اقتصادي أمريكي لـ"عربي21": الصين باتت القوة الاقتصادية الأكثر تأثيرا في العالم

ترتبط الصين بعلاقات تجارية مع نحو 70 بالمئة من الدول وهو الدور نفسه الذي كانت الولايات المتحدة تتمتع به قبل عقدين من الزمن - جيتي
ترتبط الصين بعلاقات تجارية مع نحو 70 بالمئة من الدول وهو الدور نفسه الذي كانت الولايات المتحدة تتمتع به قبل عقدين من الزمن - جيتي
شارك الخبر
قال الخبير الاقتصادي الأمريكي ومؤلف كتاب "اعترافات قاتل اقتصادي"، جون بيركنز، إن التصعيد مع إيران قد لا يقود بالضرورة إلى تعزيز الهيمنة الأمريكية، بل ربما يسرّع من التحول نحو نظام اقتصادي متعدد الأقطاب خلال المرحلة المقبلة.

وذكر، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، أن "الصين باتت تُمثل القوة الاقتصادية الأكثر تأثيراً عالمياً؛ إذ أصبحت الشريك التجاري الأبرز لنحو 70 بالمئة من دول العالم، في مقابل تراجع نسبي في موقع الولايات المتحدة مقارنة بما كانت عليه قبل عقدين، وهو ما يجعل من الصعب إعادة إنتاج الهيمنة الأمريكية التقليدية في ظل التحولات العميقة الجارية في النظام الدولي".

ولفت بيركنز إلى أن "العالم يقف أمام مرحلة انتقالية مفتوحة الاحتمالات، بين تعددية قطبية محتملة، أو إعادة تشكل لنظام ثنائي القطبية، أو حتى نماذج أكثر تعقيداً تتداخل فيها الأدوار الاقتصادية والسياسية للقوى الكبرى والإقليمية على حد سواء".

وتالياً نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":

هل تعتقدون أن التصعيد مع إيران قد يسرّع انتقال العالم نحو نظام اقتصادي متعدد الأقطاب تقوده قوى مثل الصين وروسيا، أم أن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على إعادة إنتاج هيمنتها الاقتصادية رغم كلفة الحرب؟



قد يكون هذا بالفعل ما يسعى إليه ترامب، لكنني لا أعتقد أن الواقع سيسير في هذا الاتجاه. صحيح أن المشهد الدولي بات معقداً للغاية ويصعب أحياناً تفسير جميع أبعاده، إلا أن هناك حقائق لا يمكن تجاهلها.

فالصين اليوم تُمثّل القوة الاقتصادية الأكثر تأثيراً على الساحة العالمية، وربما لا يزال حجم اقتصاد الولايات المتحدة أكبر من حيث بعض المؤشرات، لكن الصين أصبحت الشريك التجاري الأبرز لعدد هائل من دول العالم؛ إذ ترتبط بعلاقات تجارية مع نحو 70 بالمئة من الدول، وهذا الدور هو نفسه تقريباً الذي كانت الولايات المتحدة تتمتع به قبل عقدين من الزمن.

لذا، لا تبدو الصين في موقع يسمح لها بالتراجع أو الانكفاء، بل من المرجح أن تواصل العمل مع شركائها حول العالم للحفاظ على نفوذها الاقتصادي والسياسي، وللاستفادة من التداعيات التي تتركها السياسات الأمريكية الحالية على مكانة الولايات المتحدة الدولية.

اظهار أخبار متعلقة


ومن هذا المنطلق، لا أرى أن الولايات المتحدة قادرة على فرض هيمنة كاملة على الشرق الأوسط أو استعادة نمط الهيمنة الذي عرفه العالم في مراحل سابقة.

ومع أنني أعتقد أن هذا هو الهدف الذي يطمح إليه ترامب، بل وربما يسعى إلى توسيع النفوذ الأمريكي على نطاق عالمي أوسع، فإن موازين القوى الحالية والتحولات الجارية في النظام الدولي تجعل تحقيق مثل هذا الطموح أمراً بالغ الصعوبة.

إلى أي مدى يمكن لسياسات الولايات المتحدة في عهد ترامب أن تمنح الصين فرصة لتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي عالمياً على حساب واشنطن؟


لو كنت في موقع الرئيس الصيني شي جين بينغ، فقد أرى في سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرصة لتعزيز موقع الصين عالمياً، في وقت تتقدم فيه الصين اقتصادياً بوتيرة لافتة مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية.

لقد حققت الصين خلال العقود الثلاثة الماضية معدلات نمو اقتصادي مرتفعة للغاية، وصلت في المتوسط إلى نحو 10 بالمئة، كما نجحت في إخراج مئات الملايين من السكان من الفقر المدقع، في إنجاز يُعد من الأكبر على مستوى التاريخ الحديث.

وبالنسبة لكثير من الدول النامية، سواء في أفريقيا أو أمريكا اللاتينية أو آسيا أو الشرق الأوسط، فإن النموذج الصيني يبدو مثيراً للاهتمام من الناحية الاقتصادية، حتى وإن لم يكن بالضرورة نموذجاً مفضلاً من الناحية السياسية أو في أسلوب الحكم.

ومن هذا المنظور، تنظر بعض الدول إلى التجربة الصينية باعتبارها نموذجاً اقتصادياً فعالاً، حتى مع عدم الرغبة في تبني بنيتها السياسية. وفي المقابل، تسعى الصين إلى تعزيز حضورها الدولي وتقديم نفسها كخيار اقتصادي أكثر جاذبية مقارنة بالولايات المتحدة.

في الوقت نفسه، يرى البعض أن الولايات المتحدة، عبر انتشار قواعدها العسكرية في أكثر من 100 دولة، قد خلقت حالة من التوتر أو الرفض في بعض مناطق العالم، وهو ما ينعكس على صورتها الدولية. كما يُشار إلى تطورات إقليمية حساسة مثل الوضع المتعلق بمضيق هرمز باعتبارها جزءاً من التوترات الأوسع التي تؤثر على أسواق الطاقة والاستقرار الدولي.

في هذا الإطار، يتم تقديم الصين في بعض التحليلات باعتبارها لاعباً اقتصادياً صاعداً يستفيد من التحولات الجارية في النظام الدولي، ويعزز موقعه كبديل اقتصادي منافس للولايات المتحدة على الساحة العالمية، مع استمرار التباين بين النفوذ الاقتصادي والنفوذ العسكري والسياسي لكل من القوتين.

بالتالي، هل تعتقد أن أدوار القوى الكبرى ستتزايد مستقبلاً؟


في تقديري، يتجه العالم تدريجياً نحو نظام اقتصادي تتزايد فيه أدوار القوى الكبرى، وفي مقدمتها الصين، التي يراها البعض مرشحة لتعزيز موقعها في مركز هذا النظام.

وفي المقابل، يُلاحظ أن الولايات المتحدة الأمريكية تبدو في حالة إعادة تموضع دولي عبر تقليص انخراطها في عدد من الأطر والتحالفات والمؤسسات الدولية، مثل حلف الناتو، ومنظمة الصحة العالمية، إضافة إلى اتفاقيات دولية أخرى مثل اتفاقية باريس للمناخ.

وأرى أن الصين تمتلك أفضلية اقتصادية متزايدة قد تؤهلها للعب دور أكبر في النظام العالمي، في حين أن الولايات المتحدة قد تمر بمرحلة إعادة تعريف لدورها التقليدي في قيادة النظام الدولي، وإن كان ذلك يتم بشكل تدريجي وطويل الأمد.

لكن الصورة ليست محسومة؛ إذ يبقى موقف القوى الأخرى عنصراً حاسماً في تحديد شكل النظام القادم؛ فأوروبا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية قد تلعب أدواراً مختلفة، سواء من خلال تعزيز التكتلات الإقليمية أو إعادة صياغة علاقاتها الاقتصادية والسياسية بما يخدم مصالحها في ظل التحولات الجارية.

كما أن تطورات إقليمية حساسة، من بينها الملف المرتبط بإيران، قد تفتح مساحات أوسع لإعادة النقاش حول توازنات القوى في النظام الدولي، وكيفية استثمار الدول الصاعدة أو المتوسطة لحالة التحول في موازين النفوذ العالمية.

في المحصلة، يبدو أن العالم يقف أمام مرحلة انتقالية مفتوحة الاحتمالات، بين تعددية قطبية محتملة، أو إعادة تشكل لنظام ثنائي القطبية، أو حتى نماذج أكثر تعقيداً تتداخل فيها الأدوار الاقتصادية والسياسية للقوى الكبرى والإقليمية على حد سواء.

إلى أي حد تضررت مصداقية الولايات المتحدة بفعل تطورات مضيق هرمز والتصعيد في الشرق الأوسط؟


ما أراه بوضوح هو أن الضرر الذي أصاب مصداقية الولايات المتحدة نتيجة ما جرى في مضيق هرمز والحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد يستمر لفترة طويلة؛ فعلى مدى أكثر من 50 عاماً، كانت واشنطن تدرك الأهمية الاستراتيجية الاستثنائية لمضيق هرمز.

وخلال سبعينيات القرن الماضي، شاركت شخصياً، بتشجيع من البنتاغون، في مشروع إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية ضخمة في مدينة بندر عباس الإيرانية، وأمضيت وقتاً طويلاً هناك. 

كنا نعمل آنذاك انطلاقاً من إدراك راسخ بأن مَن يسيطر على مضيق هرمز يمتلك تأثيراً مباشراً على ما يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية، لكن تبيّن لاحقاً أن ذلك كان خطأً فادحاً؛ فاليوم تُعد بندر عباس مقراً للمنطقة البحرية الأولى الإيرانية، وتضم موانئ رئيسية وفروعاً للحرس الثوري الإيراني، وقد استخدمت إيران القاعدة العسكرية التي ساهمنا في تطويرها في فرض سيطرتها على مضيق هرمز.

ومن هذا المنطلق، كان يبدو من غير المنطقي أن تدخل الولايات المتحدة في مواجهة مع إيران من دون أن تضع هذه الحقيقة الجوهرية في حساباتها.

لذلك أعتقد أن الرئيس ترامب ارتكب خطأً كبيراً، وأن هذا الخطأ أضر بصورة الولايات المتحدة في نظر كثيرين حول العالم وأضعف الثقة بقدرتها على تقدير العواقب الاستراتيجية لقراراتها.

بلا شك، أعتقد أن هناك حالة واسعة من الاستياء والغضب في الشرق الأوسط، بل وفي أجزاء كبيرة من العالم، تجاه ما أقدمت عليه الولايات المتحدة؛ فالعديد من الدول العربية باتت تتأثر بشكل مباشر أو غير مباشر بتداعيات هذا التصعيد.

وربما تُعد دولة الإمارات من أكثر الدول تأثراً بالوضع الراهن، خاصة في ظل انخراطها في مواجهة مع إيران بأشكال مختلفة. كما أن الأضرار التي لحقت بقطاع الطاقة لم تقتصر على دولة بعينها، بل امتدت آثارها إلى أسواق النفط وسلاسل الإمداد على مستوى العالم.

لذلك، أرى أن ما حدث لم يكن مجرد خطأ في التقدير، بل خطأً استراتيجياً جسيماً ارتكبته إدارة ترامب، ستكون له تداعيات سياسية واقتصادية طويلة المدى تتجاوز حدود المنطقة لتطال النظام الدولي بأسره.

ويُضاف إلى ذلك أن الولايات المتحدة كانت قد توصلت سابقاً إلى اتفاق نووي مع إيران عام 2015، إلا أن ترامب انسحب منه خلال ولايته الأولى، وفي ظل هذا التاريخ، يبرز تساؤل مشروع: ما الذي قد يدفع إيران اليوم إلى الوثوق بواشنطن أو الدخول معها في مفاوضات جادة وحقيقية مرة أخرى؟".

ما انعكاس ذلك على المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران؟


لو كنت في موقع صانع القرار في إيران، لكنت بالغ الحذر والتوجس حيال أي مفاوضات مع إدارة ترامب، لأن الثقة بها تبدو أمراً بالغ الصعوبة بعد أن تراجعت عن الاتفاق السابق ونقضت التزاماتها.

أعتقد أن إيران تمتلك العديد من عناصر القوة التي تمكنها من الصمود والمناورة، لكن في الوقت نفسه لا يمكن إنكار أن جميع الأطراف تدفع ثمناً باهظاً لهذا التصعيد. أما بالنسبة للرئيس ترامب، فأرى أنه وضع نفسه في موقف شديد التعقيد.

إذ بات من الصعب على ترامب التراجع بعد الانخراط في هذه الحرب، وفي المقابل لا يبدو أن هناك مخرجاً سريعاً أو حلاً فورياً يلوح في الأفق بالوقت الراهن من أجل إنهاء الأزمة بشكل نهائي وحاسم من جذورها.

حذرت سابقاً من انتهاج أمريكا سياسة "اقتصاد الموت".. ما أبعاد ذلك، وما تأثيره على نفوذها السياسي وعلاقاتها الخارجية؟


أعتقد أن الولايات المتحدة كانت، حتى وقت قريب، تسير في اتجاه الانتقال من ما أسميه "اقتصاد الموت" إلى "اقتصاد الحياة"، لكن هذا المسار تعرّض لانتكاسات متتالية خلال السنوات الأخيرة، سواء في نهاية ولاية ترامب الأولى أو خلال المرحلة اللاحقة.

وقد حاولت إدارة بايدن، إلى حد ما، إعادة توجيه البوصلة عبر تعزيز الاستثمار في الطاقة المتجددة، بما في ذلك الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب دعم صناعة السيارات الكهربائية.

اظهار أخبار متعلقة


في المقابل، بدا أن توجهات إدارة ترامب تقوم على نموذج اقتصادي مختلف تماماً، نموذج يعتمد على استنزاف الموارد وتعظيم المكاسب قصيرة الأجل، وهو ما أصفه بـ"اقتصاد الموت"، أي الاقتصاد الذي يستهلك مقومات استمراره إلى أن يصل في النهاية إلى طريق مسدود.

وفي السياق السياسي، يبرز انطباع متزايد بأن ترامب يتأثر بدرجة كبيرة بمواقف نتنياهو، بل إن المشهد الحالي يوحي بأن قرارات البيت الأبيض باتت منسجمة إلى حد بعيد مع أولويات "تل أبيب" إلى درجة يبدو معها وكأن نتنياهو يمتلك تأثيراً استثنائياً على توجهات الإدارة الأمريكية في هذه المرحلة.
التعليقات (0)