في مقاصد القرآن الكريم.. بحثا عن منهج جديد لتفسير القرآن وتدبره

شهد تاريخ التفسير تعدد مدارس واتجاهات تناولت القرآن الكريم بمناهج متفاوتة، تعكس كل منها زاوية نظر خاصة إلى النص وطريقة التعامل معه.
شهد تاريخ التفسير تعدد مدارس واتجاهات تناولت القرآن الكريم بمناهج متفاوتة، تعكس كل منها زاوية نظر خاصة إلى النص وطريقة التعامل معه.
شارك الخبر
الكتاب: نحو تفسير مقاصدي للقرآن الكريم: رؤية تأسيسية لمنهج جديد في تفسير القرآن
الكاتب: وصفي عاشور أبو زيد
الناشر: دار مفكرون الدولية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2019
عدد الصفحات: 140 صفحة

ـ 1 ـ


شهد تاريخ التفسير تعدد مدارس واتجاهات تناولت القرآن الكريم بمناهج متفاوتة، تعكس كل منها زاوية نظر خاصة إلى النص وطريقة التعامل معه. فأقدم هذه الاتجاهات وأكثرها التصاقا بالنص هو التفسير بالمأثور، الذي يفسَّر فيه القرآن بالقرآن، أو بالسنة النبوية، أو بأقوال الصحابة والتابعين، ومن أبرز نماذجه "جامع البيان" للطبري و"تفسير القرآن العظيم" لابن كثير. ويقابله التفسير بالرأي، القائم على الاجتهاد العقلي في استنباط المعاني في ضوء قواعد اللغة وأصول الشريعة، وقد برع فيه الزمخشري في "الكشاف" والرازي في "مفاتيح الغيب"، وإن اختلف الفريقان في مدى قبول هذا الاجتهاد.

وإلى جانب هذين الاتجاهين الكبيرين، نشأت مدارس مذهبية طبعت التفسير بصبغة عقدية أو فقهية معينة، كالتفسير الفقهي عند القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، أو التفسير الاعتزالي عند الزمخشري نفسه، أو الأشعري عند الفخر الرازي. وظهر بموازاة ذلك تفسير لغوي ونحوي وبلاغي يُعنى بدلالات الألفاظ وأسرار التركيب، تمثله جهود أبي حيان الأندلسي في "البحر المحيط" وعبد القاهر الجرجاني في تأصيله لنظرية النظم.

حين يُنظر إلى الآية أو السورة بوصفها حاملة لغاية مرتبطة بسياق كلي، يتحول التفسير من عملية شرح لغوي بحت إلى فعل استلهام يربط النص بحاجة العباد وواقعهم، وهو ما تلتقي فيه هذه الرؤية مع المشروع المقاصدي الأشمل الذي عرفته الدراسات الإسلامية المعاصرة في مجال أصول الفقه على يد الشاطبي قديما وابن عاشور والريسوني حديثا، لتنقل الوعي المقاصدي من ميدان الأحكام الفقهية إلى ميدان النص القرآني ذاته بكل أبعاده العقدية والأخلاقية والتربوية.
وفي العصر الحديث، برزت اتجاهات أحدث استجابة لتحولات العصر؛ فظهر التفسير العلمي الذي يسعى إلى ربط الآيات الكونية بمكتشفات العلم التجريبي، كما عند طنطاوي جوهري في "الجواهر"، وإن لقي نقدا واسعا من مدرسة المنار. وظهر التفسير الموضوعي الذي يجمع الآيات المتعلقة بموضوع واحد ويدرسها دراسة شاملة، كما عند محمد الغزالي في "نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم"، وسبقه في ذلك محمد عبد الله دراز في تحليله الموضوعي لسورة البقرة. أما التفسير الفلسفي فقد حاول قراءة النص في ضوء المفاهيم الفلسفية، وهو اتجاه أقل شيوعا وأكثر إثارة للجدل. وفي ظل هذا التنوع الثري، يأتي التفسير المقاصدي بوصفه محاولة لتجاوز هذا التعدد المنهجي نحو رؤية جامعة تُخضع كل هذه الاتجاهات لميزان واحد: مقاصد القرآن وغاياته العليا. وضمنه نراجع المؤَلف "نحو تفسير مقاصدي للقرآن الكريم: رؤية تأسيسية لمنهج جديد في تفسير القرآن" للباحث وصفي عاشور أبو زيد.

ـ 2 ـ

 ينطلق الباحث وصفي عاشور أبو زيد من الإشارة إلى مكانة القرآن الكريم بوصفه "كتابا للإنسانية"، مستدلا بأن أول ندائه فيه للناس عامة، وأن كلمة "الناس" تكررت فيه أكثر من مئة وأربعين مرة (ص5)، ليخلص إلى أن هذا الكتاب حظي من عناية البشرية وتعدد مدارس تفسيره ما لم يحظ به كتاب آخر. ويفصل مناهج تدبره بين تفسير بالمأثور وآخر بالرأي وتفسير ثالث لغوي ورابع بلاغي وعلمي (ص5 ـ 6).

وبالمقابل يرى أن من بين هذه الاتجاهات اتجاها لم يُؤصَّل بعد تأصيلا مستقلا، هو التفسير المقاصدي، ويصفه بأنه اتجاه "معياري وحاكم" بحيث يكون الفهم مرتبطا دائما بالتنزيل والتطبيق لا بالتحليل اللغوي المجرد. ويجعله "معياريا وحاكما"، "حاكما على غيره من الاتجاهات والمدارس"، لأنه عنده، التفسير الأصل الذي تُقاس عليه مختلف التفسيرات المذكورة أعلاه وتُراجَع في ضوئه. ومن هنا جاءت التسمية الفرعية "رؤية تأسيسية"، إذ يوضح المؤلف أن غرضه ليس ابتداع فن غير مسبوق - فقد أشار إليه ابن عاشور ورشيد رضا والفراهي من قبل (ص8) - وإنما تقديم أسس أولية لمشروع تفسيري متكامل يحتاج، كما يقول، إلى مركز بحثي أو فريق علمي متخصص لإنجازه (ص9). ويسجل المؤلف ملحوظة منهجية مهمة، هي أن مقاصد القرآن أوسع من مقاصد الشريعة وأشمل منها، لأن القرآن يضم إلى جانب الأحكام العقيدة والأخلاق والسياسة والاقتصاد والتزكية، وهو ما ينبغي أن ينعكس على طريقة تناوله (ص9).

ويعرّف الباحث التفسير المقاصدي بأنه ذلك النوع من التفسير الذي يبحث عن المعاني والغايات المعقولة التي يدور حولها القرآن كليا أو جزئيا، مع بيان كيفية الإفادة منها لتحقيق مصلحة العباد (ص13)، مفرّقا بذلك بين البحث عن المعنى لذاته والبحث عن توظيف هذا المعنى في واقع الفرد والأسرة والأمة. ثم يتناول علاقة هذا النوع من التفسير بأنواع التفسير الأخرى: التحليلي والموضعي والإجمالي والمقارن والموضوعي والسنني، ليخلص إلى أن التفسير المقاصدي ليس نوعا مستقلا منعزلا عن هذه الأنواع فحسب، بل هو "متغلغل" فيها جميعا، فلا يستغني عنه أي منها بينما يستغني هو عن بعضها (ص15)، وهو ما يجعله في نظره أقرب إلى أن يكون أصلا لبقية الأنواع وثمرة لها في آن واحد. ويستشهد بقول ابن عاشور إن غرض المفسر بيان ما يوضح مراد الله من مقاصد القرآن أو يخدم هذا المقصد تفصيلا وتفريعا، ليؤكد أن أي منهج تفسيري - أيا كان - لا ينبغي أن ينفصل عن هذا البعد المقاصدي.

ـ 3 ـ

يقسم المؤلف مقاصد القرآن إلى خمسة أنواع متدرجة من الكلي إلى الجزئي. فالنوع الأول عنده هو المقاصد العامة، وهي الغايات الكلية التي يفصح عنها القرآن بنفسه، وينقل عن أحمد الريسوني حصرها في ستة: توحيد الله، والهداية، والتزكية، والرحمة والسعادة، وإقامة العدل، وتقويم الفكر (ص22). والنوع الثاني هو المقاصد الخاصة، وتنقسم إلى مقاصد مجالات (كمجال الأسرة الذي يسوق له مثالا مفصلا من آيات الزواج والطلاق) ومقاصد موضوعات (كموضوع اليهود في القرآن).

والنوع الثالث مقاصد السور، ويستعرض جهود الفيروزآبادي والبقاعي، ثم محمد عبده ورشيد رضا ومحمد عبد الله دراز وسيد قطب في رسم "الشخصية" الخاصة لكل سورة.

والنوع الرابع المقاصد التفصيلية للآيات، والخامس مقاصد الكلمات والحروف، وفيه يطيل النقل عن سيد قطب في تحليله لدلالات الألفاظ وجرسها الصوتي في سورتي مريم وعبس، مستنتجا أن اختيار القرآن لألفاظه متسق مع مقاصده اتساقا بلاغيا دقيقا. ولكل نوع من هذه الأنواع - كما يفصّل المؤلف - فوائد خاصة تتصل بفهم النص وضبط اجتهاد المفسر فيه.

ويطرح المؤلف سؤال الطريق إلى معرفتها، محذرا من أن يكون الحديث عن "مقاصد القرآن" بابا لتحكم الأهواء أو هدم النصوص كما يفعل بعض من يدّعون مقاصد الشريعة. ويحصر مسالكها في أربعة: أولها نص القرآن نفسه على مقصده، ويعده أقوى المسالك لأنه يقطع الطريق على الظنية. وثانيها الاستقراء، وينقل تعريف الغزالي له بأنه تتبع الجزئيات الكثيرة لاستخراج حكم كلي، مبينا أنه يصلح مسلكا للمقاصد العامة والخاصة ومقاصد السور دون المقاصد التفصيلية للآيات والكلمات. وثالثها الاستنباط القائم على النظر في الألفاظ ودلالاتها، ويستحضر هنا قول ابن حزم بوجوب ضم النصوص بعضها إلى بعض وعدم الأخذ ببعضها دون بعض. ورابعها تجارب علماء القرآن وجهودهم عبر التاريخ، وهو مسلك غير معصوم في نظره لكنه معتبر لما لأهله من خبرة طويلة بمعايشة النص.

ـ 4 ـ

ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى المقومات التي يجب أن يتحلى بها من يريد ممارسة هذا النوع من النظر، فيذكر أربعة. أولها فهم اللغة العربية وآدابها واستعمالاتها، مستدلا بقول الشافعي إن من جهل سعة لسان العرب لم يأمن الشبهة في فهم الكتاب وبتأكيد الشاطبي أن درجة المرء في فهم الشريعة من درجته في فهم العربية. وثانيها تدبر القرآن وإرادة العيش به، ويسوق فيه جواب حسن البنا حين سئل عن أفضل التفاسير فقال: "قلبك".

يعرّف الباحث التفسير المقاصدي بأنه ذلك النوع من التفسير الذي يبحث عن المعاني والغايات المعقولة التي يدور حولها القرآن كليا أو جزئيا، مع بيان كيفية الإفادة منها لتحقيق مصلحة العباد
وثالثها العمل بالقرآن وتعليمه والجهاد به، مستشهدا بأثر ابن عمر أن الصحابة تعلموا الإيمان قبل القرآن.

ورابعها الانطلاق من احتياجات الأمة الحقيقية في ظل المقاصد العامة، فيرى أن الفقه الحي لا ينفصل عن واقع الناس وهمومهم.  وليست هذه المقومات، وفق الباحث، شروطا شكلية بل هي ما يميّز بين ناظر في القرآن يستحضر روحه وآخر يقف عند حروفه.

ولضبط هذا النوع من التفسير من الانفلات، يضع المؤلف خمسة ضوابط. الأول أن يكون المقصد مستكشَفا فعلا من مسالكه المقررة سلفا لا متكلَّفا. والثاني أن يتحقق المفسر بالمقومات السابقة. والثالث تقديم المقاصد النصية الأصلية على غيرها عند التعارض الظاهري، وهنا ينقل بتفصيل تعداد ابن عاشور لثمانية مقاصد أصلية للقرآن: إصلاح الاعتقاد، وتهذيب الأخلاق، والتشريع، وسياسة الأمة، والقصص، والتعليم، والوعد والوعيد، والإعجاز. والرابع أن تكون المقاصد العامة حاكمة على ما دونها من مقاصد السور والآيات والكلمات، بحيث لا يتصور تعارض حقيقي بين مرتبة ومرتبة. والخامس أن يتحقق الاتساق بين الكلمات والآيات والسور والقرآن كله، وفيه يستحضر كلام الزركشي عن علم المناسبات، وقول محمد عبد الله دراز إن السورة الطويلة بنية متماسكة "كأنها بنيت من المقاصد الكلية على أسس" (ص87-88).

ـ 5 ـ

يخصص المؤلف الحيز الأوسع من الكتاب لفوائد التفسير المقاصدي وغاياته، فيسوق عشرا منها. فهو يحقق امتثال المؤمن لأمر الله بتدبر القرآن  يزيده إيمانا به ويقينا وييسر فهمه وحفظه ويقلل الخلاف والتعصب بين المفسرين، ويكون معيارا للتحاكم في الفهم والتطبيق، ويرشّد فهم السنة النبوية والاجتهاد الفقهي ويجدد العلوم التي نشأت لخدمة القرآن كعلوم اللغة والبلاغة والتفسير نفسه، بحيث تُحاكَم هذه العلوم إلى مقاصد القرآن لا العكس. وينتهي إلى أنّ ما قدمه ليس أكثر من رؤية تأسيسية يُبنى عليها، تاركا الباب مفتوحا لمن يأتي بعده لإتمام هذا المشروع وتطبيقه على القرآن كاملا فاللاحق يستدرك على السابق شيئا فشيئا حتى يكتمل الفن على عبارة ابن خلدون التي يستحضرها الباحث هنا.

يمثل هذا الكتاب إذن محاولة جادة لتأصيل اتجاه في التفسير ظل حاضرا بالإشارة في تراثنا التفسيري القديم والحديث ـ من الفيروزآبادي والبقاعي إلى محمد عبده ورشيد رضا وابن عاشور ومحمد عبد الله دراز وسيد قطب ـ دون أن يُفرد بتأصيل مستقل يحدد أنواعه ومسالك الكشف عنه ومقومات صاحبه وضوابطه. وتكمن قيمة هذا العمل تحديدا في هذا البعد التنظيمي: فهو لا يكتفي بتقرير أن للقرآن مقاصد، بل يبني لهذا التقرير جهازا مفاهيميا متكاملا يميز بين مراتب المقاصد الخمس، ويضع لكل مرتبة طريقها الخاص في الاستكشاف، ويحصّن المشروع كله بضوابط تحول دون الانزلاق إلى تحكم أو تأويل بلا ضابط - وهو هاجس يُلمس بوضوح في تحذير المؤلف المتكرر من توظيف الخطاب المقاصدي لتفريغ النص من محتواه.

والأثر الأهم لهذا التمشي هو ما يعيده إلى العلاقة بين القارئ والنص القرآني من حيوية: فحين يُنظر إلى الآية أو السورة بوصفها حاملة لغاية مرتبطة بسياق كلي، يتحول التفسير من عملية شرح لغوي بحت إلى فعل استلهام يربط النص بحاجة العباد وواقعهم، وهو ما تلتقي فيه هذه الرؤية مع المشروع المقاصدي الأشمل الذي عرفته الدراسات الإسلامية المعاصرة في مجال أصول الفقه على يد الشاطبي قديما وابن عاشور والريسوني حديثا، لتنقل الوعي المقاصدي من ميدان الأحكام الفقهية إلى ميدان النص القرآني ذاته بكل أبعاده العقدية والأخلاقية والتربوية. لكن، ومع أنّ الباحث كان يعلن مرارا سعيه إلى أن يصبح التعامل مع القرآن تعاملا حيا متجددا، ينفتح على أسئلة كل عصر دون أن ينفصل عن ثوابت النص وأصالته، فإن تصوّره ظل أسيرا للكتابات الفقهية دون أن يوسّع مراجعه إلى الكتابات الفكرية والفلسفية. فلم تسلم قراءته بدورها من الانغلاق.
التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم