لوبان تستعيد حق الترشح لرئاسة فرنسا.. وقيود قضائية تهدد حملتها الانتخابية

يمثل القرار لحظة مفصلية في مسيرة سياسية بنتها لوبان على مدى سنوات طويلة، إذ إن انسحابها من السباق لن يعني فقط غياب مرشحة بارزة عن انتخابات 2027، بل سيشكل اختبارًا لقدرة اليمين المتطرف الفرنسي.. غيتي
يمثل القرار لحظة مفصلية في مسيرة سياسية بنتها لوبان على مدى سنوات طويلة، إذ إن انسحابها من السباق لن يعني فقط غياب مرشحة بارزة عن انتخابات 2027، بل سيشكل اختبارًا لقدرة اليمين المتطرف الفرنسي.. غيتي
شارك الخبر
أنهت محكمة الاستئناف في باريس جانبًا من الغموض الذي أحاط بمستقبل زعيمة اليمين الفرنسي المتطرف مارين لوبان، بعدما خفّضت مدة منعها من تولي المناصب العامة بما يسمح نظريًا بعودتها إلى السباق الرئاسي المقبل، لكنها أبقت أمامها عقبة سياسية وشخصية كبيرة بإقرار وضعها تحت المراقبة الإلكترونية، وهو إجراء سبق أن أكدت أنه قد يجعل خوضها الانتخابات الرئاسية لعام 2027 أمرًا غير ممكن.

ويضع القرار القضائي لوبان، زعيمة حزب التجمع الوطني الفرنسي (National Rally)، أمام معضلة معقدة بين مواصلة معركتها للوصول إلى قصر الإليزيه للمرة الرابعة، أو إفساح المجال أمام خليفتها السياسي وزعيم الحزب جوردان بارديلا لخوض الانتخابات المقبلة، في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى أن الحزب اليميني المتطرف يدخل السباق بوضع سياسي غير مسبوق.

قرار يخفف العقوبة لكنه لا ينهي الأزمة


وقضت محكمة الاستئناف بتقليص فترة عدم الأهلية الانتخابية المفروضة على لوبان، بما يجعلها مؤهلة من حيث المبدأ للمشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، بعد أن كانت محكمة الدرجة الأولى قد أصدرت بحقها حكمًا يمنعها من تولي أي منصب منتخب لمدة خمس سنوات.

لكن المحكمة أبقت على تدبير المراقبة الإلكترونية لمدة عام، وهو شرط تعتبره لوبان عائقًا جوهريًا أمام قدرتها على إدارة حملة انتخابية بحرية، إذ سبق لها أن قالت إن خوض انتخابات رئاسية وهي خاضعة لقيود قضائية بهذا الشكل سيكون أمرًا غير عملي.

وكانت لوبان قد أكدت خلال مراحل المحاكمة أنها مستعدة لمواجهة أي نتيجة، لكنها شددت على أن المشاركة في الانتخابات لا يمكن أن تكون شكلية، وأن المرشح يحتاج إلى القدرة على التنقل والتواصل مع الناخبين دون قيود.

معركة قضائية بسبب أموال البرلمان الأوروبي


وتعود القضية إلى اتهامات تتعلق باستخدام أموال البرلمان الأوروبي لتوظيف مساعدين يعملون فعليًا لحساب حزب التجمع الوطني داخل فرنسا بين عامي 2004 و2016.

وكانت محكمة أول درجة قد أدانت لوبان إلى جانب عدد من المسؤولين السابقين في الحزب، معتبرة أن هناك نظامًا سمح بتحويل أموال مخصصة لمساعدي النواب الأوروبيين إلى تمويل نشاطات حزبية داخل فرنسا.

ونفت لوبان ارتكاب أي مخالفات، ووصفت القضية بأنها ذات دوافع سياسية، معتبرة أن استبعادها من الانتخابات سيكون بمثابة تدخل قضائي في اختيار الناخبين الفرنسيين.

وخلال جلسات الاستئناف، أقرت بوجود "خطأ" في بعض الترتيبات الإدارية، لكنها رفضت اعتبار ذلك دليلًا على وجود نظام منظم لاختلاس الأموال، مؤكدة أن الحزب تصرف "بحسن نية".

مستقبل اليمين المتطرف بين لوبان وبارديلا


ولا يتعلق القرار بمصير لوبان الشخصي فقط، بل بمستقبل الحزب الذي نجحت خلال أكثر من عقد في إعادة تقديمه من قوة سياسية هامشية مرتبطة بإرث والدها جان ماري لوبان إلى أحد أكبر الأحزاب في البرلمان الفرنسي.

وتسعى لوبان منذ سنوات إلى تخفيف صورة الحزب وتوسيع قاعدته الانتخابية، وصولًا إلى جعل وصول اليمين المتطرف إلى السلطة احتمالًا واقعيًا بعدما وصلت مرتين إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية أمام الرئيس إيمانويل ماكرون عامي 2017 و2022.

غير أن الأزمة القضائية أعادت إلى الواجهة اسم بارديلا، البالغ من العمر 30 عامًا، والذي يعد أبرز وجوه الجيل الجديد داخل الحزب. ويُنظر إليه باعتباره الوريث السياسي المحتمل للوبان، رغم أن خصوم الحزب يشيرون إلى افتقاره للخبرة السياسية مقارنة بها.

وفي المقابل، تؤكد قيادات التجمع الوطني أن العلاقة بين لوبان وبارديلا تقوم على التكامل، وأن أيًّا منهما سيكون قادرًا على قيادة الحملة الانتخابية المقبلة في حال تعذر ترشح لوبان.

قرار قضائي بتداعيات سياسية واسعة


ويأتي الحكم في وقت يحتل فيه التجمع الوطني موقعًا متقدمًا في المشهد السياسي الفرنسي، بعد أن أصبح أكبر قوة حزبية منفردة في البرلمان، وسط تراجع الأحزاب التقليدية التي حكمت البلاد لعقود.

وترى أوساط سياسية فرنسية أن قرار المحكمة نقل المعركة حول مستقبل لوبان من المجال القضائي إلى المجال السياسي، إذ بات السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بحقها القانوني في الترشح، بل بقدرتها الفعلية على خوض حملة انتخابية في ظل القيود المفروضة عليها.

وكانت لوبان قد أشارت سابقًا إلى أنها قد لا تلجأ إلى مزيد من الطعون إذا أدى استمرار المسار القضائي إلى إبقاء حالة عدم اليقين حتى موعد الانتخابات، معتبرة أن الحملات الرئاسية لا يمكن بناؤها في اللحظات الأخيرة.

الانتخابات الفرنسية 2027.. سباق مفتوح على احتمالات عدة


وتشير استطلاعات الرأي إلى أن مرشح التجمع الوطني، سواء كانت لوبان أو بارديلا، سيكون قادرًا على بلوغ الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية المقبلة، في ظل استمرار حضور الحزب القوي بين الناخبين الفرنسيين.

لكن حسم الرئاسة يبقى مرتبطًا بالمرحلة الثانية من الانتخابات، حيث تعتمد النتائج على قدرة المرشح على استقطاب ناخبين خارج القاعدة التقليدية لليمين المتطرف، وهي المهمة التي فشلت لوبان في إنجازها خلال مواجهتيها السابقتين مع ماكرون.

وفي حال ترشح بارديلا بدلًا منها، فإن الحزب سيواجه اختبارًا مختلفًا يتعلق بمدى قدرة زعيمه الشاب على الحفاظ على القاعدة الانتخابية نفسها، وإقناع الناخبين المترددين بقدرته على تولي قيادة البلاد.

لوبان أمام قرار سياسي وشخصي صعب


وبينما غادرت لوبان المحكمة دون الإدلاء بتصريحات، ينتظر أن تكشف موقفها النهائي خلال مقابلة تلفزيونية مرتقبة، وسط ضغوط من قيادات في حزبها لدفعها إلى خوض الانتخابات رغم القيود القضائية.

ويمثل القرار لحظة مفصلية في مسيرة سياسية بنتها لوبان على مدى سنوات طويلة، إذ إن انسحابها من السباق لن يعني فقط غياب مرشحة بارزة عن انتخابات 2027، بل سيشكل اختبارًا لقدرة اليمين المتطرف الفرنسي على الانتقال من قيادة شخصية إلى مشروع سياسي تقوده نخبة جديدة.

وفي المقابل، فإن استمرارها في المنافسة سيضعها أمام تحدي إدارة حملة رئاسية تحت شروط قضائية غير مسبوقة، في انتخابات قد تكون الأهم في تاريخ صعود اليمين المتطرف في فرنسا.

اظهار أخبار متعلقة


التعليقات (0)