطراف.

ويشير مسؤول أمني عراقي رفيع إلى أن القوات الحكومية تعرف، وفق قوله، الجهات التي تقف وراء الهجمات، بل تعرف خطوط القيادة ومواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة، لكن قدرتها على التحرك ضد تلك الجماعات تظل محدودة.

ويطرح المسؤول تساؤلات حول كيفية تمكن مسلحين من نقل صواريخ ومنظومات إطلاق داخل العاصمة بغداد، والمرور عبر نقاط التفتيش، ثم تنفيذ هجمات دون أن تتمكن الأجهزة الأمنية من اكتشافهم.

ويعيد هذا الواقع إلى الواجهة مشكلة الفساد المستشري داخل المؤسسات الأمنية، حيث يشير مسؤولون إلى أن بعض المناصب العسكرية والأمنية العليا تحولت إلى مواقع استثمارية تُشترى مقابل مبالغ ضخمة، قبل أن يسعى شاغلوها إلى استرداد ما دفعوه عبر الفساد والرشاوى والاختلاس.

وبحسب هذا المنطق، فإن الضابط الذي يدفع ملايين الدولارات للحصول على منصب قيادي يصبح أكثر اهتماماً بحماية استثماره المالي من الدخول في مواجهة مع جماعات مسلحة قوية، وهو ما يضعف قدرة الدولة على فرض القانون ويقوض تماسك مؤسساتها الأمنية.

انقسام داخل معسكر الفصائل المسلحة

لكن المشهد داخل الفصائل المسلحة ليس موحداً، إذ ظهرت خلال الأشهر الماضية خلافات واضحة بين جماعات أكثر براغماتية وأخرى ذات توجه أيديولوجي متشدد.

فقد أبدت بعض الفصائل استعداداً للانضمام إلى مؤسسات الدولة والتخلي عن العمل العسكري المستقل، في حين رفضت جماعات أخرى بشكل قاطع تسليم سلاحها، معتبرة أن امتلاكه مرتبط بمهمة دينية وعقائدية لا تنتهي إلا بتحقيق أهدافها.

وفي هذا السياق، دعا رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر إلى وضع ميليشياته تحت قيادة الدولة، فيما اتخذت فصائل أخرى خطوات مشابهة، لكن المجموعات الأكثر تشدداً تعاملت مع هذه الخطوات باستخفاف، مؤكدة أن سلاحها "مقدس" وأنها لن تتخلى عنه.

ويعكس هذا الانقسام صراعاً أعمق داخل بنية القوى المسلحة، بين فصائل ترى أن نفوذها السياسي والاقتصادي يمكن الحفاظ عليه من خلال الاندماج في الدولة، وأخرى تعتبر نفسها جزءاً من مشروع إقليمي أوسع تقوده إيران.

النفط.. ثروة العراق ومصدر ضعفه

ويبدو قطاع النفط في قلب المأزق العراقي، فبعد أكثر من عقدين على الغزو الأمريكي، لم يتمكن العراق من تحويل موارده النفطية الهائلة إلى تنمية مستدامة أو تحسين ملموس في مستوى معيشة غالبية السكان.

فعشية الغزو عام 2003، كانت البنية التحتية النفطية العراقية قد تضررت بشدة بسبب عقود من الحروب والعقوبات، ثم جاءت أعمال النهب والتخريب التي أعقبت الغزو لتزيد من تدهور القطاع.

ومع عجز الدولة عن إعادة بناء الصناعة النفطية بمفردها، لجأت بغداد إلى الشركات العالمية الكبرى، ومنها بي بي وإكسون موبيل وشل، عبر عقود خدمة بدلاً من عقود تقاسم الإنتاج، في محاولة للحفاظ على سيطرة الدولة على الثروة النفطية.

لكن الطموحات العراقية برفع الإنتاج إلى مستويات تنافس السعودية لم تتحقق، إذ ظل الإنتاج في حدود أقل بكثير من المستهدف، كما بدأت شركات دولية بالانسحاب تدريجياً بسبب ضعف الأرباح، وعدم الاستقرار السياسي، والخلافات التعاقدية، وتأخر الحكومة في دفع المستحقات.

وتقول مصادر في قطاع الأعمال إن منظومة العقود الحكومية أصبحت خاضعة بدرجات متفاوتة لنفوذ الأحزاب السياسية والعشائر والجماعات المسلحة، التي تستفيد من العقود والمقاولين وسلاسل التوريد.

وفي الوقت نفسه، تسببت البيروقراطية المعقدة في تعطيل المدفوعات وإبطاء المشاريع، فيما تحولت بعض الإجراءات التي يفترض أن تهدف إلى مكافحة الفساد إلى منافذ لابتزاز الشركات وطلب الرشى.

حملة ضد الفساد وسط أزمة اقتصادية

وفي إطار محاولة الحكومة الجديدة استعادة السيطرة على مؤسسات الدولة، شنت السلطات حملة ضد الفساد طالت مسؤولين بارزين في قطاع النفط.

وأوقف نائب وزير النفط المسؤول عن المصافي عدنان الجميلي، في إطار التحقيقات، وظهرت صور له مرتدياً زي السجن الأصفر، فيما أعلنت السلطات العثور على مبالغ نقدية ضخمة وأسلحة وذهب في منزله، قبل أن تتوسع التحقيقات لتشمل عشرات المسؤولين وأعضاء في البرلمان.

لكن الحملة تثير في الوقت ذاته أسئلة حول قدرة الحكومة على تفكيك شبكات فساد متجذرة في مؤسسات الدولة، خصوصاً أن هذه الشبكات ارتبطت على مدى سنوات بالأحزاب السياسية والفصائل المسلحة والنخب الاقتصادية.

وبالنسبة لكثير من العراقيين، لم تعد صناعة النفط تمثل مصدر فخر وطني بقدر ما أصبحت رمزاً للتناقضات التي يعيشها البلد؛ فالبصرة، التي تنتج الجزء الأكبر من الثروة النفطية، تعاني من التلوث ونقص الخدمات ومشكلات المياه، بينما تظهر في الوقت نفسه مظاهر ثراء فاحش لا يستفيد منها سوى جزء محدود من السكان.

اظهار أخبار متعلقة




العراق.. بين إيران والخليج

ولا يقتصر مأزق العراق على العلاقة مع الولايات المتحدة وإيران، إذ يحاول البلد أيضاً إعادة بناء علاقاته مع محيطه العربي، ولا سيما دول الخليج.

وفي البصرة، عملت السلطات المحلية خلال السنوات الماضية على تحسين العلاقات مع الكويت والسعودية، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز حركة التجارة والسفر، واستضافة فعاليات رياضية إقليمية، في محاولة لإعادة المدينة إلى محيطها العربي والاستفادة من الأسواق الخليجية.

لكن هذه السياسة ظلت معرضة للانتكاس بسبب التوترات الأمنية والهجمات المتبادلة.

ويشكل مبنى القنصلية الكويتية المهجور في البصرة مثالاً على هشاشة هذا التوازن، بعدما تعرض للاقتحام خلال اضطرابات مرتبطة بهجوم اتهمت جهات عراقية الكويت بالوقوف وراءه، في وقت اتهمت فيه بغداد فصائل مسلحة عراقية بشن هجمات سابقة من الأراضي العراقية.

ويعكس هذا المشهد صعوبة بناء سياسة خارجية متوازنة في بلد تتداخل فيه المصالح الإيرانية والأمريكية والخليجية، بينما لا تزال الدولة المركزية غير قادرة على فرض قرارها على جميع القوى الفاعلة.

نفوذ أمريكي عبر الاقتصاد

وإذا كانت إيران تمتلك نفوذاً واسعاً عبر الأحزاب والفصائل المسلحة والعلاقات الاجتماعية والدينية، فإن الولايات المتحدة تمتلك بدورها أدوات ضغط اقتصادية ومالية شديدة الفاعلية.

فمنذ سنوات، تُدار عائدات النفط العراقية عبر النظام المالي الأمريكي، فيما تعتمد الحكومة على الدولار القادم من الولايات المتحدة لتمويل رواتب الموظفين وتشغيل مؤسسات الدولة.

وفي خطوة أثارت قلقاً بالغاً في بغداد، أوقفت واشنطن في وقت سابق شحنات الدولار إلى العراق، ما وجه رسالة واضحة للحكومة العراقية بأن استمرار الدعم المالي الأمريكي مرتبط، بصورة أو بأخرى، بمدى استعداد بغداد لاتخاذ خطوات ضد الفصائل المسلحة الموالية لإيران.

وبعد ذلك، اتخذ الزيدي خطوات باتجاه نزع سلاح المليشيات، قبل استئناف تدفقات الدولار، في مؤشر على حجم النفوذ الذي لا تزال واشنطن تتمتع به داخل الاقتصاد العراقي.

وهكذا، تجد الحكومة العراقية نفسها بين نفوذين متوازيين: نفوذ إيراني قائم على العلاقات السياسية والعسكرية والأيديولوجية، ونفوذ أمريكي يستند إلى الاقتصاد والنظام المالي والدعم الدولي.

معادلة مستحيلة

وتبدو المفارقة في المشهد العراقي أكثر وضوحاً في التناقض بين علاقات بغداد مع طهران وواشنطن. ففي الوقت الذي شارك فيه رئيس الوزراء العراقي في مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، كان يقف بعد أيام إلى جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، مؤكداً استعداده لنزع سلاح الفصائل المسلحة ومحاربة الفساد ودعوة الشركات الأمريكية إلى الاستثمار في بلاده.

ويجسد هذا التناقض طبيعة السياسة العراقية منذ سنوات، إذ تعاقبت حكومات عديدة على تلقي المطالب الأمريكية نفسها بشأن الحد من نفوذ الفصائل المسلحة وإنهاء الفساد، لكن أياً منها لم يتمكن من تغيير علاقة العراق بإيران، بل تعمق النفوذ الإيراني في قطاعات واسعة من الدولة والمجتمع.

أما التحول الحالي في موقف الحكومة، فيبدو مرتبطاً بتضافر عاملين رئيسيين: الضغوط الأمريكية المتزايدة، والأزمة الاقتصادية التي تفاقمت مع اضطراب صادرات النفط وإغلاق طرق الطاقة الإقليمية.

ومع ذلك، يبقى من الصعب تصور أن تتخلى الفصائل المسلحة الموالية لإيران بسهولة عن سلاحها، أو أن تقبل طهران بالتخلي عن شبكة حلفائها في العراق في وقت تخوض فيه مواجهة مصيرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أو أن تتنازل شبكات الفساد والنفوذ التي تشكلت على مدى عقدين عن مصالحها الاقتصادية والسياسية لمجرد وصول حكومة جديدة إلى السلطة.

وهكذا يجد العراق نفسه أمام معادلة تبدو شبه مستحيلة: فهو يحتاج إلى الولايات المتحدة للحفاظ على استقراره المالي والاقتصادي، لكنه لا يستطيع تجاهل إيران التي تمتلك نفوذاً عميقاً داخل بنيته السياسية والأمنية والاجتماعية، بينما تملك الفصائل المسلحة القدرة على جر البلاد إلى الحرب متى قررت ذلك.

وفي الوقت الذي يسعى فيه العراقيون إلى استعادة سيادتهم وبناء دولة قادرة على حماية حدودها ومواردها، تبدو البلاد عالقة بين قوتين متخاصمتين، لا تملك بغداد القدرة على الانحياز الكامل إلى أي منهما، ولا تستطيع في الوقت نفسه الابتعاد عنهما.

وتكشف الحرب الأخيرة أن المشكلة لم تعد مجرد صراع نفوذ بين واشنطن وطهران داخل العراق، بل أصبحت اختباراً لوجود الدولة العراقية نفسها: هل تستطيع الحكومة احتكار السلاح، وحماية اقتصادها، وضبط أجوائها، ومنع أراضيها من التحول إلى ساحة حرب بالوكالة؟ أم أن العراق سيظل، كما كان طوال العقدين الماضيين، دولة ذات مؤسسات رسمية، لكن بقرارات موزعة بين قوى محلية وإقليمية ودولية؟

في النهاية، تختصر هذه المعادلة مأزق العراق الراهن: بلد يعتمد اقتصادياً على الولايات المتحدة، ويرتبط أمنياً وسياسياً بدرجات متفاوتة بإيران، بينما تدفعه الصراعات بينهما إلى حافة الانهيار. وبينما تحاول بغداد تحقيق التوازن بين خصمين لا يجتمعان، يظل السؤال الأهم هو ما إذا كان العراق قادراً على استعادة قراره السيادي قبل أن يدفع مرة أخرى ثمن صراع لا يملك وحده قرار بدايته أو نهايته.

اظهار أخبار متعلقة


التعليقات (0)

خبر عاجل