رحيل إدغار موران.. حين يغيب الحكيم ويبقى الدرس

نيفين ملك
"إرث موران ليس نصوصا تُقرأ، بل طريقة في النظر إلى الذات والعالم، طريقة تحرّض على التفكير"- التواصل الاجتماعي
"إرث موران ليس نصوصا تُقرأ، بل طريقة في النظر إلى الذات والعالم، طريقة تحرّض على التفكير"- التواصل الاجتماعي
شارك الخبر
رحل إدغار موران الفيلسوف الفرنسي الشهير في 29 أيار/ مايو 2026 عن عمر يناهز الـ104 عاما، وبالطبع لم يكن رحيله مجرد حدث ثقافي عادي أو خبر عابر، حيث شكّل غيابه لحظة تأمّل واسعة حول العالم وفي عالمنا العربي كذلك، لأن موران لم يكن مفكرا غربيا بعيدا عن قضايا المنطقة، بل كان أحد الأصوات الغربية القليلة التي استطاعت أن تخاطب العقل العربي بعمق، وأن تقدّم له أدوات لفهم ذاته والعالم من حوله، وليس مستغربا أن الرجل يمثل ضميرا معرفيا وبوصلة أخلاقية ومدرسة فكرية يحتاجها العرب اليوم أكثر من أي وقت مضى.

ليس من المبالغة القول إن موران من أكثر المفكرين الغربيين حضورا في النقاشات الفكرية العربية خلال العقود الأخيرة؛ فالعقل العربي الذي عاش طويلا بين ثنائيات حادة، وصراعات فكرية متجذرة، وجد في فكر موران وخاصة الفكر المركّب ما يشبه الخريطة التي تساعده على الخروج من مأزق الاختزال والتبسيط، لذلك كان رحيله مؤلما لأنه ليس فقط آخر حكماء القرن الذين حافظوا على صلة حقيقية بالإنسان بعيدا عن ضجيج التكنولوجيا والتفاهة، بل أيضا لأن العالم العربي يعيش اليوم في قلب التعقيد الذي تحدّث عنه موران، ويحتاج إلى شعاع فكره أكثر من أي وقت مضى، ولقد رحل الرجل وترك الأسئلة التي طرحها لا تزال مفتوحة، بل أصبحت أكثر إلحاحا.

مع صعود الشعبوية، وتراجع الخطاب العقلاني في السنوات الأخيرة، كان موران من الأصوات القليلة التي حذّرت من انهيار الفكر وسط ضجيج التكنولوجيا وتعقيد الخوارزميات، والتحولات المتسارعة

ومن بين كل ما قدّمه موران، كان مشروعه حول الفكر المركّب وهو الأكثر تأثيرا في العالم العربي؛ فالعقل العربي، الذي عانى طويلا من التجزئة في السياسة، وفي الدين، وفي التعليم، وفي الهوية، وجد في هذا المشروع دعوة إلى ربط الأشياء بدلا من فصلها، وفهم الظواهر في سياقها، وتجاوز الثنائيات القاتلة، وإدراك أن الحقيقة ليست خطا مستقيما بل شبكة معقدة، ولهذا كان موران يقول دائما إن العالم لا يُفهم إلا عبر الربط، وكان لهذه الفكرة صداها الواسع في السياق العربي الذي اعتاد على التفكير عبر الانقسام.

وبالفعل كان موران من القلائل الذين تعاملوا مع العالم العربي بإنصاف معرفي، لم ينظر إليه كـ"آخر" غريب، ولم يختزله في صور نمطية وأحكام استشراقية، بل رأى فيه جزءا من الإنسانية، له مشكلاته وتعقيداته، وله أيضا طاقاته وإمكاناته، كما انتقد السياسات الغربية التي غذّت الصراعات في الشرق الأوسط، ودافع عن حق الشعوب العربية في تقرير مصيرها، حيث رأى أن أزمة العرب ليست استثناء، بل جزء من أزمة العالم الحديث، ودعا إلى التلاقي لا التفرقة بين الثقافات. ولذلك وجد فيه كثير من العرب صوتا غربيا نادرا لا يتحدث من موقع الهيمنة والاستعلاء، بل من موقع الفهم.

من أهم المجالات التي ترك فيها موران أثرا مباشرا هو التعليم؛ فكتبه مثل "المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل" أصبحت مرجعا في النقاشات حول التفكير النقدي، والتعليم متعدد التخصصات، وربط المعرفة بالحياة، وتجاوز الحفظ والتلقين. وكان يرى أن التعليم العربي شأنه شأن غيره من الأنظمة التعليمية في العالم، يعاني من التجزئة ومن غياب الرؤية الشمولية، وأن الحل ليس في المزيد من المعلومات، بل في منهج يساعد على فهم التعقيد، ويعيد للمعرفة معناها الإنساني.

ومع صعود الشعبوية، وتراجع الخطاب العقلاني في السنوات الأخيرة، كان موران من الأصوات القليلة التي حذّرت من انهيار الفكر وسط ضجيج التكنولوجيا وتعقيد الخوارزميات، والتحولات المتسارعة، كان يقول: "التكنولوجيا تتقدم، لكن الفكر يتراجع". وهي عبارة تختصر واقعا نعيشه اليوم بوضوح، حيث تقدم تقني بلا رؤية، ومعلومات بلا معرفة وسرعة تبتلع الهدف والمعنى.

كثيرون حاولوا تقديم موران كصديق للعرب، وكصوت غربي متعاطف، لكن الحقيقة أكثر تعقيدا، موران لم يكن "صديقا" لأحد، كان الرجل صديقا للحقيقة أكثر من أي طرف، فلقد انتقد الغرب حين أخطأ، وانتقد العرب حين انغلقوا، وانتقد الجميع حين استسلموا للتبسيط، وكان يرى أن العرب يعيشون في قلب أزمة مركّبة تتداخل فيها أزمة الهوية مع أزمة الدولة، وتتقاطع فيها أزمة التعليم مع أزمة الفكر، وتتعمق فيها أزمة العلاقة مع العالم. وفي طرحه لم يقدّم حلولا جاهزة، بل كان يقدّم منهجا للتفكير: افهموا التعقيدات، اربطوا بين الظواهر، تخلّصوا من الثنائيات القاتلة، واجهوا أنفسكم.

ولذلك كان موران واضحا في نصوصه المتفرقة: العرب يعيشون في عالم شديد التعقيد، لكنهم يفكرون بأدوات بسيطة، يتحدثون عن التغيير لكنهم يخافون من تغيير العقلية، يريدون الديمقراطية ولكنهم لا يقبلون التعددية.

كان موران واضحا في نصوصه المتفرقة: العرب يعيشون في عالم شديد التعقيد، لكنهم يفكرون بأدوات بسيطة، يتحدثون عن التغيير لكنهم يخافون من تغيير العقلية، يريدون الديمقراطية ولكنهم لا يقبلون التعددية

موران لم يترك وصية للعرب، لكنه ترك درسا: "أن تظل يقظا تجاه نفسك، وألا تكذب على نفسك". وهذا الدرس تحديدا هو ما نحتاجه اليوم: يقظة، نقد ذاتي، شجاعة في مواجهة الأخطاء، وقدرة على الاعتراف بأن العالم تغيّر.. وأننا لم نتغيّر بعد بما يكفي.

رحل إدغار موران، لكن أثره في العالم العربي سيبقى، ليس لأنه كان محبا للعرب، بل لأنه كان صادقا معهم، وكان يري فيهم إمكانات عظيمة، لكن أيضا عوائق ضخمة. كان على قناعة بأن العرب قادرون على النهوض، لكن بشرط واحد، أن يتخلّصوا من عقلية التجزئة، وأن يتبنّوا منهجا جديدا مركبا لفهم العالم.

برحيل إدغار موران، يخسر العالم العربي، كما يخسر العالم بأسره، مفكرا نادرا استطاع أن يقدّم منهجا لفهم التعقيد، وأن يذكّرنا بأن المعرفة ليست مجرد تجميع للحقائق، بل فنّ ربط الأشياء ببعضها، وأن التفكير الحقيقي يبدأ حين نمتلك شجاعة مساءلة أنفسنا قبل مساءلة العالم.

خلاصة القول، إن إرث موران ليس نصوصا تُقرأ، بل طريقة في النظر إلى الذات والعالم، طريقة تحرّض على التفكير، وتدعو إلى تجاوز السائد، وتفتح الباب أمام فهم أكثرعمقا للواقع.

نعم، لقد رحل موران "المفكر الإنساني الملتزم"، ولكن بالتأكيد تأثيره لن ينتهي برحيله؛ فالعقل العربي، الذي يعيش اليوم في قلب الأزمات، يحتاج إلى فكر موران أكثر من أي وقت مضى، يحتاج إلى منهجه، إلى رؤيته، إلى نقده، إلى حكمته، وربما يكون هذا هو المعنى الحقيقي للنعي: أن نودّع الشخص، لكن نتمسّك بما تركه لنا من شعاع نور، وأن نفهم أن موت المفكر لا يعني موت الفكر، بل انتقاله من حياة فردية إلى حياة جماعية، وأن ندرك أن أفضل تكريم لموران ليس في كلمات الرثاء، بل في أن نواصل ما بدأه، حين نفكّر بعمق، ونرى أبعد، ونربط ما اعتدنا فصله، ونواجه تعقيد عالمنا بشجاعة لا تخاف من الأسئلة المركبة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)