بعد سنوات من الهدوء النسبي، قد تُعيد إشعال الحرب في اليمن وتبادل الضربات بين
السعودية وجماعة
الحوثي اتساع نطاق المواجهة في الشرق الأوسط، وفقاً لصحيفة "فايننشال تايمز".
وتُعد ضربات الرياض الأخيرة، ومنها قصف ميناء الحديدة، هي الأولى التي يتم الإعلان عنها منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ قبل أربعة أعوام، ليرد الحوثيون برشقة صاروخية استهدفت منشآت لشركة أرامكو في جازان بالسعودية.
خلفية التصعيد؟
أعلن الحوثيون الأسبوع الماضي، الذين يعلنون دعمهم لإيران ضد أمريكا وإسرائيل، فرض حصار بحري على السعودية في البحر الأحمر بعد استهداف مطار صنعاء، كما هاجموا ناقلتين سعوديتين.
وأثار الحصار البحري مخاوف من اضطرابات إضافية في أسواق الطاقة، بعدما أصبحت السعودية تعتمد بصورة أكبر على ميناء ينبع لتصدير النفط عقب إغلاق
إيران مضيق هرمز، بالتزامن مع تجاوز أسعار النفط 100 دولار للبرميل وارتفاع تكاليف التأمين على الشحن في جنوب البحر الأحمر.
اظهار أخبار متعلقة
ولربما كانت الشرارة الأولى لعودة التوتر انطلقت في 3 تموز/يوليو عقب منع الطائرة الإيرانية التابعة لشركة "ماهان" من الهبوط في مطار صنعاء ثم هبوطها في مطار الحديدة، حيث اتهمت الحكومة اليمنية وقوات التحالف بأنها كانت تنقل معدات وقياديين عسكريين إيرانيين إلى اليمن.
في المقابل، اتهم الحوثيون السعودية بمحاولة اعتراض طائرة مدنية قادمة من إيران ومنعها من الهبوط في مطار صنعاء، مهددين باستهداف المطارات والمنشآت الحيوية والاقتصادية السعودية إذا استمرت الرياض في منع تشغيل مطار صنعاء.
تسلسل زمني لانتهاء فترة خفض التوتر
وفي 13 تموز/يوليو، انتقل التوتر من التصريحات المتشنجة المتبادلة إلى تبادل للهجمات، بعدما أعلنت وزارة الدفاع اليمنية استهداف مدرج مطار صنعاء الدولي لمنع هبوط طائرة إيرانية جديدة.
وردا على ذلك، اتهم الحوثيون السعودية باستهداف المطار، وأعلنوا "انتهاء خفض التصعيد" القائم في البلاد منذ أعوام، معلنين قصف مطار أبها الدولي في السعودية بصواريخ باليستية ومسيّرات.
وعقب منع هبوط ثالث طائرة إيرانية في 18 تموز/يوليو، لوحت جماعة الحوثي بتصعيد خطواتها، وفق معادلة "الرد بالمثل"، لتنتقل إلى التنفيذ في 20 تموز/يوليو، معلنة فرض "حظر ملاحة بحرية" على السفن المرتبطة بالسعودية، ردا على ما وصفته بـ"الحصار" المفروض على اليمن.
وفي مؤشر على تعثر جهود الوساطة الأممية لخفض التصعيد، شهدت الفترة الممتدة ما بين 22 - 25 تموز/يوليو سلسلة هجمات شنها الحوثيون ضد ناقلات وسفن سعودية، أدى بعضها إلى اندلاع حرائق فيهما.
بلوغ الأزمة نقطة الذروة
ردا على إحراق الناقلات، أعلن التحالف العربي بقيادة السعودية السبت، تنفيذ غارات جوية استهدفت مواقع للحوثيين في محافظة الحديدة وجزيرة كمران، واصفا ضربات الحوثيين ضد السفن بـ"العمل الجبان والمتهور"، مشددا على أن ضرباته لم تستهدف ميناء الحديدة.
وقال المتحدث باسم قوات التحالف، تركي المالكي، إن الحوثيين ارتكبوا "عملاً جباناً ومتهوراً" باستهداف السفن التجارية في البحر الأحمر، معتبراً أن الهجوم يمثل "إرهاباً" بحرياً ضد أحد أهم الممرات الملاحية الدولية.
في المقابل، أعلن الحوثيون استهدافهم "أهدافاً حساسة" في منشآت لشركة أرامكو في جازان وينبع بالسعودية بعشرات الصواريخ الباليستية والمجنحة والمسيّرات.
وأكد الحوثيون أن عملياتهم تأتي رداً على الضربات السعودية الأخيرة، بينما شددت الرياض على أنها ستواصل حماية مصالحها وتأمين الممرات البحرية، في ظل مخاوف من انزلاق الأوضاع إلى مواجهة أوسع.
التحديات الجغرافية والدفاعية
تواجه المملكة العربية السعودية تحديات شديدة في الدفاع عن بنيتها التحتية الضخمة بسبب المساحة الشاسعة لأراضيها، وحجم شبكة الطاقة المنتشرة لديها، والهجمات الإلكترونية المتطورة التي تشنها جهات إقليمية.
ووفقاً لتحليل نشرته مجلة "شؤون الغد" - (
Tomorrow's Affairs) ومقرها لندن، فإن النطاق القاري للمملكة العربية السعودية يتطلب منظومة دفاع ضخمة لتوفير الحماية لأكثر من 2.15 مليون كيلومتر مربع.
ومنذ عام 2015، واجهت المملكة العربية السعودية ضغطاً مستمراً من الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهي هجمات تم تنسيق الجزء الأكبر منها بدعم من إيران من خلال شبكات بالوكالة، وأبرزها الحوثيون في اليمن والفصائل المسلحة في العراق.
الدفاع والردع ضمن النظام المرتفع
تعاقدت القوات الملكية السعودية للدفاع الجوي على دعم نظامها الدفاعي بمنظومات رصد للصواريخ والمسيرات التي تحلق على ارتفاعات عالية، ومنها نظام "ثاد" الأمريكي، وهو ما كان من المفترض به أن يوفر سقفاً استراتيجياً.
لكن ما تم تجاهله في كثير من الأحيان هو المستوى الأدنى، وهي الطبقة الدفاعية المصممة ليس للصواريخ الباليستية عالية الارتفاع، ولكن للصواريخ الجوالة منخفضة التحليق، والتهديدات التي تلتصق بالتضاريس، والطائرات بدون طيار ذات المقطع العرضي الراداري الصغير.
وبرزت هنا الطائرات المسيرة الهجومية أحادية الاتجاه منخفضة التكلفة، بما في ذلك الأنواع المصممة على غرار أنظمة "شاهد" الإيرانية، كتحدٍّ مختلف؛ فهي صغيرة وبطيئة وغير مكلفة، ومع ذلك يسهل إخفاؤها ونشرها من مواقع إطلاق مرتجلة أو قصيرة المدى.
ورغم أن رؤوسها الحربية متواضعة مقارنة برؤوس الصواريخ الباليستية، إلا أن قدرتها على الإخفاء هي نقطة قوتها، كما يمكن نقلها في مركبات مدنية، أو إطلاقها من تضاريس وعرة، أو إطلاقها في مجموعات متفرقة لتخفيف تركيز الرادار.
وأظهرت الهجمات الأخيرة على السعودية أن حتى الحمولات المحدودة يمكن أن تسبب اضطراباً كبيراً عند توجيهها ضد منشآت الطاقة القابلة للاشتعال، مثل المصافي ومحطات الضخ وحقول التخزين أو محطات التصدير.
لماذا تخشى السعودية الرد
في مقال للكاتب كرم نعمة حمل عنوان "لماذا تتسامح السعودية مع الحوثيين باعتبارهم خنجراً في خاصرتها؟"، قال فيه إن السؤال يبدو بسيطاً ظاهرياً، لكنه يكشف بوضوح عن الضعف البنيوي في طريقة تفكير الرياض بشأن أمنها القومي، وحدود قوتها، والوهم بإمكانية "إدارة" الأزمات بدلاً من حلها.
وأوضح خلال مقاله المنشور على موقع "
ميدل أيست مونيتور"، أن الأمر لا يتعلق بالحوثيين فحسب، بل بالسعودية نفسها، التي ما زالت ترضى باستمرار التهديد على حدودها الجنوبية، ومن الواضح أن الرياض تخشى الانزلاق إلى حرب لا تستطيع السيطرة عليها.
كما أنها ما تزال تراهن على الوقت والدبلوماسية، فيما تفتقر إلى رؤية حقيقية للحل، وكل ما يجري هو في صالح إيران والحوثيين، لا ضدهم، مع غياب خطة داخل اليمن وخارجه يمكن إقناع جماعة أنصار الله بالتخلي عن أجندتهم والركون للمفاوضات.
أين دور أمريكا في حماية السعودية؟
تشهد العلاقات السعودية الأمريكية مرحلة من "التوتر غير المسبوق" منذ سنوات، مدفوعةً بتداعيات الحرب على إيران، رغم ما يطرأ بين الحين والآخر بشأن إبرام اتفاقيات وصفقات بينهما.
بدأت المؤشرات على "تراجع الثقة" المتبادلة بين واشنطن والرياض بالظهور، عقب إعلان الولايات المتحدة دراسة "تقليص وجودها العسكري في المملكة"، وفق ما أوردته جزئياً صحيفة "وول ستريت جورنال".
وبحسب صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، فإن رفض السعودية خلال المرحلة الأولى من الحرب منح الولايات المتحدة إذناً باستخدام قواعدها العسكرية وأجوائها لتنفيذ الهجمات ضد إيران، أغاض الرئيس الأمريكي ترامب وأغضبه.
اظهار أخبار متعلقة
وبحسب مسؤولين أمريكيين وعرب، فقد عبّر البيت الأبيض عن غضبه من الموقف السعودي، وهدد بتأخير تسليم منظومات دفاع جوي كانت الرياض تعتمد عليها لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.
ورغم تراجع السعودية لاحقاً وإعلانها إعادة التعاون، غير أن تداعيات الخلاف بقيت قائمة وأثرت بعمق على مستوى الثقة بين الجانبين، كما يتجلى ذلك خلال الاتفاق النووي السعودي الأمريكي الذي تم ربطه بشرط تطبيع الرياض مع تل أبيب.
بدورهم، يرى مراقبون أن استمرار تساقط الصواريخ الإيرانية على السعودية يصب في صالح الولايات المتحدة، حيث تواصل شركاتها إبرام
صفقات بيع الأسلحة الدفاعية للمملكة وآخرها تلك التي بلغت نحو 1,96 مليار دولار.