ما دلالات تظاهر مئات الغاضبين أمام مركز شرطة مصري؟

السلطات لا تسمح بتنظيم أي تظاهرات منذ الانقلاب- الأناضول
السلطات لا تسمح بتنظيم أي تظاهرات منذ الانقلاب- الأناضول
شارك الخبر
تطورات متلاحقة يشهدها الشارع المصري دفعت مراقبين للحديث عن احتمال تحول حالة الغضب الشعبي بفعل الكثير من الأزمات إلى غضب غير محسوب ينتج عنه حراك بمواجهة رئيس النظام الحالي عبدالفتاح السيسي، الذي تنتهي ولايته الرئاسية 2030، وسط دعوات مؤيديه بتعديل دستوري يمنحه مدد حكم جديدة.

وفي تحد غاب عن الشارع المصري لأكثر من عقد، تجمهر المئات من أهالي مركز دسوق بمحافظة كفر الشيخ، الجمعة الماضية، أمام مركز شرطة المدينة للمطالبة بالقصاص للشاب "فارس عبده خميس" (28 عاما) الذي قُتل 11 تموز/يوليو الجاري في مشاجرة مع القاتل إثر خلاف مالي.

التجمهر الذي لم يحدث طوال سنوات إزاء انتهاكات شرطية متتابعة بحق مسجونين سياسيين وجنائيين تم تصفيتهم أو قتلوا تحت التعذيب أو لسوء أوضاع الاحتجاز؛ قوبل باعتداء فردي من أحد أفراد الأمن على بعض المشاركين مع توقيف عدد من أهالي القتيل المتظاهرين، ما أحدث تفاعلا واسعا خاصة وأن الحشد الغاضب جاء رغم أن وزارة الداخلية أعلنت القبض على القاتل.

اظهار أخبار متعلقة


وعبر مواقع التواصل تناقل مصريون المقطع المصور مؤكدين أن تجرأ حشد كبير من الأهالي وأغلبهم من النساء والشباب بالتجمهر أمام مركز شرطة، وسط هتافات بالقصاص واستعادة حق القتيل، يعد سابقة، تعيد لذاكرة المصريين مثل تلك المواقف خلال ثورة 25 يناير 2011، وما تلا الانقلاب العسكري عام 2013 من تظاهرات.

وقائع متتابعة

وسبق واقعة دسوق، تظاهر عاملات إدارة التقاوي بوزارة الزراعة 6 تموز/يوليو الجاري، والذين لم يحصل نحو 3700 منهم على رواتبهم منذ 5 سنوات لعدم وجود مخصصات مالية، ما دفعهم للتجمع من كل المحافظات أمام مقر الوزارة بالجيزة مرددين هتافات تطالب بحقوقهم وتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة لصالحهم، ما قوبل بتوقيف أمني لـ6 متظاهرين، بقي عامل وعاملة رهن الاحتجاز حتى كتابة هذه السطور.

وفي ذات الإطار، دخل نحو 600 من عمال وعاملات شركة "سمنود للنسيج والوبريات" بمحافظة الغربية في إضراب عن العمل، احتجاجا على توقف خدمات التأمين الصحي رغم استمرار استقطاع اشتراكات التأمين من رواتبهم منذ مطلع العام الجاري، بحسب رصد "لجنة العدالة"، الجمعة الماضية.

في سياق، يشير إلى تغيرات في الشارع المصري وجرأة من المصريين بمواجهة أجهزة الدولة الأمنية، قام باعة جائلون بمدينة رأس البر الساحلية السياحية على البحر المتوسط الخميس الماضي، بالاعتداء بالضرب على نائب رئيس مجلس المدينة ما أحدث به كسرا بالأنف، ردا على حملة للبلدية صادرت ما لدى الباعة من بضائع.

وفي المقابل، كشف مقطع متداول لرئيس مدينة طوخ بمحافظة القليوبية، ضمن حملة للبلدية بشارع بورسعيد بالمدينة وهو يضرب أقفاص الفاكهة لأحد الباعة الجائلين، ما فجر غضبا واسعا من سوء تعامل الإدارات المحلية مع المصريين.

وتسببت ضغوط السلطات المصرية على الفقراء في ملف المباني المخالفة في تطور خطير، شهدته إحدى قرى محافظة كفر الشيخ، 28 حزيران/يونيو الماضي، وبينما تقوم سلطات مركز الحامول بتنفيذ قرار إزالة أحد المباني المخالفة؛ قام شاب بسكب البنزين على رئيسة قرية تفتيش أبوسكين حكمت الباز، ليتم نقلها للمستشفى بحروق من الدرجة الثانية.

وأثارت واقعة هدم الجهات التنفيذية لمقابر قرية عودة سالم التابعة لمركز ديرب نجم بمحافظة الشرقية 6 تموز/يوليو الجاري، حالة واسعة من الاستياء خاصة مع اختلاط رفات وجثامين العائلات، في مشهد صادم يمس حرمة الموتى ومشاعر ذويهم، وفق بيان لحزب "الكرامة".

الافتتاح الأسطوري وإجراءات قاسية

وهي الوقائع التي يرى فيها متحدثون لـ"عربي21"، نموذجا مصغرا من الصراع المتوقع نشوبه بأي لحظة بين مصريين غاضبين لأسباب مختلفة، بمواجهة السلطات متمثلة في قوات الأمن والإدارات المحلية، مؤكدين أن تلك المشاهد تكسر مع الوقت حالة الخوف والفزع الأمني لدى الشعب، موضحين أن الضغوط الحكومية والأمنية حتما ستقود إلى تكرار مشهد 25 يناير 2011، الذي يحذر من تكراراه، رأس النظام بكل خطاب.

وتأتي تلك الأحداث بالتزامن مع افتتاح رئيس النظام لمبنى قيادة الدولة الإستراتيجية وقيادة وزارة الدفاع "الأوكتاغون" في العاصمة الإدارية الجديدة، 4 تموز/يوليو الجاري، ما أثار انتقادات مصريين قالوا إن تلك المشروعات المليارية جاءت على حساب البنية التحتية لباقي الجمهورية وأكلت من موازنة الدولة وحقوق الفقراء.

ولم تمر أيام من الافتتاح الأسطوري، حتى تفجرت عشرات القضايا الشعبية والتي دفعت بمواطنين إلى افتراش الأرض في المحلة الكبرى، أو الخضوع الصامت لقرارات نزع الملكية في المريوطية، أو إجراءات الترحيل العسكرية عنوة لأقرب محيط بدوي قريب من قطاع غزة.

وبعد يومين من افتتاح "الأوكتاغون"، وفي اليوم الذي أُعلن فيه عن تدشين أكبر شركة في العالم للغزل والنسيج بمدينة المحلة الكبرى، افترشت مئات الأسر من العاملين السابقين بغزل المحلة شوارع المدينة الصناعية أمام الصرح الصناعي العملاق بعد طرد السلطات لهم من مساكنهم لهدمها ضمن خطط التخصيص.

ويشكو أصحاب الأراضي المجاورة للطريق الدائري والأوسطي، من نزع وزارة النقل 191 فدانا من أراضيهم عنوة وبتعويض بخس، بعد قرار حكومي بنزع ملكية كل الأراضي المطلة على طريق المريوطية من الدائري وحتى الأوسطي، لعمل توسعة، وفق ما نقلته صفحة "ديوان العمران"، 3 تموز/يوليو الجاري.

تلك الإجراءات طالت أهالي شمال سيناء الشهر الماضي، بصدور أوامر عسكرية بترحيل قريتي المقاطعة والخرافين، في رفح والشيخ زويد والتجمعات السكنية والبدوية المجاورة لهما وذلك بعد عودتهم لأراضيهم ومساكنهم إثر ترحيلات سابقة لعمل مناطق عازل مع قطاع غزة.

فقر ومعاناة وغياب حكومي


ويعاني أكثر من 109 ملايين مصري يقيمون في الداخل، مع ارتفاع لا يتوقف بأسعار جميع السلع الغذائية والأدوية والوقود والكهرباء والمياه والاتصالات وتعريفة الركوب وباقي الخدمات، وفقدان العملة المحلية قيمتها وتراجع قدرتها الشرائية، وزيادة معدلات الفقر والبطالة.

تلك المعاناة دفعت بعض الفقراء إلى بيع أطفالهم، وفق ما كشفه تحقيق استقصائي نشره موقع "فكر تاني"، الأسبوع الماضي، عن سوق سرية يتولى إدارتها سماسرة يربطون بين أسر دفعتها الظروف الاقتصادية إلى عرض أطفالها للبيع وبين أخرى تبحث عن طفل بأي وسيلة.

ويشكو مصريون من تردي الخدمات الحكومية والإهمال الذي يودي بالحياة، في وقائع متكررة كان آخرها الأسبوع الماضي بمقتل 5 من أسرة واحدة إثر حريق مروع بمنطقة العمرانية بمحافظة الجيزة، 9 تموز/يوليو الجاري، وبسبب تأخر وصول "سلم المطافئ" المخصص للأدوار المرتفعة اضطرت الأم للقفز من شرفة الدور السابع لإنقاذ طفليها مما أدى لوفاتهم.

المشهد المأساوي أرجعه مصريون لسوء أنظمة الحماية المدنية وتردي البنية التحتية المخصصة للإطفاء بجانب الفشل الإداري بمواجهة الأزمات، خاصة مع أزمة نقص نقاط الإطفاء، حيث يوجد مركز واحد لكل 111 كم² من المساحة المأهولة بالسكان، مقارنة بمتوسط عالمي نقطة إطفاء لكل 19 كم².

وفي ذات السياق، تتواصل معاناة المصريين بسبب غياب الحكومة عن الكثير من أزماتهم وبينها ما يعانيه قطاع كبير من الريف والصعيد من انتشار الثعابين بسبب موجات الحر الشديد بالصيف الحالي، ومقتل العشرات من لدغات سامة لا تجد أمصالا إلا في عدد محدود من المستشفيات الحكومية، بحسب شكاوى مصريين عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

اظهار أخبار متعلقة



وفي المقابل، يعج الشارع المصري بجرائم البلطجة والسرقة والخطف وترويج المخدرات وسط تجاهل أمني لتلك الظواهر واهتمام الأجهزة الأمنية بالأمن السياسي على حساب الأمن الجنائي، بحسب قول مصريين تغضبهم تلك الجرائم، في حديثهم لـ"عربي21".

وفي قراءته لهذا المشهد، قال السياسي المصري يحيى موسى: "كل الشواهد تؤكد أن معدلات الغضب والاحتقان بالشارع المصري أصبحت مرتفعة، وفي النهاية حين يجتمع على الشعب المصري والشاب غياب الوسائل الطبيعية للتعبير عن الرأي والاحتجاج السلمي وحق التصويت واختيار من يدير ويحكم، ومن جهة أخرى كل ممارسات السلطة الحالية تُظهر الفشل بكل المستويات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والسياسية، وغياب حد أدنى للخدمات الرئيسية من صحة وتعليم وعلاج وزواج وغيرها؛ لا يبقى أمام الناس إلا الانفجار".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أوضح أن "الانفجار في ظل وجود قبضة أمنية وسوط أمني مسلط على الرقاب للأسف الشديد يكون في البداية داخلي ينعكس على سلوك الناس بالعنف المفرط في حوادث الاعتداء والبلطجة والسرقة وتحول المشاجرات البسيطة إلى فعل دموي بسبب حالة الاحتقان عند الناس فيضطرون لتفريغها بمثل هذه الأمور".

واستدرك: "إلا أن هذا الأمر مع الوقت يخلق وعيا لدى الناس بأن المتسبب في كل هذه المظالم والغضب المكبوت هي السلطة وليس بعضهم البعض، مثل تجمهر قسم شرطة دسوق أو حادثة رأس البر وغيرها من الحوادث التي تعطينا مؤشرات أن مستوى الغضب المكتوم في صدور الناس أصبح مرتفعا وينتظر الفرصة".

وتابع: "إلا أن هذا الغضب حقيقة لا يصنع تغييرا أو يبدل المشهد؛ وهنا يجب ظهور دور السياسيين في صياغة رؤية أو خارطة طريق لتوجيه هذا الغضب في طريقه الصحيح في اتجاه السلطة وليس في اتجاه الناس وبعضهم البعض وترجمة هذا الغضب إلى فعل سياسي وبالتالي تصبح هذه مكتسبات في طريق التغيير".

يرى موسى، أن "الأوضاع مختلفة كثيرا حيث مر 15 عاما حدثت بها تغييرات كبيرة على مستوى السلطة وأدواتها وتعاملها، وعلى سبيل المثال السيسي صرح بأنه اتجه لبناء (الأوكتاغون) لمنع الناس من التجمهر وحصار مؤسسات الدولة، السيسي والسلطة تعلما من دروس يناير ويخططان بألا تتكرر".

وأكد أنه "في المقابل على القوى السياسية والشعبية والجماهيرية أيضا التعلم من دروس يناير، لا لتكررها أو تصنع منها نموذج معدل ولكن لصياغة نموذج مناسب للواقع الحالي فكثير من الأمور تغيرت على مستوى الجيل الجديد والوسائل والأدوات التكنولوجية وأدوات الاحتجاج".

ولفت إلى أنه "يجب قراءة المشهد والتغيرات الاجتماعية والنفسية والفكرية التي طرأت على الشعب والشباب؛ فلاشك أننا أمام جيل مختلف ربما يكون أكثر شراسة، وهناك حالة من (التوحش) أصبحت موجودة، المتسبب فيها السلطة أيضا بتطبيعها مع مشاهد الأشلاء والدماء في بداية مشهد الانقلاب العسكري 2013".

وبين أن "كل هذه أمور بعضها إيجابي وبعضها سلبي يجب وضعها في الاعتبار والتحسب لها بشكل جيد للوصول إلى التغيير ولذلك أرى أن تكرار مشهد يناير غير وارد على مستوى التفاصيل ولكن على مستوى حدوث انفجار شعبي غير مرتب أو غير محسوب وارد حدوثه".
التعليقات (0)