نشرت مجلة "ناشيونال إنترست" تقريرا يرصد تداعيات الحرب الحالية في المنطقة على
مصر، مؤكدة أن الاقتصاد المصري المأزوم سيدفع ثمنا باهظا بتراجع الاستثمارات الخليجية، بسبب موقف
القاهرة المتردد وضآلة مساندتها العسكرية لحلفائها العرب وقت الأزمة.
وقالت المجلة في
تقريرها الذي ترجمته "عربي 21"، إنه بالرغم من أن
إيران و"ميليشياتها" في المنطقة لم تستهدف مصر بالصواريخ والطائرات المسيّرة مثلما فعلت مع جيرانها العرب، فإن الدولة العربية الأكثر اكتظاظاً بالسكان لم تخرج سالمة.
وترى المجلة أن تكاليف الحرب على المدى الطويل قد تفوق تلك التي تكبدتها الدول المستهدفة بالقصف الإيراني، ما يجعل مصر واحدة من أكبر الخاسرين في الحرب الحالية.
أزمة الديون
أكدت المجلة أن الضحية الأبرز هو الاقتصاد المصري، الذي كان يترنح حتى قبل اندلاع الصراع الحالي تحت وطأة الديون الناجمة عن سوء الإدارة والإنفاق الباذخ لحكومة الرئيس عبد الفتاح
السيسي، وتفوق العملة الأجنبية المطلوبة لسداد الديون الاحتياطيات النقدية الحالية.
ولسد هذه الفجوة، تطرح مصر أذون خزانة عالية العائد، لكن مليارات الدولارات من هذه الأموال الساخنة فرّت عقب بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/ شباط.
ويتطلب سداد فوائد سندات الخزانة وبقية الديون هذا العام 64 بالمئة من الموازنة السنوية، بالتزامن مع تفاقم العجز جراء الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة بسبب الحرب.
موقف باهت
أشارت المجلة إلى أن دول الخليج استثمرت مليارات الدولارات في السنوات الأخيرة لشراء مساحات شاسعة من الأراضي الساحلية لإقامة مشاريع تنموية في مصر.
وتمول
الإمارات وقطر مشروعين منفصلين بقيمة 35 و30 مليار دولار على البحر المتوسط، بينما تتطلع السعودية لإقامة مشروعها الخاص على ساحل البحر الأحمر، وتُجري الكويت محادثات مع القاهرة لتحويل ودائعها البالغة 4 مليارات دولار في البنك المركزي المصري إلى استثمارات مباشرة.
وقالت المجلة إن هذا السخاء بات الآن في خطر بسبب الحرب، فرغم أن النظام المصري دان الهجمات الإيرانية على الدول الخليجية ودعا إلى التهدئة، اعتبرت العواصم الخليجية أن تنديد القاهرة كان شكلياً وباهتاً.
والأسوأ من ذلك، أن بعض التعليقات على التلفزيون الحكومي المصري والمنشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تخضع لرقابة صارمة، أظهرت نبرة من الشماتة.
انتقادات خليجية
بحسب المجلة، فإن دول الخليج وعلى رأسها الإمارات كانت تتوقع من مصر موقفا أقوى بعد سنوات من الدعم المالي.
وكان الرئيس السيسي قد أطلق خلال حملته الانتخابية عام 2014 مقولته الشهيرة "مسافة السكة"، ردا على أي تهديد تتعرض له الدول العربية. وفي 2018، أعلن مجدداً أن بلاده "ستحشد قواتها" إذا واجه الأمن الخليجي "تهديداً مباشراً".
لكن بعد أسابيع من اندلاع الحرب الحالية، اكتفى السيسي بتكرار باهت لالتزامه بـ"تقديم كافة أشكال الدعم اللازم للحفاظ على أمن واستقرار" دول الخليج، دون تقديم أي دعم ملموس، وفقا للمجلة.
وأكدت المجلة أن أشد الانتقادات الموجهة لمصر جاءت من الإمارات، الدولة العربية الأكثر تعرضا للضربات الإيرانية، ففي ظل تواصل الهجمات، تساءل أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات: "أين الدول العربية والإقليمية الكبرى… أين أنتم اليوم في وقت الشدة؟".
دعم متأخر
وأضافت المجلة أن الموقف المصري المتردد بدا سيئاً للغاية مقارنة بالدعم السريع من دول أخرى أرسلت قوات ومعدات لحماية الخليج، حيث أرسلت بريطانيا مقاتلات "يوروفايتر" إلى قطر، ونشرت فرنسا طائرات "رافال" في الإمارات وقطعًا بحرية لحماية الأردن، كما أرسلت أستراليا وإيطاليا قطعًا بحرية وأنظمة دفاع جوي.
وأشارت المجلة إلى أن المفاجأة الأكبر هو نشر دولة الاحتلال الإسرائيلي منظومة "القبة الحديدية" بطواقم إسرائيلية في الإمارات لأول مرة.
وتؤكد المجلة أنه لم يكن من المتوقع أن تندفع مصر للدفاع عن الدول العربية في ظل محدودية قدراتها العسكرية رغم امتلاكها الجيش الأكبر عربياً، لكن الإمارات على وجه التحديد كانت تتطلع إلى دعم فوري ملموس من القاهرة. وتُشير التقارير إلى أن مصر نشرت مؤخرا بعض أنظمة الدفاع الجوي لحماية داعميها الخليجيين في نيسان/ أبريل.
تداعيات بعيدة المدى
لكن المماطلة المصرية قد تحمل تداعيات مالية على المدى الطويل، وتبدو الإمارات تحديدا مستعدة لمعاقبة القاهرة على موقفها المتردد، وفقا للمجلة.
وفي هذا السياق، يُمثل انسحاب الإمارات المفاجئ من منظمة "أوبك" في 28 أبريل/ نيسان رفضاً واضحاً للعمل الاقتصادي العربي المشترك، ومن المرجح أن يمهد لتراجع التزام أبوظبي بدعم شبكة الأمان المالي لمصر.
وترى المجلة أن السعودية وقطر أقل ميلاً لاتخاذ إجراءات عقابية ضد مصر رغم الاستياء من موقفها خلال الحرب، لا سيما أن القاهرة انحازت للرياض في خلافها مع أبوظبي. لكن اضطرابات الطاقة وتكاليف إعادة الإعمار في دول الخليج قد تؤدي إلى تقليص المساعدات والاستثمارات السعودية والقطرية في مصر.
ورغم أن هذه الدول الخليجية لها تاريخ طويل في دعم مصر، فإن أولويتها بعد الحرب ستكون الجبهة الداخلية، وبالتالي فإن تردد السيسي قد يكلف بلاده ثمناً باهظاً لسنوات قادمة.