لماذا المغرب؟.. دلالات إعلان الاحتلال استضافة الرباط تدريبات "قوة غزة"

أعاد المغرب تطبيع علاقاته مع الاحتلال الإسرائيلي نهاية 2020- جيتي
أعاد المغرب تطبيع علاقاته مع الاحتلال الإسرائيلي نهاية 2020- جيتي
شارك الخبر
كشفت هيئة البث الإسرائيلية الرسمية، الثلاثاء، أن المغرب سيستضيف خلال الأسابيع المقبلة أول تدريب تأسيسي للقوة متعددة الجنسيات المزمع نشرها في قطاع غزة، في خطوة - إن صحّت الرواية العبرية- تمنح الرباط دوراً يتجاوز المشاركة بعدد محدود من الجنود إلى المساهمة في إعداد القوة التي ستتولى مهام أمنية خلال المرحلة الانتقالية في القطاع.

وبحسب موقع القناة الإسرائيلية، وصل خلال الأيام الماضية إلى العاصمة المغربية الرباط ممثلون عن القيادة الأمريكية الموجودة في كريات غات (جنوب فلسطين المحتلة)، حيث يشاركون في التخطيط للتدريب الأول للقوة بالتعاون مع ممثلين عن الجيش المغربي.

ووفقا للقناة، فإن التدريبات ستشمل، تدريبات إطلاق النار، واللياقة البدنية، وبرامج تأهيل أخرى، مشيرة إلى أن الجنود المغاربة سينضمون إلى عناصر من دول أخرى مشاركة في القوة، بينها كوسوفو وكازاخستان وألبانيا.

ونقلت القناة عن مصادر في "مجلس السلام" أن المغرب يستعد لإرسال نحو 500 جندي إلى قطاع غزة ضمن القوة متعددة الجنسيات، لكنها أشارت إلى أن الدور المغربي لا يقتصر على المشاركة الميدانية، إذ سيكون للرباط "دور مهم جداً في الخطط المستقبلية للقطاع"، كونها ستكون مسؤولة عن تدريب آلاف الجنود الذين سيعملون فيه.

لماذا المغرب؟


لا يأتي اختيار الرباط عشوائيا بحسب وسائل إعلام إسرائيلية، بل بمجموعة من الاعتبارات السياسية والأمنية التي جعلت المغرب مختلفاً عن دول أخرى طُرحت أسماؤها في سياق مرحلة ما بعد الحرب.

أبرز هذه العوامل هو مستوى التعاون الأمني الذي تطور بين المغرب والاحتلال خلال السنوات الأخيرة.

فبعد إعلان استئناف العلاقات بين الطرفين نهاية عام 2020، وقع المغرب و"إسرائيل" في نوفمبر/تشرين الثاني 2021 مذكرة تفاهم دفاعية شكلت إطاراً للتعاون بين وزارتي الدفاع المغربية والحرب الإسرائيلية، وشملت تبادل الخبرات، والتعاون العسكري، والصناعات الدفاعية، والتكنولوجيا الأمنية.

كما سبق ذلك توقيع اتفاق للتعاون في مجال الأمن السيبراني عام 2021، قبل أن يتوسع التعاون في مجالات التسليح، والطائرات المسيّرة، والأنظمة الدفاعية.

في المقابل، يحتفظ المغرب بموقع خاص في الملف الفلسطيني؛ فهو يرأس لجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، ويقدم نفسه تاريخياً باعتباره داعماً للقضية الفلسطينية، ما يمنحه، من وجهة نظر واشنطن، غطاء عربياً للمشاركة في ترتيبات غزة.

ولم يصدر حتى الآن إعلان مغربي تفصيلي بشأن طبيعة المشاركة أو حجم القوات، فيما يرتبط الموقف الرسمي المغربي، باستثناء الإعلان الرسمي عن توقيع اتفاقية مع نيكولاي ملادينوف قائد مجلس السلام في غزة.

خبرة طويلة

ولا يعتمد اختيار المغرب فقط على علاقاته مع الاحتلال، إذ تستند الرباط أيضاً إلى خبرة طويلة في المشاركة ضمن بعثات حفظ السلام الدولية.

ويشير خبراء مغاربة إلى أن القوات المغربية شاركت لعقود في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وهو ما يمنحها خبرة في العمل ضمن بيئات متعددة الجنسيات، والتعامل مع مهام تتراوح بين حفظ الأمن ودعم الاستقرار.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الأمني والاستراتيجي عبد الحق صنايبي، في تصريحات نقلتها قناة "فرانس 24"، أن المغرب لا يحمل أجندات توسعية أو اقتصادية أو أيديولوجية في الأراضي الفلسطينية، معتبراً أن هذا الأمر يجعله طرفاً يحظى بقبول لدى أطراف مختلفة.

وأشار صنايبي إلى أن المغرب يحتل موقعاً متقدماً بين الدول المشاركة في عمليات دعم السلام، وأن لديه خبرة في تكوين عناصر أمنية للعمل ضمن مؤسسات غير فصائلية، وهو ما قد ينسجم مع التصورات المطروحة بشأن المرحلة المقبلة في غزة.

اظهار أخبار متعلقة



"الثقة" بالمغرب عامل أساسي

وفي قراءة إسرائيلية لاختيار المغرب، ركز الباحث المغربي أمين أيوب، الزميل في منتدى الشرق الأوسط المؤيد لتل أبيب، في مقال نشره موقع "يديعوت" الإسرائيلي، على ما وصفه بـ"عنصر الثقة" الذي تتمتع به الرباط لدى تل أبيب.

وقال أيوب إن المغرب يمثل، وفق تقديره، حالة مختلفة عن دول أخرى، بسبب الجمع بين العلاقة الأمنية مع إسرائيل والغطاء الديني والسياسي الذي يمثله الملك محمد السادس بصفته "أمير المؤمنين".

وأضاف أن الضباط المغاربة باتوا "وجوهاً مألوفة" للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، معتبراً أن الرباط لا تملك القنوات نفسها التي تربط بعض الدول الأخرى بحركة حماس، وهو ما يجعلها، من وجهة نظره، خياراً أكثر قبولاً إسرائيلياً.

وزعم الباحث المغربي أن دور المغرب قد يتجاوز إرسال القوات، ليشمل المشاركة في برامج مرتبطة بما وصفه بـ"مكافحة التطرف"، مستنداً إلى خبرة المملكة خلال العقدين الماضيين في التعامل مع الجماعات المتشددة داخل البلاد وفي منطقة الساحل.

مهام القوة المغربية

في المقابل، لم يخلُ النقاش داخل الأوساط المغربية من تحفظات بشأن طبيعة الدور المنتظر وحدوده، خصوصاً في ظل غموض المهمة السياسية للقوة الدولية.

وقال الخبير في إدارة الأزمات البراق شادي عبد السلام، في تصريحات لموقع "هسبريس"، إن قرار مشاركة القوات المسلحة الملكية يبقى من الصلاحيات الدستورية الحصرية للملك محمد السادس بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، لكنه شدد على ضرورة أن يكون الدور المغربي مرتبطاً بالثوابت الوطنية.

ورأى عبد السلام أن المشاركة المغربية ينبغي أن تركز على الجانب الإنساني، وتأمين المساعدات، ودعم الاستقرار، وليس الانخراط في عمليات عسكرية تستهدف الفصائل الفلسطينية أو تكون جزءاً من مواجهة داخلية في القطاع.

أما المحلل السياسي سعيد بركنان، فقال في تصريحات سابقة نهاية العام الماضي لـ"هسبريس"، إن غموض طبيعة المهمة يثير تساؤلات حول هدف القوة، وما إذا كانت ستعمل على حماية الفلسطينيين وإدارة مرحلة انتقالية، أم ستكون جزءاً من ترتيبات أمنية تستهدف تنفيذ رؤية أمريكية إسرائيلية بشأن مستقبل القطاع.

الموقف الشعبي المغربي


ولا يمكن قراءة الدور المغربي في ترتيبات غزة بمعزل عن المزاج الشعبي داخل المملكة، الذي شهد منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع في تشرين الأول/أكتوبر 2023 تصاعداً واضحاً في الاحتجاجات الرافضة للعدوان والداعية إلى وقف الحرب.

فقد عادت مظاهرات واسعة إلى الشوارع المغربية، ورفعت قوى سياسية ومدنية مطالب بوقف العلاقات مع إسرائيل، معتبرة أن استمرار مسار التطبيع لا ينسجم مع الموقف الشعبي الداعم للفلسطينيين، خصوصاً مع حجم الدمار والضحايا في قطاع غزة.

وكان ملف العلاقات المغربية الإسرائيلية من أكثر الملفات حساسية داخلياً منذ استئناف العلاقات عام 2020؛ إذ رحبت به المؤسسات الرسمية باعتباره جزءاً من مقاربة دبلوماسية أوسع، بينما واجهته قطاعات شعبية واسعة بالرفض، قبل أن تتضاعف الانتقادات خلال الحرب على غزة.

ما هي قوة "مجلس السلام"؟ 

تأتي القوة متعددة الجنسيات في إطار ترتيبات أوسع يشرف عليها "مجلس السلام" الذي طرحته إدارة الرئيس دونالد ترامب كجهة دولية تتولى الإشراف على المرحلة الانتقالية في قطاع غزة بعد الحرب.

وبحسب التصورات الأميركية المعلنة، يهدف المجلس إلى إدارة ملفات إعادة الإعمار، ودعم تشكيل ترتيبات أمنية جديدة في القطاع، والإشراف على عمل القوة متعددة الجنسيات التي ستتولى مهام حفظ الاستقرار خلال المرحلة الانتقالية.

ويرأس ترامب المجلس، الذي يقدمه باعتباره إطاراً دولياً يضم دولاً مشاركة في إعادة تنظيم الوضع في غزة، فيما يرتبط عمله برؤية أوسع لما تسميه الإدارة الأمريكية "اليوم التالي للحرب"، والتي تشمل إعادة إعمار القطاع، وترتيبات الحكم والأمن، ومنع عودة المواجهات المسلحة، ونزع سلاح المقاومة.

لكن طبيعة دور المجلس أثارت جدلاً واسعاً، خصوصاً مع غموض شكل العلاقة بينه وبين المؤسسات الفلسطينية القائمة، وطبيعة الصلاحيات التي ستمنح للقوة الدولية، وما إذا كانت ستقتصر على حفظ الأمن ودعم المرحلة الانتقالية، أم ستشارك في إعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني في غزة.

ورفضت دول عربية المشاركة في هذه القوة، حيث أعلن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في تشرين أول/ أكتوبر 2025، أن بلاده لن تشارك بها، وأن مهمة هذه القوات يجب أن تكون "حفظ السلام" وليس "فرضه".
التعليقات (0)