كيف تسبب نتنياهو في عزل "إسرائيل" في أمريكا؟

استنتج الديمقراطيون المعتدلون أن المخاطرة بالدفاع عن إسرائيل لا طائل منها - جيتي
استنتج الديمقراطيون المعتدلون أن المخاطرة بالدفاع عن إسرائيل لا طائل منها - جيتي
شارك الخبر
نشرت مجلة "ذي أتلانتك" مقالاً لـ"فرانكلين فوير" قال فيه إن بنيامين نتنياهو، الذي قدّم نفسه كخبير في السياسة الأمريكية، أسهم في هزّ وتحطيم موقف إسرائيل.

وذكر عام 1982 عندما كان نتنياهو يعمل مديراً للتسويق في شركة أثاث مقرها القدس، حيث قرر سفير دولة الاحتلال في واشنطن أن الشاب البالغ من العمر 32 عاماً كان يروّج للمنتج الخاطئ. فبدلاً من بيع الخزائن للإسرائيليين، كان عليه أن يروّج إسرائيل للأمريكيين.

السفير، الذي التقى نتنياهو في مؤتمر قبل بضع سنوات، أحضره إلى واشنطن كنائب له، وسرعان ما أصبح نتنياهو الوجه الإعلامي للاحتلال على شاشات التلفزيون الأمريكي، وضيفاً دائماً على برنامجي "نايت لاين" و"لاري كينغ لايف" بلغته الإنجليزية ولهجته الأمريكية التي اكتسبها كولد في ضواحي فيلادلفيا.

اظهار أخبار متعلقة


ولم تتغير مهمة نتنياهو على مدى العقود الأربعة التالية، وفي كل منصب شغله تقريباً: فقد كان همّه هو حماية دولة الاحتلال في أمريكا، وهي مهمة لم يفرّط بها، لأنه كان يعتقد أنه لا أحد يفهم أمريكا أفضل منه. ولكنها مهمة فشل فيها نتنياهو، بصفته رئيس الوزراء الأطول خدمة في تاريخ إسرائيل، فشلاً ذريعاً.

ويرى الكاتب أن دعم تل أبيب ظل، وقبل عقد من الزمان، قضية مشتركة بين الحزبين في السياسة الأمريكية، ولم تتعدَّ الانتقادات الشديدة التي واجهتها حكومة نتنياهو عرقلة حل الدولتين مع الفلسطينيين. لكن في السنوات التي تلت هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر والغزو الإسرائيلي اللاحق لغزة، انهار هذا الإجماع الذي كان يتراجع بالفعل بين صفوف الديمقراطيين.

فقبل عامين، صوّت 19 سناتوراً من الكتلة الديمقراطية ضد بيع الأسلحة لدولة الاحتلال، وفي نيسان/أبريل الماضي، صوّت 40 من أصل 47 عضواً ضد البيع، بمن فيهم معظم المرشحين للرئاسة من داخل الكتلة.

والآن، أصبح عمدة المدينة التي تضم أكبر جالية يهودية في العالم معادياً للصهيونية، وقد خاض حملته الانتخابية على وعد اعتقال نتنياهو. ومن شبه المؤكد أن ناشطة من جامعة كولومبيا شاركت في تظاهرات مؤيدة للفلسطينيين ستصبح عضواً في الكونغرس المقبل. وقد جعل كبار أعضاء مجلس الشيوخ الليبراليين، بمن فيهم كريس مورفي من ولاية كونيتيكت وكريس فان هولين من ولاية ميريلاند، انتقاد إسرائيل محوراً أساسياً لرسالتهم.

وأضاف الكاتب أن هذا الانهيار لا يقتصر على الحزبين، ففي الشهر الحالي، قال نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي يُعد على الأرجح المرشح الجمهوري الأوفر حظاً للرئاسة عام 2028، لمقدم البودكاست جو روغان، بأن الممول والمجرم الجنسي جيفري إبستين "كان على صلة واضحة بأعلى مستويات المخابرات الإسرائيلية"، وهي نظرية لا أساس لها من الصحة. واتهم فانس إسرائيل بالتآمر ضد دبلوماسيته مع إيران.

وعلّق الكاتب أن تصريحات كهذه كانت كفيلة قبل عقد من الزمن بطرد أي جمهوري يتحدث بهذه الطريقة من الحزب. أما الآن، ففانس مرشح لتولي قيادته.

وأضاف أن والد نتنياهو، بنزيون، الذي آمن بأن اليهود لا أمان لهم إلا داخل حدود دولتهم الحديدية، وأن "معاداة السامية" هي جزء لا يتجزأ من حياة الشتات اليهودي، كان متشائماً في نظرته؛ ففي النهاية تاريخ اليهود ليس محصوراً في الهولوكوست، فيما تسابق الساسة الأمريكيون على كسب ولاء الدولة الجديدة، وبدت مسيرة نتنياهو السياسية المبكرة وكأنها تفند تشاؤم والده.

بحلول عام 1984، كان سفيراً لدولة الاحتلال لدى الأمم المتحدة، وجسد ظهوره المتكرر على شاشات التلفزيون فكرة إمكانية إقناع الأمريكيين بقضية إسرائيل، وأن رجلاً جذاباً على الشاشة يملك حججاً مدروسة بعناية يمكن كسبها.

وربما كانت التوجهات المتشائمة لوالد نتنياهو، في مرحلة ما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، بمعنى أن معاداة السامية كامنة، لكن الكراهية الدائمة وحدها لا تفسر شدة هذا التحول. وهي ليست السبب الذي دفع الديمقراطيين الذين كانوا يدعمون إسرائيل سابقاً إلى اعتبارها عبئاً سياسياً.

وبالمقام نفسه، فـ"معاداة السامية" ليست السبب الرئيسي وراء نظرة العديد من الأمريكيين إلى إسرائيل على أنها غير مبالية بمعاناة الفلسطينيين؛ ذلك أن خيارات نتنياهو وخطابه وأفعاله عززت هذه التصورات، وفي كل مرة كان من الممكن احتواء الضرر فيها، زاد الأمر سوءاً.

وأشار الكاتب إلى أن العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية شهدت خلافات دورية؛ فعندما رفض إسحاق رابين الانسحاب أكثر من سيناء، أعلن جيرالد فورد "إعادة تقييم" للعلاقة برمتها، وباع رونالد ريغان أنظمة أسلحة للسعوديين رغم معارضة مناحيم بيغن، وحجب جورج بوش الأب ضمانات القروض احتجاجاً على بناء إسحاق شامير مستوطنات يهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ورد كل رئيس وزراء إسرائيلي بالطريقة نفسها، من خلال حشد الدعم الإسرائيلي في الكونغرس. وعندما هدد فورد رابين، وقع 76 عضواً في مجلس الشيوخ من الحزبين رسالة يطالبون فيها باستمرار الدعم الأمريكي. وبقي الخلاف محصوراً بين حكومتين، إذ حرص رؤساء الوزراء على تجنب تحويل إسرائيل إلى قضية حزبية.

ولكن نتنياهو جلب معه دوافع أخرى للعلاقة، فلم يكن يحب الديمقراطيين ولا ليبرالية معظم اليهود الأمريكيين الذين يغلبون العدالة الاجتماعية على يهوديتهم. ووصفهم بأنهم يهود كارهون لأنفسهم.

وتبدى عداء نتنياهو للديمقراطيين في خطابه الذي ألقاه في 3 آذار/مارس 2015 أمام جلسة مشتركة للكونغرس حذر فيها من اتفاقية نووية مع إيران يعمل عليها الرئيس في حينه باراك أوباما. وكان رئيس مجلس النواب الجمهوري قد رتب هذا الظهور مع سفير إسرائيل، دون إبلاغ البيت الأبيض.

ولم يسبق أن استُدعي أي زعيم أجنبي إلى مبنى الكابيتول من قبل معارضة الرئيس لمجادلته. ومع أن أوباما أبدى تعاطفاً صريحاً مع دولة الاحتلال في حملته الانتخابية الأولى عام 2007، وبعد توليه منصبه، وقّع أوباما أكبر حزمة مساعدات عسكرية قدّمتها أمريكا لأي دولة على الإطلاق.

مع ذلك، ومنذ البداية تقريباً، تعامل نتنياهو مع الرئيس كخصم يجب التغلب عليه، فألقى عليه محاضرات عن التاريخ اليهودي في المكتب البيضاوي أمام الكاميرات، وهي لقطات استخدمها رئيس الوزراء لاحقاً في إعلان حملته الانتخابية. ولم يخفِ تفضيله لميت رومني في عام 2012.

اظهار أخبار متعلقة


وقد أدى تهكمه من أوباما إلى نفور اليسار الأمريكي، الذي كان ينأى بنفسه عن دولة الاحتلال، ومن هنا، نجح الناشطون الفلسطينيون في الجامعات بذكاء في استمالة حلفاء من اليسار لم يفكروا قط في الصراع.

يضيف الكاتب: "كان لدى نتنياهو قوة كبيرة لوقف هذا الانجراف، بمجرد احترامه للرئيس، رمز الليبرالية، وتعبيره عن رغبته في حل عادل ومنصف لأزمة الشرق الأوسط، حتى وإن كان يعتقد في قرارة نفسه أن الفلسطينيين غير مهتمين بالتسوية. لكن بمهاجمته رئيساً ديمقراطياً بشكل مباشر واستمالته لمعارضته، بدأ يدفع بلاده إلى أحد جانبي الانقسام الحزبي في أمريكا. ثم جاء الرئيس ترامب، الذي بات نتنياهو ينظر إليه على أنه "أعظم صديق لإسرائيل في البيت الأبيض"".

رأى نتنياهو في ترامب فرصته الذهبية. وتجاوز ولاؤه المذل للرئيس مجرد التملق الذي فرضه قادة أجانب آخرون على أنفسهم. غطت حملته الانتخابية لوحات إعلانية تظهر الرجلين وهما يتصافحان.

وأطلق على إحدى المستوطنات اسم "مرتفعات ترامب"، وأعلن حلفاؤه أن محطة قطار جديدة قرب حائط المبكى ستحمل اسم ترامب. وكافأ ترامب هذا الولاء بتلبية معظم مطالب نتنياهو: فقد نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس المحتلة، وألغى الاتفاق النووي الذي أبرمه أوباما مع إيران، وامتنع عن الضغط على نتنياهو للتفاوض مع الفلسطينيين.

بمجرد أن ربط نتنياهو إسرائيل بترامب، حوّل العديد من الأمريكيين الذين كانوا يكرهون أحدهما كراهيتهم إلى الآخر. لكن الزعيم الإسرائيلي اعتقد أن الأمر لا يهم؛ فقد افترض أن الحزب الديمقراطي، المتجذر في العلمانية والأيديولوجية التقدمية، سيكره إسرائيل في نهاية المطاف بغض النظر عن أي شيء.

وحذرته شخصيات يهودية بارزة، سواء في الحزب الديمقراطي أو في المنظمات اليهودية الوطنية، من أنه يسيء فهم السياسة الأمريكية عموماً والديمقراطيين خصوصاً، لكن تحذيراتهم قوبلت بالتجاهل.

وكأنما ليؤكد وجهة نظرهم، ضحى الرئيس الذي خلف ترامب في ولايته الأولى من أجل نتنياهو أكثر مما ضحى به أي من أسلافه. فبعد هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، سافر جو بايدن إلى تل أبيب لإظهار التضامن مع دولة الاحتلال.

ثم قام بتسليحها والدفاع عنها في هجومها المضاد بتكلفة سياسية باهظة، على الرغم من قلقه المتزايد من أن هدف نتنياهو المتمثل في القضاء على حماس غير قابل للتحقيق وسيؤدي إلى خسائر فادحة في صفوف المدنيين.

وفي مقابل دعم بايدن، تجاهل نتنياهو تقريباً كل نصيحة استراتيجية قدمتها إدارة بايدن. في حزيران/يونيو 2024، نشر مقطع فيديو باللغة الإنجليزية، يفترض أنه موجه للجمهور الأمريكي، اتهم فيه الإدارة الأمريكية بحجب الأسلحة الأمريكية.

واشتكى من أن بايدن يمنعه من كسب الحرب. وكان هذا الاتهام مبالغاً فيه للغاية، إذ لم تحجب الإدارة في نهاية المطاف سوى شحنة من نوع واحد من القنابل، وجعل بايدن يبدو أحمق. وبينما كان بايدن يتلقى الانتقادات من اليسار دفاعاً عن نتنياهو، هاجمه نتنياهو من اليمين.

وقد انقلب الجناح اليساري في حزب بايدن عليه، محملاً إياه مسؤولية ويلات الحرب. وفي الانتخابات التمهيدية لولاية ميشيغان عام 2024، حيث لم يواجه الرئيس الحالي منافساً حقيقياً، صوت أكثر من 100,000 ديمقراطي بـ"غير ملتزمين" احتجاجاً على رئيس اعتبروه مسؤولاً عن معاناة غزة.

وما بدأ كثورة ضد بايدن تحوّل إلى ثورة ضد دعم الحزب الديمقراطي التاريخي لإسرائيل. وصوّر نشطاء اليسار هذا الدعم كدليل على هيمنة كبار السن غير المسؤولين في الحزب. وأصبحت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)، وهي جماعة ضغط أمضت أكثر من نصف قرن في جعل دعم إسرائيل موقفاً موحداً بين الحزبين، هي النقيض الذي عرّف العديد من الديمقراطيين أنفسهم ضده.

وتضخمت الأهمية الرمزية للمنظمة مع تراجع نفوذها. فقد تعهد كلٌّ من غافين نيوسوم، وكوري بوكر، وروبن غاليغو، وسيث مولتون، وهم ليسوا من أعمدة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا، برفض أموال "أيباك".

واستنتج الديمقراطيون المعتدلون أن المخاطرة بالدفاع عن إسرائيل لا طائل منها، ليس فقط بسبب العداء المتزايد داخل قاعدة الحزب، بل لأن معاملة نتنياهو لبايدن أظهرت أن الولاء لن يُقابل بالمثل.

وقد استوعب الديمقراطيون المرشحون للرئاسة هذه الحسابات الجديدة، وحاولوا لفت الأنظار إلى ترشيحاتهم الوليدة من خلال مواجهات بارزة مع تل أبيب. وقد فجّر هذا الانقسام الرجل الذي أكد للإسرائيليين أن لا أحد يفهم الأمريكيين أفضل منه.

ثم شنت دولة الاحتلال حرباً على إيران ووكلائها باسم البقاء، وهدفها المعلن بوضوح هو القضاء على الدولة الوحيدة ذات الأغلبية اليهودية في العالم. لكن للبقاء جبهة ثانية: الرأي العام الأمريكي.

وواجه نتنياهو التهديدات العسكرية بشراسة، لكنه خسر في ساحة المعركة التي صنعت مسيرته. وصل إلى السلطة بإقناع الأمريكيين بصواب قضيته، لكنه حكم وكأن الإقناع عبثي.

ولم يدرك نتنياهو قط أن نجاحاته السابقة تحققت في ظل ظروف مواتية: الحرب الباردة والحروب على الإرهاب وعقود من التعاطف الأمريكي مع القضية الإسرائيلية. وعندما تغيرت الظروف، لم يعدل نتنياهو حجته، بل استنتج أنه لا مجال لتغيير الآراء: فكراهية الدولة اليهودية راسخة لا تتغير.

وفي عهد نتنياهو، تعاملت الدبلوماسية العامة الإسرائيلية مع كل ناقد جديد لا كشخص يراد إقناعه أو تصحيحه، بل كمعادٍ للسامية معلن.

ويتجلى استهتاره بالرأي العام العالمي في اختياره لوزراء حكومته. ففي عام 1988، حظرت دولة الاحتلال الحزب السياسي لمئير كاهانا، وهو حاخام من مواليد بروكلين، كان برنامجه يدعو إلى التهجير الجماعي للعرب.

وفي كثير من الأحيان، عندما كان كاهانا يلقي كلمته في الكنيست، كانت القاعة خالية. وعندما شكّل نتنياهو الحكومة الحالية عام 2022، عيّن أحد تلاميذ كاهانا، إيتمار بن غفير، وزيراً للأمن القومي.

ففي العام الماضي، وبينما كانت المنظمات الإنسانية وحتى بعض المعلقين الإسرائيليين يحذرون من مجاعة وشيكة، صرّح بأنه "لا يوجد أي مبرر لدخول غرام واحد من الطعام أو أي نوع من المساعدات إلى غزة"، وأيّد قصف مستودعات المساعدات. وفي وقت لاحق من ذلك العام، دعا إلى "الهجرة الطوعية" لسكان غزة.

وأصبحت تصريحات بن غفير العنصرية شهادة رئيسية في القضية التي تؤكد نية إسرائيل ارتكاب إبادة جماعية. ومع ذلك، لم يدنه نتنياهو بشكل جاد، ناهيك عن إقالته. حزب بن غفير جزء من الائتلاف الحاكم، ولذلك فهو ضروريٌ لبقاء نتنياهو في السلطة، لحماية رئيس الوزراء من الملاحقة القضائية بتهم فسادٍ مستمرة.

ومع ذلك، كان بإمكان نتنياهو أن يظهر للعالم بطريقة ما أن بن غفير لم يكن يمثل إلا نفسه. كان بإمكانه إغراق غزة بالغذاء، وهي سياسة من شأنها أن تقوض سيطرة حماس. بدلاً من ذلك، طرد وكالة الإغاثة الرئيسية التابعة للأمم المتحدة، وأوكل مهمة إطعام مليوني شخص إلى مؤسسةٍ غير مجربة تدعى "مؤسسة غزة الإنسانية"، وهي عملية سيئة التخطيط لدرجة أن مديرها استقال قبل أن تبدأ، وتحولت مواقع توزيعها دورياً إلى ساحاتٍ للفوضى والموت.

ولم يطرح نتنياهو قط خطة جادة لإدارة غزة، أو لإعادة بنائها، أو لإزاحة حماس من السلطة لا أثناء الحرب، ولا الآن. وقد توسلت إليه إدارة بايدن لتسليم الأراضي المحتلة إلى سلطة فلسطينية مُصلحة، مدعومة بقوات حفظ سلام عربية. 

رد نتنياهو بأن السلطة الفلسطينية ضعيفة وفاسدة وغير محبوبة في غزة. كل هذه الاعتراضات كانت صحيحة، ولم يكن أي منها سبباً لرفض نتنياهو. رفض لأن أي شكل واقعي للحكم الذاتي الفلسطيني كان سيُنفّر أحزاب اليمين المتطرف في ائتلافه، التي فضّلت إعادة توطين غزة. وهكذا استمرت إسرائيل في القتال دون أي رؤية لكيفية إنهاء الصراع. ومع تزايد الدمار، ترك نتنياهو العالم يستخلص استنتاجاته الخاصة حول نوايا بلاده.

وعندما توسطت إدارة ترامب أخيراً في وقف إطلاق النار، بقيت القوات الإسرائيلية في منطقة عازلة في غزة. وعد نتنياهو بتحقيق نصر كامل، لكنه فشل في إزاحة حماس. مع ذلك، أُتيحت لنتنياهو فرصة غير مسبوقة في تاريخ الاحتلال لتحسين صورة إسرائيل المتضررة.

وكانت إدارة ترامب، مثل إدارة بايدن من قبلها، مستعدة للتوسط في اعتراف السعودية بإسرائيل، مانحة إياها الشرعية التي حجبها العالم الإسلامي لما يقرب من ثمانية عقود. كان من الممكن أن يشجع التطبيع دولاً إسلامية أخرى - مثل إندونيسيا وقطر وعدد من الدول الأفريقية - على اتخاذ الخطوة نفسها.

وبعد أن استعدت إسرائيل اليسار الأمريكي، كان بإمكانها أن تحتضن العالم الإسلامي. لكن نتنياهو رفض تقديم الشيء الوحيد الذي طلبه السعوديون: عملية نحو إنشاء دولة فلسطينية. مثل هذا الوعد، مهما كان غامضاً، كان سيكلفه دعم اليمين، وربما ائتلافه.

لذلك تم تجاهل الاتفاق السعودي، على الرغم من أن إدارة ترامب تريد الآن إحياءه. الدولة التي نصبت نفسها زعيمة العالم الإسلامي كانت على ما يبدو مستعدة لتغيير موقفها الرسمي تجاه اليهود، لكن نتنياهو رفض.

وقد حكم نتنياهو وكأنه عاجز عن منع إسرائيل من أن تصبح منبوذة أو عن مكافحة الكراهية المتصاعدة الموجهة ضد الشتات. لم يتعلم شيئاً من مثال فولوديمير زيلينسكي، رئيس أوكرانيا، الذي قدم نموذجاً لكيفية استمالة دولة محتلة للتعاطف الدولي.

اظهار أخبار متعلقة


أي بادرة كان من شأنها تحسين موقف إسرائيل -كإقالة وزير، أو وضع خطة لغزة، أو إظهار انفتاح على قيام دولة فلسطينية- كانت ستهدد ائتلافه الحاكم وتعرضه لمساءلة قانونية.

لكن إسرائيل ستندم على حجم الدعم السياسي الأمريكي الذي خسرته في عهد نتنياهو، وليس فقط من اليسار. فقد أصبح المستقلون سياسياً أكثر تعاطفاً مع الفلسطينيين من الإسرائيليين؛ و60 بالمئة من البالغين الأمريكيين لديهم نظرة سلبية تجاه دولة نتنياهو.

كما أن أغلبية الجمهوريين دون سن 45 عاماً يعارضون تجديد حزمة المساعدات العسكرية التي أقرها أوباما؛ ويتراجع الدعم بين الإنجيليين الشباب، الذين كانوا في يوم من الأيام معقلاً مؤيداً لإسرائيل في أوساط الناخبين. إن إرث نتنياهو هو عزلة إسرائيل. ربما لم يكن بالإمكان تجنب ذلك. يكمن فشله في أنه لم يحاول قط تجنب هذا المصير.
التعليقات (0)