تتابع مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية
الإسرائيلية، باهتمام حذر وترقب، الديناميكيات السياسية الداخلية في ولاية ميشيغان الأمريكية، والتي أفضت مؤخراً إلى ترشيح عبد الرحمن السيد ممثلاً للحزب الديمقراطي في سباق مجلس الشيوخ.
بهذا الشأن، نشرت صحيفة "
واشنطن بوست" تقريراً سلطت فيه الضوء على تزايد القلق داخل دولة الاحتلال الإسرائيلي من عدم القدرة على عكس التحول الجاري في الولايات المتحدة مع استمرار تآكل الإجماع السياسي الأمريكي حول الدعم لإسرائيل.
وهو اتجاه انعكس في انتصار السيد في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمجلس الشيوخ في ميشيغان هذا الأسبوع، فيما يرى منتقدو نتنياهو أن رهانه على علاقته بترامب جاء على حساب الحفاظ على الدعم الأمريكي التقليدي لإسرائيل.
اظهار أخبار متعلقة
وتضيف الصحيفة أن "الاستياء من الدعم الأمريكي لإسرائيل خيّم على بعض الانتخابات التمهيدية الديمقراطية الرئيسية لهذا العام، بما في ذلك في نيويورك وكولورادو وميشيغان، حيث واجه السيد، وهو ناقد للمساعدات العسكرية لتل أبيب، هالي ستيفنز، التي حظيت بدعم يُقدَّر بـ30 مليون دولار من قِبل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية "إيباك" والجماعات التابعة لها".
وتتزايد الانقسامات حول دولة الاحتلال، وإن كانت أقل حدة، بين الناخبين الجمهوريين أيضاً. فقد أظهر استطلاع رأي أجرته صحيفة واشنطن بوست بالتعاون مع مؤسسة إيبسوس الشهر الماضي أن غالبية الأمريكيين يرغبون في خفض الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل أو إنهائه، بما في ذلك نحو ثلاثة أرباع الديمقراطيين.
لأكثر من عقد من الزمان، وبينما يحاول نتنياهو أن يُظهر علناً صداقته مع دونالد ترامب، بدا وكأنه يعمل على أمل أنه إذا ما تراجع الديمقراطيون في نهاية المطاف عن دعم إسرائيل، فإن الحزب الجمهوري سيظل بمثابة ضمانة دائمة. أما اليوم، فقد انهارت تلك الحسابات، إذ أصبحت تل أبيب بشكل متزايد قضية خلافية داخل الحزب الجمهوري نفسه.
ورغم أن نتنياهو، الذي التقى ترامب الشهر الماضي، يواصل إظهار الثقة، ويطمئن الإسرائيليين بأن علاقاته الشخصية مع الرئيس الأمريكي "جيدة جداً"، إلا أن المسؤولين والمحللين الإسرائيليين قلقون للغاية.
قال زعيم المعارضة ورئيس الوزراء السابق يائير لابيد الشهر الماضي في مؤتمر هرتسليا: "لم تكن العلاقات الخارجية لإسرائيل في مثل هذا التدهور من قبل". وأكد لابيد أن العزلة المتزايدة لا تزال قابلة للإصلاح، لأن "هناك إدراكاً عالمياً بأن مشكلة إسرائيل ليست في الدولة، بل في الحكومة".
وقالت يائيل ستيرنهيل، الأستاذة المشاركة في التاريخ والدراسات الأمريكية بجامعة تل أبيب: "إن العداء والغضب تجاه إسرائيل اليوم من القضايا القليلة التي توحد اليمين واليسار في السياسة الأمريكية. ينظر كلا الجانبين اليوم إلى تل أبيب على أنها عدو متسلط، ومثير للمشاكل يزعزع استقرار المنطقة ولا يفيد الولايات المتحدة".
يخشى بعض الإسرائيليين من أن معارضة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران قد تعزز هذا الرأي.
وقال إيتان جيلبوا، الخبير في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بجامعة رايخمان، في مؤتمر هرتسليا: "كان التوافق بين الحزبين عنصراً أساسياً في العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل".
وأضاف جيلبوا أن هذا التوافق تآكل "بسبب الاضطرابات داخل الحزب الديمقراطي، وأيضاً لأن نتنياهو انحاز إلى الجمهوريين منذ عام 2012".
لم تؤدِّ الحرب في قطاع غزة والاعتقاد بأن نتنياهو دفع ترامب إلى حرب مع إيران إلا إلى توسيع الفجوة بين واشنطن وتل أبيب، حيث يشير عدد متزايد من الأمريكيين إلى أن الولايات المتحدة تدعم إسرائيل بشكل مفرط.
مايكل أورين، سفير دولة الاحتلال السابق لدى الولايات المتحدة، قال: "هذه هي المرة الأولى في تاريخ علاقاتنا مع الولايات المتحدة التي لا يكون لدينا فيها أي سبيل للانتصاف"، وأضاف: "في الماضي، كلما واجهت إسرائيل مشكلة مع إدارة جمهورية، كانت تلجأ إلى الديمقراطيين"، والعكس صحيح.
الأستاذة ستيرنهيل أكدت أن التغطية الإخبارية المحلية في إسرائيل قد أعمت الكثير من الجمهور عن مدى انهيار مكانة البلاد الدولية. وقالت، في إشارة إلى الجيش الإسرائيلي: "من الصعب للغاية ردم الفجوة بين كيفية تغطية الحرب في غزة في إسرائيل، وبين تغطية بقية العالم، من منظور الكارثة الإنسانية الفلسطينية".
وأضافت: "يعيش الإسرائيليون في عزلة عن الواقع، ولذلك يُصدمون من الطريقة التي بدأ بها ترامب والحزب الجمهوري ينفرون منهم".
قال غايل تالشير، المحلل السياسي في الجامعة العبرية، إن ترامب يُبعد خطابه بشكل منهجي عن نتنياهو. وأضاف: "في البداية، عندما وصف ترامب نتنياهو بأنه رئيس وزراء في زمن الحرب، بدا الأمر وكأنه مدح. لكن الآن، عندما يقول ذلك، فإنه في الواقع يعني أنه مع نتنياهو، من المستحيل إغلاق الجبهات وإخماد الحروب، ومن المستحيل تحقيق السلام".
أكثر من الانتخابات التمهيدية الأمريكية، التي لا تحظى باهتمام كبير في إسرائيل، يركز الإسرائيليون على انتخاباتهم المقبلة. ويرى منتقدو نتنياهو أن سياسته الخارجية مدفوعة برغبة في البقاء السياسي الداخلي.
على الرغم من أن التنسيق بين الجيشين الأمريكي والإسرائيلي نادراً ما كان كما هو عليه الحال خلال الحرب مع إيران، إلا أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرمه ترامب مع إيران في حزيران/يونيو لم يلقَ استحسان بعض الإسرائيليين.
وبينما قلل نتنياهو من شأن الخلافات حول هذه المسألة، حمّل حلفاؤه في السياسة والإعلام البيت الأبيض مسؤولية أوجه القصور الملحوظة المتعلقة بالحرب، ومع ذلك انهار اتفاق وقف إطلاق النار منذ ذلك الحين.
قال تالشير: "يلعب نتنياهو لعبة خطيرة للغاية، فهو يعرض العلاقة مع الولايات المتحدة والجمهوريين وإدارة ترامب للخطر، وبالتأكيد الرئيس القادم، سواء كان ديمقراطياً أو جمهورياً".
ومع تغير نظرة الأمريكيين إلى إسرائيل، يدعو بعض المسؤولين الإسرائيليين إلى تغييرات جذرية في اعتماد تل أبيب على واشنطن. وقال أورين: "يتعين على إسرائيل أيضاً تنويع سياستها الخارجية. لا بديل عن أمريكا؛ لن نتحالف مع روسيا أو الصين. ومع ذلك، لا ينبغي أن نكون معتمدين كلياً على الولايات المتحدة كما كنا عليه سابقاً".
اظهار أخبار متعلقة
وبينما دعا نتنياهو علناً إلى إنتاج الذخائر بشكل مستقل، يؤكد آخرون اعتماد إسرائيل الهيكلي العميق على الولايات المتحدة. وقال جيلبوع: "في المستقبل القريب، سيتعين على إسرائيل أن تقاتل من أجل بقائها في الولايات المتحدة، لأن هذه الحرب أثبتت أن تل أبيب تعتمد عليها بشكل كامل".
وقال ستيرنهيل: "السؤال الأهم هو جيل الجمهوريين الشباب"، مشيراً إلى نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي انتقد مؤخراً مسؤولين إسرائيليين عارضوا الاتفاق النووي مع إيران.
وأضاف: "بالنسبة له، تُعتبر إسرائيل عبئاً، دولة تُسبب مشاكل للولايات المتحدة، ولا شك لديّ في أنه إذا أصبح رئيساً، ستختلف السياسة تجاه إسرائيل".
ويتماشى هذا التحول مع تزايد الشكوك بين الشباب الأمريكي تجاه إسرائيل. وقال جيسي واينبرغ، الباحث المتخصص في العلاقات الأمريكية الشرق أوسطية في معهد دراسات الأمن القومي، وهو مركز أبحاث إسرائيلي، إن نتائج الانتخابات التمهيدية في ميشيغان "تُظهر الاتجاه الأوسع حيث... يُظهر جيل الشباب موقفاً مناهضاً لإسرائيل بشكل قاطع"، مؤكداً أن الحرب في غزة "تُمثل إحدى اللحظات السياسية الحاسمة بالنسبة للعديد من الناخبين الشباب".
ويضيف ستيرنهيل: "لا أعتقد أنه يمكن المبالغة في عمق العداء بين جيل الشباب الديمقراطي في الولايات المتحدة تجاه إسرائيل. فهي تُنظر إليها اليوم على أنها الإمبراطورية الشريرة. ولا أرى أنهم سيلينون تجاه الموقف الإسرائيلي مع نضوجهم".