رغم حلم المهاجرين بالإقامة فيها.. لماذا يفكر كثير من الأوروبيين في مغادرة بلدانهم؟

نحو نصف السكان في فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة يتوقعون أن يعيشوا يوماً ما في بلدٍ آخر - جيتي
نحو نصف السكان في فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة يتوقعون أن يعيشوا يوماً ما في بلدٍ آخر - جيتي
شارك الخبر
رغم هيمنة ملف الهجرة على السياسة الأوروبية طوال السنوات الماضية، فإن مخاوف الهجرة العكسية لمواطني القارة العجوز غلبت على مخاوف تدفق اللاجئين إليها، بالتزامن مع تراجع عدد سكان بعض الدول لأسباب عدة أبرزها العزوف عن الزواج والإنجاب.

وتظهر استطلاعات الرأي الحديثة أن نسبة كبيرة من الأوروبيين يفكرون في الانتقال للعيش والعمل خارج بلدانهم الأصلية، متأثرين برغبة البحث عن جودة حياة أفضل، وتغير أنماط العمل المرن، والضغوط الاقتصادية المحلية.

اللافت أنه لطالما كانت بوصلة الراغبين في الهجرة من العالم العربي وآسيا وأفريقيا تشير صوب أوروبا، وتحديداً ألمانيا وفرنسا، لما تتمتع به هذه الدول من استقرار نسبي قد يضمن لمن يشعرون بخيبة أمل سياسية واقتصادية واجتماعية في بلدانهم الحصول على ملاذ آمن.

اظهار أخبار متعلقة


ورغم مخاطر رحلة اللجوء، فإن عدد الراحلين عن بلدانهم بحثاً عن حياة أفضل في ازدياد يوماً بعد يوم، غير عابئين بجودة البديل أو حتى بإمكانية الوصول، حيث يكشف تقرير أممي أن 8 آلاف إنسان ماتوا أو فقدوا في طريق الهجرة تجاه أوروبا خلال العام الماضي 2025.

ففي عام 2024، بلغ العدد الإجمالي للمهاجرين في العالم نحو 304 ملايين وفق تقرير لمنظمة الهجرة الدولية، وكانت الوجهة المفضلة هي أوروبا التي ارتفع عدد من استقبلتهم إلى 94 مليوناً، مقابل 92 مليوناً في آسيا و61 مليوناً في أمريكا الشمالية.

ما أسباب رغبة الأوروبيين بالانتقال؟

أظهرت استطلاعات جديدة شملت 2000 بالغ في فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة أن نحو نصف السكان في هذه الدول يتوقعون أن يعيشوا يوماً ما في بلد آخر.

وتنوعت الأسباب الداعمة للرغبة في الهجرة ما بين اقتصادية ومعيشية، وأخرى تتعلق بالعوامل البيئية والصحية، حيث يسعى الكثير منهم للبحث عن جودة حياة أفضل والهروب من ضغوط تكاليف المعيشة وضرائب الدخل المرتفعة في بلدانهم.

وكان ارتفاع ضرائب الدخل حاضراً على لسان معظم الذين يجري استطلاع آرائهم، حيث يرغب الموظفون وأصحاب الأعمال في تقليل نسبة الضرائب المفروضة على أموالهم، فيما شكا سكان دول غرب وشمال أوروبا من ارتفاع أسعار المنازل والخدمات.

وأشار آخرون إلى أنهم يبحثون عن أماكن فيها رواتب أعلى وظروف عمل مريحة خارج القارة، كما أن إمكانية العمل عن بُعد باتت تسمح للشباب بالعيش في بيئات مختلفة لعدة أشهر.

ولعل قسوة الطقس البارد وغياب الشمس، كانت أيضاً سبباً في هروب الكثير من كبار السن والعاملين عن بُعد، حيث يسعى بعضهم للانتقال إلى دول ذات مناخ دافئ، وفيها نمط حياة أكثر هدوءاً وأقل توتراً بعيداً عن اكتظاظ المدن الكبرى بالسكان والمركبات.

إسبانيا.. الوجهة المفضلة للراغبين في الهجرة

الاستطلاع الذي أُجري لصالح شركة التأمين الرقمية "Feather" أظهر أن أزمة غلاء المعيشة كانت الدافع الرئيس وراء الرغبة بالهجرة ودفع الناس للتفكير في حياة في الخارج؛ إذ ذكرها 53 بالمئة من البريطانيين و48 بالمئة من الفرنسيين و43 بالمئة من الألمان و32 بالمئة من الإيطاليين.

وكشف الاستطلاع أن واحداً فقط من كل عشرة أوروبيين لم يستبعد الانتقال إلى الخارج بشكل قاطع في كل سوق من الأسواق التي شملها الاستبيان، حيث جرى سؤال 500 شخص بالغ في كل دولة.
ورغم اختلاف الوجهة الأولى المفضلة من بلد لآخر، فإن إسبانيا تتصدر القائمة بوضوح.

وكانت إسبانيا الخيار المفضل لدى البريطانيين والإيطاليين، إذ أشار إليها 24 بالمئة من البريطانيين و20 بالمئة من الإيطاليين، فيما جاءت في المرتبة الثانية لدى الفرنسيين والألمان، حيث اقترحها 16 بالمئة و12 بالمئة منهم كأفضل خيار.

أما الفرنسيون، فكان لهم رأي آخر، حيث اختاروا كندا كوجهتهم الأولى؛ إذ ذكرها 17 بالمئة منهم كمكان يودون العيش فيه مستقبلاً، متقدمة على إيطاليا التي أبرزها 14 بالمئة من المشاركين.

وبالنسبة إلى الألمان، فعلى ما يبدو وفقاً للاستطلاع، لا يرغبون في الابتعاد كثيراً عن ديارهم، إذ اختار 17 بالمئة منهم النمسا، تلتها إسبانيا وسويسرا بنسبة 12 بالمئة لكل منهما.

اظهار أخبار متعلقة


وأظهر استطلاع رأي حديث أن معظم المهنيين الألمان المؤهلين بشكل خاص يفكرون في المغادرة، وفي عام واحد، هاجر أكثر من 288.000 ألماني إلى الخارج، وأن العديد منهم لا يتوقعون العودة قريباً، وفقاً لبيانات المكتب الإحصائي الاتحادي الألماني.

وفي المقابل، يبدي البريطانيون استعداداً كاملاً للانتقال إلى وجهات بعيدة، حيث اختار 19 بالمئة منهم أستراليا، و15 بالمئة كندا، و10 بالمئة نيوزيلندا.

دول الخليج خارج المعادلة

أما الإمارات، فقد استُبعدت تقريباً من قائمة الأماكن المفضلة للهجرة إليها بسبب تأثرها بالحرب على إيران وتعرضها بشكل مستمر للهجمات بالصواريخ والمسيرات.

ورغم أن دبي لطالما كانت تُذكر كثيراً كإحدى أبرز وجهات المغتربين، إلا أن 3 بالمئة فقط من البريطانيين قالوا إنهم يفكرون في الانتقال إليها. ومع ذلك، أُجري الاستطلاع في نهاية شهر حزيران/يونيو، وبالتالي فمن المؤكد أن الإجابات تأثرت بـ"غارات" إيران خلال الأشهر الماضية.

نهاية مفهوم "حياة المغترب"

وأثناء بحثها في مستقبل حياة المغتربين، نقلت شركة "Feather" عن خبيرة السفر ومقدمة بودكاست "The Travel Diaries" هولي روبنستين، والتي أوضحت أن الصورة التقليدية لـ"حياة المغترب"، حيث يختار الشخص بلداً واحداً ويبني حياته فيه، لم تعد رائجة كما كانت.

وتقول روبنستين: "النموذج الجديد أكثر مرونة بكثير؛ تمضي ستة أشهر في مكان ما، تعمل عن بُعد، تختبر نمط حياة مختلفاً، وتبني علاقات في عدة أماكن"، وتضيف: "جيل "Gen Alpha" سينشأ على اعتبار الاتصال عن بُعد أمراً طبيعياً. بالنسبة لهم، لن يكون لزاماً أن تتمركز المهنة والهوية في مكان واحد".
التعليقات (0)