يواجه
السودان تحديات
اقتصادية معقدة نتيجة تداعيات الحرب التي ألقت بظلالها على مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية، وسط تراجع عدد من المؤشرات الاقتصادية وارتفاع الضغوط المعيشية على المواطنين.
وفي الوقت ذاته، تبرز تساؤلات بشأن قدرة الاقتصاد السوداني على التعافي خلال المرحلة المقبلة، والفرص المتاحة لإعادة الإعمار وجذب الاستثمارات، فضلا عن تأثير المتغيرات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الممر الحيوي والعالمي مضيق
هرمز، على مسار الاقتصاد السوداني والاقتصادات الأفريقية بشكل عام.
وفي هذا السياق، أكد الأكاديمي والخبير الاقتصادي د. محمد الناير أن المؤشرات الاقتصادية في السودان شهدت تراجعا ملحوظا خلال فترة الحرب، مشيرا إلى تراجع سعر صرف الجنيه السوداني وارتفاع معدلات الفقر والتضخم والبطالة.
وأوضح الناير خلال حواره مع "عربي21" الإثنين، أن مثل هذه التطورات تعد أمرا متوقعا في الدول التي تعاني من الحروب، لافتا إلى أن حجم التأثير يرتبط بقدرة الفريق الاقتصادي أو الحكومة المدنية على الحد من هذه التراجعات وتقليل آثارها السلبية على الاقتصاد الوطني.
النزوح الداخلي والخارجي خلال الحرب
وفي معرض حديثه عن الحرب التي أنهكت البلاد، أشار الناير إلى أن النزوح شمل سكان العاصمة وولايات أخرى باتجاه ولايات آمنة ومستقرة قبل تحرير العاصمة بالكامل، كما شهد السودان موجات نزوح إلى خارج البلاد، خاصة نحو مصر وبعض دول الجوار.
اظهار أخبار متعلقة
ورغم الآثار السلبية لهذه الظاهرة، أوضح أن هناك جانبا إيجابيا تمثل في عدم إقامة معسكرات واسعة للنازحين، حيث تمكنت ولايات عديدة من استيعاب أعداد كبيرة من الأسر السودانية طوال فترة الحرب إلى حين تحرير مناطقهم، مثل الخرطوم والجزيرة وسنار، قبل أن يعودوا مجددا إلى منازلهم ومناطقهم، مضيفا أن العاصمة الخرطوم أصبحت الآن آمنة ومستقرة.
إمكانات ضخمة تؤهل السودان للتعافي
وعند حديثه عن مستقبل الاقتصاد السوداني، شدد الناير على أن السودان يمتلك القدرة على استعادة عافيته الاقتصادية بفضل ما يملكه من إمكانات وموارد ضخمة، موضحا أن السودان يمتلك أكثر من 85 مليون هكتار صالحة للزراعة، بينما لا يتم استغلال سوى ما بين 20 و25 بالمئة منها فقط، كما يمتلك أكثر من 110 ملايين رأس من الماشية، إضافة إلى تعدد مصادر المياه.
وأشار إلى أن البلاد تنتج محاصيل مطلوبة عالميا، وعلى رأسها الصمغ العربي، إلى جانب امتلاكها موارد معدنية تتجاوز 30 معدنا، يتصدرها الذهب ومعادن نفيسة أخرى.
كما لفت إلى وجود مساحات بترولية لم يتم اكتشافها بعد، ومربعات لم توزع حتى الآن، فضلا عن موارد سياحية كبيرة.
وأكد أن الموقع الجغرافي للسودان يمنحه أهمية خاصة باعتباره حلقة وصل بين العالمين العربي والأفريقي، إضافة إلى امتلاكه ساحلا بطول 750 كيلومترا على البحر الأحمر، وهو أحد أهم الممرات الملاحية الدولية، معتبرا أن هذه العوامل ربما كانت من أسباب تعرض السودان للاستهداف الإقليمي أو الدولي.
إعادة الإعمار والاستثمار أولوية المرحلة المقبلة
وفي ما يتعلق بمرحلة إعادة الإعمار، رأى الناير أن المجتمع الدولي يفترض أن يؤدي دورا مهما في هذا الملف، لكنه أشار إلى أن تجارب السودان السابقة معه لم تكن جيدة، وأن كثيرا من التعهدات لم يتم الوفاء بها، لافتا إلى أن المرحلة المقبلة يجب ألا تعتمد بشكل أساسي على المجتمع الدولي، موضحا أن أي دعم يقدم للاقتصاد السوداني سيكون مرحبا به إذا كان دون شروط أو إملاءات.
اظهار أخبار متعلقة
وأكد ضرورة وضع خطة سودانية تعتمد على الإمكانات الطبيعية المتاحة واستثمارها، إلى جانب جذب الاستثمارات الخارجية، مشيرا إلى وجود دول مهتمة بالسودان، من بينها السعودية وقطر والكويت وتركيا وروسيا والصين، موضحا أن هذه الدول يمكن أن تضخ استثمارات كبيرة خلال مرحلة إعادة الإعمار.
وأضاف أن توجيه هذه الدول لشركاتها أو لقطاعها الخاص للاستثمار في السودان يمكن أن يسهم بصورة كبيرة في إنعاش الاقتصاد، خاصة أن 11 ولاية من أصل 18 ولاية سودانية تعد حاليا آمنة ومستقرة.
تراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة
وبشأن الأوضاع المعيشية للمواطن السوداني، أوضح الناير أن الحرب أدت إلى تراجع كبير في القوة الشرائية، بالتزامن مع انخفاض قيمة العملة الوطنية أمام العملات الأجنبية.
وأضاف أن عددا من المواطنين فقدوا وظائفهم، خاصة في القطاع الخاص والقطاعات الصناعية التي تعرضت للتدمير.
وأشار إلى أن ارتفاع أسعار السلع والخدمات بصورة كبيرة، إلى جانب محدودية الدخول والرواتب وتراجع قيمة العملة الوطنية، شكل ضغوطا كبيرة على حياة المواطنين، مؤكدا أن مسؤولية الدولة تتمثل في إيجاد حلول عملية لتخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين.
تداعيات إغلاق مضيق هرمز على السودان وأفريقيا
وفي تعليقه على الأزمة المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز، قال الناير إن تأثيرها لم يقتصر على الاقتصادات الإقليمية بل امتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
وأوضح أن السودان تأثر بشكل مباشر، حيث أدى إغلاق المضيق إلى ارتفاع أسعار المشتقات النفطية المستوردة، وهو ما انعكس على الأسعار المحلية، كما أشار إلى تأثر سلاسل الإمداد ومن بينها السماد المستخدم في العملية الزراعية، الأمر الذي ألقى بظلاله على الاقتصاد السوداني.
أما بالنسبة لمصر، فأوضح أن قناة السويس تعد شريان حياة الاقتصاد المصري، وكانت إيراداتها في الظروف الطبيعية تتراوح بين 6 و8 مليارات دولار سنويا أو أكثر، حيث أثر إغلاق مضيق هرمز بصورة كبيرة على حركة الملاحة في قناة السويس، وكذلك على حركة النقل عبر البحر الأحمر باتجاه البحر المتوسط، كما أن دول الخليج كانت الأكثر تضررا من هذه التطورات.
التعافي سيكون تدريجيا وليس فوريا
وحول تأثير إعادة فتح مضيق هرمز ووقف إطلاق النار، توقع الناير حدوث تعاف اقتصادي، لكنه استبعد أن يكون سريعا.
وأوضح أن التجربة الاقتصادية تشير إلى أن الزيادات في الأسعار تنتقل بسرعة إلى الأسواق بمجرد ظهور مسبباتها، بينما يكون التراجع أبطأ بعد زوال هذه الأسباب، حيث أن أسعار المشتقات النفطية والأسمدة مرشحة للتراجع، كما سيقل الضغط على الطلب على النقد الأجنبي، خاصة بعد اتجاه الحكومة السودانية إلى استيراد المحروقات بنفسها خلال المرحلة القادمة.
وأشار إلى أن التعافي سيحتاج إلى بعض الوقت، لكنه لن يستغرق فترة طويلة، مرجحا أن يتم خلال أسابيع أو أشهر.
أفريقيا بحاجة إلى التصنيع لتحقيق نهضة اقتصادية
وفي حديثه عن مستقبل الاقتصاد الأفريقي، أكد الناير أن القارة تمتلك موارد طبيعية ضخمة فوق الأرض وتحتها، لكنها لا تزال تصدر معظم منتجاتها في شكل مواد خام دون تصنيع.
وأوضح أن الاتجاه نحو التصنيع الكامل أو التصنيع شبه الكامل سيضيف قيمة كبيرة للصادرات الأفريقية ويرفع عائداتها أضعاف ما تحققه حاليا، مشددا على أن أفريقيا تحتاج إلى نهضة حقيقية، وإلى دعم من الدول المتقدمة التي تربطها مصالح مشتركة بالقارة، بما يساعدها على التصنيع محليا ثم التصدير.
اظهار أخبار متعلقة
لماذا يتفوق النموذج الصيني في أفريقيا؟
وفي تقييمه للحضور الصيني داخل أفريقيا، قال الناير إن الصين أصبحت تتغلغل في القارة بصورة جيدة، معتبرا أن النموذج الصيني تفوق على النموذج الأمريكي والغربي.
وأرجع ذلك إلى أن الصين تركز على المصالح الاقتصادية مع الدول الأفريقية دون التدخل في شؤونها الداخلية، على عكس النموذج الأمريكي والغربي الذي يهتم بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول.
وفي ختام حديثه، أشار الناير إلى أن الصين تسعى إلى تعزيز مكانة اليوان باعتباره خامس عملة عالمية معترف بها ومتداولة دوليا، موضحا أن اليوان أصبح خلال السنوات الأخيرة جزءا من احتياطيات البنوك المركزية في دول العالم، في وقت تراجعت فيه حصة الدولار من نحو 75 إلى 80 بالمئة من الاحتياطيات إلى ما يقارب 60 بالمئة.
وأضاف أن البنوك المركزية أصبحت تحتفظ بسلة متنوعة من العملات، بينما يواصل اليوان تحقيق تقدم متواصل، إلى جانب الذهب.
كما لفت إلى وجود اتفاقية بين الصين وكينيا لتحويل قرض كيني من الدولار إلى اليوان، الأمر الذي يوفر على كينيا نحو 215 مليون دولار سنويا نتيجة خفض الفوائد، وأشار كذلك إلى وجود اتفاقية مع زامبيا تدفع بموجبها الشركات الصينية العوائد والرسوم والإيجارات باليوان الصيني.
وأكد أن الصين تمضي بثبات نحو تعزيز وجودها في أفريقيا والمنطقة العربية، مستفيدة من إخفاق النموذج الغربي في بناء تعاون فعّال مع الدول الأفريقية.