هل تسعى الدولة العميقة في بريطانيا لإسقاط زعيم اليمين الشعبوي؟

تحقيقات وتمويلات واستقالة من البرلمان.. ماذا يجري مع نايجل فاراج؟ - جيتي
تحقيقات وتمويلات واستقالة من البرلمان.. ماذا يجري مع نايجل فاراج؟ - جيتي
شارك الخبر
من صورة آيار/مايو الشهيرة التي ظهر فيها واثقاً، يضع قدميه على كرسي وخلفه أنصاره يحتفون بـ"القائد المنتصر" بعد الاكتساح الكبير لحزب الإصلاح  "Reform Uk " في الانتخابات المحلية البريطانية، إلى مشهد مختلف تماماً؛ سياسي يلاحقه سيل من التحقيقات والاتهامات، ويتجنب عدسات الكاميرات، بينما تتصدر أخباره عناوين الصحف يوماً بعد يوم. هكذا تبدلت صورة نايجل فاراج، أحد أبرز وجوه اليمين الشعبوي في بريطانيا، خلال أشهر قليلة.

فاراج، مهندس حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، والرجل الذي تصفه بعض الأوساط الإعلامية بـ"حليف دونالد ترامب في لندن"، وجد نفسه في قلب عاصفة سياسية وقانونية دفعت به إلى الاستقالة من عضوية البرلمان، في محاولة لاحتواء تداعيات التحقيقات المتعلقة بتمويلات تلقاها حزبه.

وفي الوقت نفسه، تتصاعد التساؤلات حول ما إذا كانت هذه التحقيقات تعكس مجرد تطبيق للقانون، أم أنها جزء من حملة سياسية تستهدف إضعاف الرجل قبل أن يقترب من عتبة 10 داونينغ ستريت، مقر رئاسة الحكومة البريطانية.

وأثارت وتيرة القضايا التي تلاحق فاراج تكهنات لدى مؤيديه بوجود محاولة لإسقاطه سياسياً قبل أي استحقاق انتخابي مقبل. وتشمل هذه القضايا تحقيقات في تبرع بقيمة خمسة ملايين جنيه إسترليني تلقاه من رجل الأعمال البريطاني المقيم في تايلاند كريستوفر هاربورن، إضافة إلى تحقيق جنائي بشأن تبرعات لا تقل عن 500 ألف جنيه إسترليني.

وفي السياق نفسه، كشفت صحيفة "صنداي تايمز" أن فاراج تلقى دعماً مالياً لم يُعلن عنه من جورج سوينفن كوتريل، المعروف بلقب "جورج الأنيق"، وهو شخصية تنحدر من عائلة أرستقراطية بريطانية، وأُدين سابقاً في الولايات المتحدة في قضية احتيال مرتبطة بالمقامرة في العملات الرقمية. ورغم أنه لا يشغل أي منصب رسمي في حزب الاصلاح، فإن كوتريل يُعد من أقرب مستشاري فاراج منذ أكثر من عقد، ويرافقه باستمرار في تحركاته السياسية داخل البرلمان وخارجه.

اظهار أخبار متعلقة



الدولة العميقة ضد فاراج؟

سلسلة من الفضائح المتتالية  لم يكن آخرها  تقدم مصرفيون بريطانيون بشكاوى للوكالة الوطنية للجريمة للتحقيق في تحويلات مالية يقولون أنها مشبوهة، تخص فاراج وعدد من قيادات حزبه، إضافة لاستمرار التسريبات التي تصل للإعلام من مصادر مجهولة دفعت بعض أنصار فاراج لاتهام الدولة العميقة بالوقوف خلف تلك التسريبات.

 وزعم ناظم زهاوي عضو حزب الإصلاح والوزير السابق في حكومة المحافظين أن الدولة العميقة تقف خلف التسريبات والفضائح التي تلاحق فراج في محاولة من المؤسسات الحكومية لإسقاطه، معتبراً أن ذلك يعود إلى ما وصفه بأنه "تهديد للوضع الراهن" الذي يمثله فاراج على الساحة السياسية.

وقال الزهاوي إن المعلومات التي جرى تداولها بشأن فاراج لا يمكن أن تكون قد خرجت إلا عبر تسريبات من داخل مؤسسات الدولة، داعياً إلى فتح تحقيق في مصدرها ومحاسبة المسؤولين عنها، إذا ثبتت صحتها.

ولم يقدم الزهاوي أدلة علنية تثبت مزاعمه، كما لم تصدر الحكومة البريطانية أو الجهات المعنية تعليقاً رسمياً على هذه الادعاءات حتى الآن.


تحقيق جديد وفصول في ملاحقة فاراج

وفي أحدث فصول الضغوط التي تطارد نايجل فاراج، كشف غابرييل بوغروند، مدير التحقيقات في صحيفة "صنداي تايمز"، عبر حسابه على منصة "إكس"، أن شرطة العاصمة البريطانية "سكوتلاند يارد "فتحت تحقيقاً جنائياً جديداً يتعلق بتمويل حزب ريفورم المملكة المتحدة الذي يقوده فاراج.

وذكرت "صنداي تايمز" في تقرير نشرته السبت الماضي أن شرطة العاصمة تحقق في تبرعات لا تقل قيمتها عن 500 ألف جنيه إسترليني قُدمت للحزب قبل الانتخابات العامة الأخيرة، ويُعتقد أنها جاءت من والدة جورج كوتريل، أحد المقربين من فاراج ومستشاريه.


وبحسب الصحيفة، استجوب المحققون شخصين تحت التحذير القانوني (Interview Under Caution)، للاشتباه في ضلوعهما في إخفاء المصدر الحقيقي للأموال أو تقديم بيانات غير صحيحة بشأن مصدرها، في إطار التحقيق في مدى الالتزام بقوانين تمويل الأحزاب السياسية في المملكة المتحدة.

ولم تُوجَّه حتى الآن أي اتهامات جنائية في القضية، فيما تواصل الشرطة تحقيقاتها لتحديد ما إذا كانت التبرعات قد استوفت المتطلبات القانونية المنظمة للتمويل السياسي.

ويأتي هذا التحقيق بعد سلسلة من الاتهامات التي طالت فاراج وحزبه خلال الأسابيع الأخيرة، من بينها التدقيق في تبرعات أخرى بملايين الجنيهات، ما زاد من الضغوط السياسية والإعلامية على زعيم اليمين الشعبوي .


Image1_720261010401226694234.jpg
وتُعد هذه التحقيقات الجنائية جزءاً من سلسلة من التحقيقات البرلمانية والقضائية التي باتت تلاحق نايجل فاراج خلال الأشهر الأخيرة. وبدأت القصة عندما فتح مفوض المعايير البرلمانية تحقيقاً بشأن عدم إفصاح فاراج عن هدية مالية تبلغ قيمتها خمسة ملايين جنيه إسترليني تلقاها من رجل الأعمال ومستثمر العملات الرقمية البريطاني كريستوفر هاربورن، المقيم في تايلاند، قبل دخوله مجلس العموم عقب انتخابات عام 2024.

ولا يحظر القانون البريطاني على أعضاء البرلمان تلقي الهدايا أو التبرعات، لكنه يُلزمهم بالإفصاح عنها وفق قواعد السجل البرلماني للمصالح المالية، بهدف ضمان الشفافية ومنع تضارب المصالح. ويتركز التحقيق على ما إذا كان فاراج قد خالف هذه القواعد بعدم تسجيل الهدية خلال المدة القانونية المحددة.

اظهار أخبار متعلقة



منزل ب 1.4 مليون جنيه استريلني كاش

وتعود جذور التحقيقات والملاحقات إلى تقارير إعلامية أفادت بأن فاراج اشترى منزلاً بقيمة 1.4 مليون جنيه إسترليني نقداً بعد فترة وجيزة من تلقيه هدية مالية ب 5 ملايين جنيه استرليني، ما أثار تساؤلات بشأن مصدر الأموال وما إذا كان يتعين عليه الإفصاح عنها في سجل المصالح المالية لأعضاء البرلمان.

من جانبه، نفى فاراج ارتكاب أي مخالفة، مؤكداً أن الأموال لم تكن مرتبطة بأنشطته السياسية أو بحملته الانتخابية، وإنما مُنحت له "دون أي شروط" تقديراً لدوره في قيادة حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) على مدى 27 عاماً.

مصرفيون ضد فراج  

وفي تطور جديد، أفادت صحيفة "الغارديان" البريطانية بأن عدداً من المصرفيين تقدموا بتقارير إلى السلطات المختصة بشأن معاملات مالية مرتبطة بقيادات حزب الإصلاح ،في خطوة غير معتادة زادت من الضغوط على الحزب وزعيمه نايجل فاراج.

ووفقاً لتحقيق الصحيفة، قدمت مؤسسات مالية ما لا يقل عن أربعة تقارير عن أنشطة مشبوهة (Suspicious Activity  Reports - SARs) تتعلق بمعاملات بملايين الجنيهات الإسترلينية. وأضافت أن المصرفيين، رغم تلقيهم تفسيرات بشأن مصدر الأموال والغرض منها، رأوا أن واجبهم القانوني يقتضي إحالة التقارير إلى السلطات المختصة لمراجعتها.

وأشار التحقيق إلى أن أحد هذه التقارير يتعلق بتبرع بقيمة مليون جنيه إسترليني قُدم إلى منظمة (Britain Means Business)، وهي منظمة تُستخدم في دعم تمويل حزب الإصلاح  قبل الانتخابات العامة الأخيرة. وذكرت الصحيفة أن نصف قيمة التبرع حُوّل لاحقاً إلى الحزب بواسطة ريتشارد تايس، بصفته مديراً للمنظمة.

وأضافت "الغارديان" أن مصادر مصرفية أفادت بأن موظفي البنك لم يقتنعوا بأن المصدر النهائي للأموال يعود إلى المتبرعة المُعلنة، وهو ما دفع الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة (NCA) إلى طلب مساعدة جهة أجنبية لتتبع المصدر الأصلي للأموال.

الاستقالة تحت ضغط الرأي العام

ولم تُنهِ تبريرات فاراج الجدل الدائر حول القضية، إذ استمرت وسائل إعلام بريطانية في طرح تساؤلات بشأن مصادر بعض التمويلات وعلاقاته المالية، بالتزامن مع استمرار التحقيقات البرلمانية والجنائية ذات الصلة.

وفي السابع من تموز/يوليو، أعلن فاراج استقالته من عضوية البرلمان عن دائرة كلاكتون، معتبراً أن الانتخابات الفرعية التي ستليها ستكون "معركة بين الشعب والمؤسسة". وقال إن قراره يهدف إلى تجديد شرعيته السياسية وإعادة الاحتكام إلى الناخبين.

ورغم أن بعض المراقبين رأوا أن الاستقالة قد تنهي التحقيق الذي كان يجريه مفوض المعايير البرلمانية، باعتبار أن اختصاصه يرتبط بعضوية مجلس العموم، فإن الاستقالة لم تضع حداً للضغوط القانونية والإعلامية.

اظهار أخبار متعلقة



محاولات للفرار من العدالة

واتهم زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار، السير إد ديفي، نايجل فاراج بـ"الهروب من العدالة"، عقب استقالته من عضوية البرلمان عن دائرة كلاكتون-أون-سي.

وفي تصريحات لشبكة "GB News"، قال ديفي إن فاراج "يجب أن يواجه التدقيق والمساءلة"، منتقداً قراره الاستقالة في وقت يخضع فيه لتحقيق تجريه لجنة المعايير البرلمانية بشأن مزاعم تتعلق بسلوكه.

وأضاف ديفي أن استقالة فاراج لا ينبغي أن تعفيه من الخضوع للمحاسبة، مؤكداً أن الشخصيات العامة مطالبة بالشفافية والخضوع للإجراءات الرقابية.


استدعاء للغة ترمب : ثائر ضد المؤسسات

سواء في خطاب استقالته ، أو في مجمل خطاباته يستدعي فراج  سردية انه يخوض حربا ضد المؤسسات الفاسدة وأنه يخوض هذه الحرب من أجل بريطانيا .


ويستعمل فراج لغة وطريقة ترامب حيث يشككك في المؤسسات الكبرى، ويعتبرها متواطئة ضد المواطنين، ويقدم نفسه مخلصا للشعب من تغول تلك المؤسسات.

كما يبدع الرجل في اتهام وسائل الإعلام بالتواطؤ ضده، ويعتبرها جزء من المؤامرة، وآخر فصول معاركه مع الإعلام هو اتهامه لصحيفة "التايمز" بملاحقة ابنته والتطفل على بيته، من أجل الحصول على معلومات عنه.


ويحظى زعيم الاصلاح بدعم من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس، ويعتبره التيار اليميني في أمريكا مندوبا لهم في المملكة المتحدة، ويتقاسم معهم الدعوة لتبني سياسات مشددة ضد المهاجرين، وتعديل قوانين اللجوء في بريطانيا، وإغلاق الأبواب أمام تدفق المهاجرين الذين يحملونهم مسؤولية تدهور الأوضاع في أوروبا.

بين الاكتساح والترنح

معارك فاراج خصمت من رصيده الانتخابي وشعبيته، حيث أظهر استطلاع جديد للرأي عودة حزب العمال إلى صدارة المشهد السياسي البريطاني لأول مرة منذ نحو عام، بالتزامن مع تراجع ملحوظ في شعبية حزب الإصلاح .

ويُعد الاستطلاع، الذي أُجري عقب فوز آندي بيرنهام في الانتخابات الفرعية بدائرة ماكليسفيلد، واستقالة كير ستارمر من زعامة الحزب الشهر الماضي، من أبرز المؤشرات حتى الآن على انتعاش شعبية حزب العمال، مقابل تراجع زخم حزب فاراج.

ووفقاً لتوقعات مؤسسة (Electoral Calculus)، فإنه إذا أُجريت انتخابات عامة في الوقت الراهن، سيحصد حزب العمال 217 مقعداً في مجلس العموم، يليه حزب المحافظين بـ151 مقعداً، بينما يتراجع فاراج إلى المركز الثالث بـ127 مقعداً.

وفي خضم هذه التطورات، يواصل فاراج وأنصاره الحديث عن وجود استهداف سياسي ومحاولة مما يُعرف بـ"الدولة العميقة" لإجهاض صعوده السياسي، إلا أن هذه الادعاءات لا تستند حتى الآن إلى أدلة معلنة أو نتائج تحقيقات تثبتها.

في المقابل، تؤكد السلطات البريطانية أن الإجراءات المتخذة بحق فاراج وحزبه تندرج ضمن تحقيقات قانونية ورقابية تجريها هيئات مستقلة، ولم تُوجَّه حتى الآن أي اتهامات جنائية إلى فاراج، فيما لا تزال التحقيقات والإجراءات الرسمية المتعلقة بهذه القضايا مستمرة.
التعليقات (0)