محاكمة غير مسبوقة لمحامٍ بريطاني بسبب مرافعة في قضية "فلسطين أكشن"

يخشى محامون من أن يؤدي توسيع نطاق المساءلة الجنائية على خلفية المرافعات إلى خلق تأثير رادع، يدفع المحامين إلى تجنب بعض الحجج أو العبارات خشية التعرض لاحقاً لإجراءات قضائية.
يخشى محامون من أن يؤدي توسيع نطاق المساءلة الجنائية على خلفية المرافعات إلى خلق تأثير رادع، يدفع المحامين إلى تجنب بعض الحجج أو العبارات خشية التعرض لاحقاً لإجراءات قضائية.
شارك الخبر
أثارت محاكمة محامٍ بريطاني بارز بتهمة ازدراء المحكمة، على خلفية كلمة ختامية ألقاها خلال محاكمة ناشطين في جماعة "فلسطين أكشن"، موجة انتقادات واسعة في الأوساط القانونية البريطانية، وسط تحذيرات من أن القضية قد تترك أثراً "مخيفاً" على عمل محامي الدفاع، وتدفعهم إلى ممارسة رقابة ذاتية على ما يقولونه أمام هيئات المحلفين.

وذكر تقرير لصحيفة "الغارديان" اليوم، أنه من المقرر أن يمثل المحامي راجيف مينون كيه سي أمام المحكمة الأسبوع المقبل، في قضية يُعتقد أنها الأولى من نوعها التي يواجه فيها محامٍ اتهاماً بالازدراء على خلفية تصريحات أدلى بها في مرافعته الختامية أمام هيئة محلفين.

وتتعلق القضية بمحاكمة ستة ناشطين من جماعة "فلسطين أكشن"، على خلفية احتجاج مباشر نفذوه عام 2024 في مصنع للأسلحة تابع لشركة "إلبيت سيستمز يو كيه"، وهي الشركة البريطانية التابعة لمجموعة الصناعات العسكرية الإسرائيلية "إلبيت سيستمز"، في منطقة فيلتون بالقرب من مدينة بريستول.

وكان مينون يتولى الدفاع عن عدد من المتهمين في القضية، قبل أن يحيل قاضي المحاكمة، القاضي جونسون، مسألة احتمال توجيه اتهام بالازدراء إليه إلى قاضٍ آخر، هو القاضي نكلين، الذي أصدر لاحقاً قراراً بالمضي في إجراءات المحاكمة.

وجاءت هذه الخطوة بعد محاولة سابقة لإحالة مينون إلى إجراءات الازدراء أُبطلت في مرحلة الاستئناف لأسباب إجرائية.

مخاوف من تقييد عمل محامي الدفاع

وفي اجتماع إلكتروني، حذرت رئيسة رابطة المحامين الجنائيين في بريطانيا، رييل كارمي-جونز كيه سي، من أن القضية خلقت مناخاً من الخوف وعدم اليقين بين المحامين الجنائيين بشأن حدود ما يمكنهم قوله أثناء مرافعاتهم.

وقالت إن محامين بدأوا بالفعل في تغيير مرافعاتهم أو تلقوا تعليمات بتعديلها، حتى في بعض الحالات التي لم يصدر فيها القاضي توجيهات صريحة بشأن ما يمكن أن يقال.

وأضافت أن هذا الوضع "لا يمكن تجاهله"، لأن محامي الدفاع في القضايا الجنائية أصبحوا، بحسب تعبيرها، "غير متأكدين وخائفين" من حدود ما يمكنهم قوله، خشية أن يجدوا أنفسهم في نهاية محاكمة أدوا خلالها واجبهم في تمثيل موكليهم أمام اتهام جنائي بالازدراء.

وحذرت كارمي ـ جونز من أن الأمر بدأ يبدو، في نظر بعض المحامين، وكأنه مرتبط "بالسياسة التي تحيط بموضوع المحاكمة"، وليس بالمبادئ الأساسية التي تحكم عمل المحامي في تمثيل موكله والدفاع عنه.

ويأتي هذا التحذير في وقت تشهد فيه بريطانيا نقاشاً واسعاً حول حدود حرية التعبير داخل قاعات المحاكم، ودور المحامين في تقديم دفاع كامل عن موكليهم، ولا سيما في القضايا ذات الطابع السياسي أو المرتبطة باحتجاجات على سياسات الحكومة أو شركات الصناعات العسكرية.

انتقادات من شخصيات قانونية بارزة

وأعرب عدد من كبار الشخصيات القانونية والسياسية في بريطانيا عن انتقادات حادة للإجراءات المتخذة بحق مينون، معتبرين أن القضية قد تشكل سابقة مقلقة بالنسبة إلى استقلال مهنة المحاماة وحق المتهمين في الحصول على دفاع قوي ومستقل.

وقالت شامي تشاكرابارتي، عضو مجلس اللوردات عن حزب العمال والمديرة السابقة لمنظمة "ليبرتي" المعنية بالحريات المدنية، إن انتقاد القضاة يمثل مسألة حساسة وخطيرة، خصوصاً في ظل التهديدات التي قد يتعرضون لها.

لكنها رأت، في حالة مينون، أن ما حدث يمثل "خطأ فادحاً ومتقلباً"، ووصفت طريقة التعامل مع القضية بأنها "مخيفة" وذات أثر مثير للقلق على النظام القانوني.

من جهتها، وصفت عضو مجلس اللوردات والمحامية الجنائية البارزة هيلينا كينيدي كيه سي، في رسالة مكتوبة، محاكمة مينون بأنها "اعتداء آخر على نظام العدالة"، مؤكدة ضرورة مقاومة هذا المسار.

كما وصفت المحامية البارزة في مجال حقوق الإنسان غاريث بيرس القضية بأنها "مروعة"، في إشارة إلى خطورة استخدام إجراءات الازدراء ضد محامٍ بسبب ما قاله خلال مرافعته الختامية.

وامتدت رسائل الدعم إلى مينون من خارج الأوساط القانونية، إذ أعربت عائلات ضحايا كارثة ملعب هيلزبورو عن مساندتها له، وهو المحامي الذي سبق أن مثل عدداً من هذه العائلات.

ماذا يقول قرار بدء إجراءات الازدراء؟

بحسب قرار القاضي نكلين الذي أطلق إجراءات الازدراء، يُتهم مينون بأنه خالف بصورة متعمدة أحكاماً وتوجيهات أصدرها القاضي جونسون خلال محاكمة ناشطي "فلسطين أكشن".

ويستند الاتهام، وفق القرار، إلى ادعاء بأن مينون كان يعلم أن سلوكه من شأنه أن يؤدي، أو يمكن أن يؤدي، إلى خلق «خطر حقيقي» يتمثل في عرقلة سير العدالة.

كما يتهم القرار المحامي بأنه أدلى، خلال المرافعة ذاتها أمام هيئة المحلفين، بتصريحات يمكن أن توحي بأن المحكمة لم تكن محايدة.

ومن بين العبارات التي أثارت اعتراض المحكمة، الإشارة إلى أن المتهمين مُنعوا من تقديم أدلة تتعلق بشركة "إلبيت سيستمز"، إضافة إلى حديث مينون عن أن الشركة كانت «محمية» وأنها تحظى بـ "الدلال والاستقبال الحافل في أروقة السلطة".

وترى المحكمة أن مثل هذه التصريحات كان من شأنها أن تخلق انطباعاً لدى هيئة المحلفين بأن المتهمين عوملوا بصورة غير عادلة، وأن شركة "إلبيت سيستمز" حظيت بحماية غير ملائمة خلال الإجراءات القضائية.

قضية تتجاوز شخص مينون

ومن المتوقع أن تحظى محاكمة مينون باهتمام واسع في الأوساط القانونية البريطانية، ليس فقط بسبب شخصية المحامي أو طبيعة القضية التي يمثل فيها، وإنما بسبب التداعيات المحتملة على العلاقة بين القضاء ومحامي الدفاع.

ويرى منتقدو الإجراءات أن المحامي يجب أن يتمتع بهامش واسع للدفاع عن موكله، وطرح الحجج التي يراها ضرورية أمام هيئة المحلفين، مع الالتزام بالطبع بالقواعد التي تضعها المحكمة.

لكن القضية تطرح سؤالاً أكثر حساسية: أين ينتهي حق المحامي في تقديم دفاعه، وأين تبدأ سلطة المحكمة في ضبط ما يقال أمام هيئة المحلفين؟

ويخشى محامون من أن يؤدي توسيع نطاق المساءلة الجنائية على خلفية المرافعات إلى خلق تأثير رادع، يدفع المحامين إلى تجنب بعض الحجج أو العبارات خشية التعرض لاحقاً لإجراءات قضائية.

وتزداد حساسية هذا النقاش عندما يتعلق الأمر بقضايا سياسية شديدة الاستقطاب، مثل الاحتجاجات المرتبطة بالحرب على غزة أو بالعلاقات البريطانية مع إسرائيل، حيث تتقاطع مسائل حرية التعبير والاحتجاج السياسي مع قضايا الأمن والقانون والنظام العام.

وتأتي محاكمة مينون في سياق متوتر أصلاً بالنسبة إلى جماعة «فلسطين أكشن»، التي ارتبط اسمها بسلسلة من الاحتجاجات المباشرة ضد شركات مرتبطة بصناعة الأسلحة الإسرائيلية في بريطانيا.

ومن ثم، فإن القضية لا تتعلق فقط بمسار محاكمة محامٍ بسبب تصريحات أدلى بها في قاعة المحكمة، وإنما تفتح نقاشاً أوسع حول حدود الدفاع القانوني، واستقلال المحامين، وحق المتهمين في الحصول على تمثيل قانوني كامل، فضلاً عن الدور الذي ينبغي أن تؤديه المحاكم في القضايا التي تتداخل فيها الاعتبارات القانونية مع القضايا السياسية والأخلاقية.

وبينما تستعد المحكمة للنظر في قضية مينون الأسبوع المقبل، تترقب الأوساط القانونية البريطانية مآلاتها، وسط تحذيرات من أن أي توسع في استخدام إجراءات الازدراء ضد محامي الدفاع قد يترك أثراً طويل الأمد على مهنة المحاماة وعلى طبيعة المرافعات داخل المحاكم.

وفي المقابل، تؤكد المحكمة أن الإجراءات لا تستند إلى الموقف السياسي للمحامي أو إلى طبيعة القضية التي يتولاها، وإنما إلى ما تعتبره خرقاً لتوجيهاتها، وإلى تصريحات قد تكون، بحسب قرار بدء الإجراءات، قد أثرت في حياد المحاكمة وسير العدالة.

ويبقى جوهر القضية، في نهاية المطاف، معلقاً بين مبدأين أساسيين في أي نظام عدالة: سلطة المحكمة في حماية نزاهة المحاكمة وضمان حياد هيئة المحلفين من جهة، وحق المحامي في الدفاع بحرية عن موكله من جهة أخرى.

ومن المنتظر أن تحدد المحاكمة المقبلة ما إذا كانت تصريحات مينون تمثل تجاوزاً يستوجب العقوبة، أم أنها تندرج ضمن المساحة التي ينبغي أن يتمتع بها محامي الدفاع أثناء قيامه بواجبه المهني. لكن المؤكد أن القضية، أياً كانت نتيجتها، ستستمر في إثارة أسئلة عميقة حول استقلال مهنة المحاماة وحدود حرية الدفاع في بريطانيا.

اظهار أخبار متعلقة


التعليقات (0)