انتقد مصريون دعوة رئيس النظام عبدالفتاح
السيسي، شركة الشحن الفرنسية العملاقة (CMA CGM)،
المتورطة في نقل إمدادات ومعدات لجيش
الاحتلال خلال حرب
الإبادة على غزة، لتوسيع
استثماراتها بالموانئ المصرية والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وخلال لقاء السيسي، برئيس الشركة الفرنسي رودولف
سعادة، خلال قمة "إفريقيا- فرنسا" في كينيا 11 أيار/مايو الجاري؛ كشفت
إشادته بجهود الشركة في تنفيذ مشروعات متعددة داخل مصر بقطاع الموانئ البحرية
والجافة، عن دورها في مصر.
الشركة المصنفة كثالث أكبر شركات الشحن
العالمية من حيث عدد الحاويات المكافئة لعشرين قدما، دعاها السيسي، لتعزيز أعمالها
واستثماراتها بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس التي تمس الأمن القومي؛ وذلك برغم
أن الشركة الفرنسية، لديها تعاملات تجارية واسعة في مجال الشحن مع الاحتلال، وتخدم
موانئ أسدود و"حيفا" بالأراضي الفلسطينية المحتلة على البحر المتوسط.
اظهار أخبار متعلقة
ورغم التوترات الإقليمية المتتابعة في الشرق
الأوسط بداية من الإبادة (2023-2025)، وحرب الاحتلال على إيران صيف 2025، والحرب
الأمريكية-الإسرائيلية على إيران منذ 28 شباط/فبراير الماضي، تُعد (CMA CGM) واحدة من شركات النقل الدولية الكبرى
القليلة التي لا تزال ترسو في موانئ الاحتلال.
31 عاما في مصر
(CMA CGM) التي تعمل في مصر منذ العام 1995، عززت
حضورها في قطاع
النقل البحري والخدمات اللوجستية بمصر، وتقوم سفنها بـ17 رحلة
أسبوعية إلى 6 موانئ، بحوالي 1400 رحلة سنويا، مع عبور 712 رحلة لسفنها عبر قناة
السويس.
وضمن اتحاد دولي يضم ((Hutchison Port في هونغ كونغ، و(COSCO) الصينية، شاركت (CMA CGM) في إنشاء وتشغيل وصيانة محطة "البحر الأحمر للحاويات"
بميناء السخنة كأول محطة حاويات شبه آلية بمصر، ففي كانون الأول/ديسمبر الماضي،
وصلت سفينة "سي إم إيه سي جي إم هيليوم" التابعة لها من سنغافورة.
وفي تموز/يوليو 2020، وسعت (CMA CGM) خدمة الخط الملاحي الدولي "Jeddex"، لربط ميناء العين
السخنة المصري، بموانئ البحر الأحمر والأسواق العالمية في أوروبا وأمريكا ودول
أفريقية مثل كينيا والصومال.
وفي كانون الثاني/يناير 2021، فازت بعقد تشغيل
وإدارة وصيانة محطة "تحيا مصر" متعددة الأغراض (رصيف 55) بميناء
الإسكندرية، والتي افتتحت حزيران/ يونيو 2023، بحضور رودولف سعادة، والسيسي، الذين
تتابعت لقاءاتهما.
وتقوم (CMA
CGM)، بدور فعال في نقل
صادرات الأردن والعراق والخليج التي تتم عبر "خط التجارة العربي"، من
ميناء العقبة الأردني، إلى موانئ طابا ونويبع وبورسعيد، ومنه ستُحمّل الشحنات على
سفن الشركة الفرنسية لأسواق أوروبا.
(CMA CGM) أسسها عام 1978، الفرنسي من أصل لبناني
وسوري، جاك سعادة، لتعمل بمجالات النقل البحري وإدارة الموانئ والخدمات اللوجستية
وسلاسل الإمداد، والشحن الجوي، بوجودها في 160 دولة وعبر 400 مكتب تدير 593 سفينة
في أسطول يجوب 420 ميناء دوليا، محققة إيرادات 55.5 مليار دولار عام 2024.
وبينما موانئ الخليج العربي مغلقة تماما منذ
حرب إيران 28 شباط/فبراير الماضي، وخاصة مع غلق مضيق هرمز، إلا أن موانئ حيفا وأسدود مستمرة في العمل كالمعتاد.
ولفت تقرير لموقع "gCaptain"، المتخصص في الأخبار
البحرية والشحن، إلى تعاون ""CMA CGM مع شركة "ميرسك" في مشروع "GULFJJS1" أو خط تغذية الخليج، موضحا أنه لدى
ميرسك خدمات بحرية ترسو في إسرائيل.
وخلال دعم جماعة "الحوثي" للمقاومة
الفلسطينية أثناء حرب الإبادة الدموية الإسرائيلية على قطاع غزة، أصبحت (CMA CGM) وغيرها من شركات
النقل البحري المتعاملة مع إسرائيل في مرمى نيران الجماعة المدعومة من إيران،
والتي استهدفت السفن التي ترسو بموانئ إسرائيل وتقوم بمكالمات نشطة معها.
وفي الشهر الثاني من الإبادة بغزة وفي 25 تشرين
الثاني/نوفمبر 2023، هاجمت المسيرة الإيرانية (Shahed-136) سفينة الحاويات "CMA CGM Symi" بالمحيط الهندي، لتبين التقارير لاحقا
أن السفينة مؤجرة لـ(CMA CGM)،
من مالكتها شركة "EPS" التابعة للملياردير الإسرائيلي عيدان عوفر، في سنغافورة.
كما تشير التقرير إلى وجود شراكة بين (CMA CGM)، وشركة الشحن الوطنية
الإسرائيلية قبل خصخصتها عام 2003، وهي من أكبر 10 شركات شحن بالعالم والناقل
الرئيسي للمعدات اللوجستية للجيش الإسرائيلي "زيم"، حيث تحمل كل منهما
حاويات الأخرى، وفق اتفاقية موقعة في
الأمر الذي يجعل الشركة الفرنسية طرفا أصيلا في
نقل الإمدادات العسكرية واللوجستية الخاصة بجيش الاحتلال، ويجعل من سفنها واسمها
المطبوع على هيكل السفينة غطاء على شحنات الأسلحة القادمة إلى الاحتلال، من أوروبا
عبر البحر المتوسط، أو من شرق آسيا عبر طريق رأس الرجاء الصالح الذي تحولت (CMA CGM) إليه أكثر من مرة آخرها في آذار/مارس
الماضي.
وفي انتهاك للقانون الدولي، وبين تشرين
الثاني/نوفمبر 2022 وتموز/يوليو 2023، نقلت 10 سفن تابعة لـ"زيم" مئات
أطنان الذخيرة وعشرات الكيلوغرامات من خراطيش الأسلحة، والصواعق الكهربائية، من
ميناء "أنتويرب" البلجيكي لإسرائيل، وبينها. ووفقًا لمنظمة
"فريديساكتيه"، فيما كشفت منظمة "العمل من أجل السلام" (IPIS) نقل "زيم" 246 طن ذخائر من
ميناء هامبورغ الألماني عبر ميناء أنتويرب.
نهج سياسي
وحول دلالات وخطورة دعوة السيسي لتوطين إحدى
أكبر شركات النقل البحري العالمية تعاونا مع إسرائيل، في المنطقة الاقتصادية لقناة
السويس، تحدث نائب رئيس مركز "حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية"،
إسلام الغمري، إلى "عربي21".
وقال: "ما يجرى لا يمكن قراءته باعتباره
مجرد خطوة اقتصادية عابرة أو محاولة تقليدية لجذب استثمارات أجنبية، بل يبدو
امتدادًا لنهج سياسي يقدّم البراغماتية الاقتصادية على أي اعتبار قومي أو أخلاقي،
حتى عندما يتعلق الأمر بشركة عالمية ارتبط اسمها بخدمة الموانئ الإسرائيلية
واستمرار التدفقات اللوجستية إليها خلال واحدة من أكثر الحروب دموية ووحشية على
الشعب الفلسطيني المظلوم".
وأضاف: "حين يدعو النظام المصري شركة بهذا
الحجم، وبهذه الخلفية المثيرة للجدل، إلى توسيع استثماراتها داخل الموانئ المصرية
والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فإن الرسالة السياسية تبدو شديدة الوضوح:
الأولوية القصوى باتت لتدوير عجلة المصالح والاستثمارات، حتى وإن اصطدمت هذه
المصالح بأسئلة جوهرية تتعلق بالموقف من الاحتلال، أو بحدود المقبول أخلاقيًا
وسياسيًا في زمن الحصار والدمار والإبادة".
هل السيسي مضطر؟
وتشير تصريحات النظام المصري إلى أن تداعيات الإبادة
ثم "حرب إيران"، شديدة التأثير على الاقتصاد المصري وأدت إلى تراجع دخل
قناة السويس، والسياحة الخارجية، وقيمة العملة المحلية، مع أزمات هيكلية وبنيوية
مزمنة، إلى جانب حلول آجال أقساط وفوائد ديون خارجية تتعدى 164 مليار دولار، بجانب
تضاعف تكلفة استيراد الطاقة.
وهنا يرى الغمري، أن "الأمر هنا يتجاوز
الحسابات الاقتصادية البحتة؛ لأن قناة السويس لم تكن يومًا مجرد ممر تجاري أو
مشروع استثماري عادي، بل كانت على الدوام إحدى أهم أدوات السيادة المصرية وأوراق
القوة الاستراتيجية المرتبطة بالأمن القومي والمكانة الإقليمية للدولة؛ ومن ثم،
فإن منح مساحة أوسع لشركة تُبقي على روابط تشغيلية وتجارية ممتدة مع موانئ
الاحتلال يفتح بابًا واسعًا للتساؤل: هل ما تزال مصر تتعامل مع موقعها الاستراتيجي
كورقة تأثير سياسي، أم تحوّلت تدريجيًا إلى منصة لوجستية مفتوحة تُدار بمنطق
العائد المالي وحده مهما كانت طبيعة الشركاء؟".
ولفت الباحث المصري إلى أن "المدافعين عن
السلطة قد يردوا بأن الاقتصاد لا يُدار بالشعارات، وأن الدولة تواجه ضغوطًا مالية
قاسية تستدعي جذب أي استثمار ممكن. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل تُبنى
مكانة الدول الكبرى على حسابات الإيراد السريع فقط؟، أم أن هناك لحظات فارقة يصبح
فيها للموقف السياسي والأخلاقي وزن لا يقل أهمية عن المكاسب الاقتصادية؟".
وأكد أن "المشكلة الحقيقية ليست في مبدأ
الاستثمار الأجنبي بحد ذاته، بل في طبيعة الشريك، وحساسية التوقيت، والرسائل التي
تُفهم من مثل هذه الخطوات. ففي الوقت الذي يرى فيه المصريون والعرب غزة تُحاصر
وتُقصف ويُترك أهلها تحت النار والجوع، تبدو دعوات توسيع التعاون مع شركات مرتبطة
بالحركة التجارية الإسرائيلية وكأنها تُعمّق الفجوة بين الخطاب الرسمي والوجدان
الشعبي، وتدفع قطاعات واسعة إلى التساؤل: أين تقف البوصلة فعلًا؟".
في خدمة الاحتلال
وأكد متابعون عبر مواقع التواصل الاجتماعي أن
الأمر يتعدى رغبة السيسي، في دفع الاقتصاد المصري بشركات دولية، ملمحين إلى أنه
فتح موانئ مصر خلال الإبادة أمام سفن الاحتلال، وتلك التي تنقل لها السلاح والمعدات
والمواد الخام.
وتشير تقارير صحفية غربية وأخرى صادرة عن
"حركة مقاطعة الاحتلال " (BDS)،
إلى سماح النظام المصري باستقبال بعض موانئ مصر سفنا محملة بالسلاح والمعدات إلى
إسرائيل في الوقت الذي رفضتها موانئ أوروبية واعترض عليها نشطاء ومنعوا رسوها في
بلادهم.
وفي آذار/مارس الماضي، قالت (BDS)،
إن "إحدى السفن المحمّلة بفولاذ عسكري لتغذية العدو الإسرائيلي تُدرج ميناءَ
أبوقير المصري ضمن مسارها، بعد أن واجهت صعوبات في
الرسوّ بموانئ إسبانيا وإيطاليا واليونان وتركيا بسبب الاحتجاجات".
تحليل الحركة لحركة الشحن، بين أن سفن الشركة
السويسرية (MSC) تنقل الفولاذ لشركتي (Elbit Systems) و(IMI Systems) في رامات هشارون، وهما المصنّعان الرئيسيان للذخيرة الإسرائيلية،
ملمحا إلى أن البيانات، أكدت قيام "سفينتين بنقل شحنات الصلب لتغذية النظام
الإسرائيلي الإبادي، من شركة (R L Steels & Energy
Limited) الهندية".
وأوضحت الحركة أنه خلال يومي 20 و21 آذار/مارس
الماضي، "تم رصد تغيير السفينتين لمساريهما لتجنّب
تلك الموانئ (بسبب الاحتجاجات المتوقعة)، حيث اتجهت سفينة (MSC Vega) لإيطاليا بينما تتجه سفينة (MSC Danit) لميناء أبوقير (الإسكندرية)"،
مشيرة إلى أن موعد وصولها 23 آذار/مارس الماضي.
اظهار أخبار متعلقة
ووفقا لموقع "مارين ترافيك"، فإن
سفينة الحاويات (MSC Danit) انطلقت من ميناء "فيزينجام" الهندي 17 شباط/فبراير الماضي،
ووصلت ميناء أبوقير 24 آذار/مارس الماضي، بعد توقف 3 أيام بميناء
"سينيش" البرتغالي، حيث كشفت بيانات ذات الموقع عن رسو السفينة بميناء
أبوقير التابع لميناء الإسكندرية.
وفي ذات السياق، وفي شباط/فبراير 2024، جرى رصد
قيام سفينة الحاويات "بي إيه إن جي جي"
(PAN GG) التي ترفع العلم المصري، بـ25 رحلة
متتابعة من ميناء "بورسعيد" وميناء "الدخيلة" بالإسكندرية إلى
ميناء أسدود مدة عام خلال حرب طوفان الأقصى من شباط/فبراير 2023، وحتى الشهر ذاته
من العام التالي.
ورست السفينة "MV Kathrin"، بميناء الإسكندرية في
تشرين الأول/أكتوبر 2024، بعد رفض مالطا وناميبيا وأنغولا استقبالها، بينما كانت
محملة بـ150 ألف كيلوغرام من مادة (RDX)،
لشركة "Elbit Systems" التابعة للاحتلال لتستخدمها بتصنيع القنابل وقذائف الهاون والصواريخ
لقصف غزة ولبنان.
وفي 22 كانون الأول/ديسمبر 2025، وعقب رفض عدة
دول، رست سفينة الشحن "هولغر جي" (Holger G) بميناء بورسعيد، وهي تحمل 440 طنا من المعدات العسكرية ومكونات قذائف
الهاون والصلب العسكري قادمة من الهند، إلى ميناء حيفا، لنقلها لشركة (Elbit Systems) ، إحدى أكبر مزوّدي جيش
الاحتلال بالسلاح.
وكشف موقع "port2port"
العبري، في أيار/مايو 2024، أن شركة الشحن "Medkon
Lines" قررت إنشاء خطين
ملاحيين يربط الأول: ميناء رافينا الإيطالي بميناء الإسكندرية وموانئ أسدود
وحيفا، فيما يربط الثاني الموانئ المصرية مباشرة بموانئ الاحتلال.