ما زالت حادثة اعتداء أحد جنود الاحتلال على أحد الرموز المسيحية تترك تبعاتها على تدهور سمعة دولة الاحتلال في العالم عموماً، وبين المسيحيين خصوصاً، لأن ما حصل يُقدّم دليلاً قاطعاً على نوايا اليهود تجاه المسيحيين.
الباحث في العلاقة بين اليهود والمسيحيين،
يهودا راحنييف، ذكر أن "إلحاق الأذى برجال الدين المسيحيين ورموزهم الدينية لم يعد ظاهرة هامشية، بل باتت تظهر في شوارع القدس، وأحياناً حتى بين جنود جيش الاحتلال".
فيما "يُشجّع الحاخامات من مختلف القطاعات على العنف ضد المسيحيين، يُضاف لذلك تصريح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مقتبساً من المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت، أن التاريخ يثبت أن يسوع لا يملك أي أفضلية على جنكيز خان، مما اعتبر اقتباساً مُسيئاً على عدة مستويات".
اظهار أخبار متعلقة
وأضاف في مقال نشره موقع "
زمان إسرائيل" العبري، وترجمته "
عربي21" أن "نتنياهو لا يُقارن يسوع بجنكيز خان فحسب، بل يُلمّح إلى أن نهج يسوع ساذج، وهو وأنصاره
المسيحيون الصهاينة يسخرون من أخلاقه، ورغم اعتذاره فيما بعد، إلا أن الضرر قد وقع بالفعل"
وأشار إلى أن "الضرر بدأ قبل الحادثة الأخيرة، فبعد وفاة البابا فرنسيس في أبريل 2025، ثارت عاصفة دبلوماسية وشعبية في دولة الاحتلال بسبب قرار الحكومة عدم إرسال ممثل سياسي رفيع المستوى إلى جنازته.
ومثّلها في المراسم سفيرها لدى الفاتيكان، يارون زيدمان، فقط، مما دفع رافائيل شوتس، سفير الاحتلال السابق لدى الفاتيكان، لوصف القرار بأنه "شهادة فقر لحكومة نتنياهو"، لأنه عندما يرحل زعيمٌ بهذه المكانة، فإن غيابنا شكّل جبهةً سلبيةً ضد 1.3 مليار كاثوليكي".
وأكد أن "العلاقات بين العالمين المسيحي واليهودي آخذة في التدهور، ففي نيسان/أبريل وأيار/مايو 2026، وردت تقارير عن سلسلة من الحوادث في جنوب لبنان، حيث قام جنود من الاحتلال بتخريب رموز مسيحية خلال عمليات عسكرية.
وقد وقع الحادث الأبرز في قرية دبل المسيحية، حيث تم تصوير جندي (
إسرائيلي) يضرب رأس تمثال السيد المسيح بمطرقة أو فأس، وقد تم إيقافه مع الجندي الذي صوّره، وحُكم عليهما بالسجن 30 يوماً، كما تعرّض 6 جنود حضروا الحادث، ولم يتدخلوا لوقفه، لانتقادات شديدة من قيادتهم".
وأوضح أنه "بعد ذلك بوقت قصير، في مايو/أيار 2026، نُشر تسجيل آخر لجندي من جيش الاحتلال يُدنِّس تمثالاً للسيدة مريم العذراء في القرية نفسها، عندما وضع سيجارة في فم التمثال، مشيرا إلى أن هذه الحوادث لا تتوافق مع الادعاء بأن جيش الاحتلال هو "الأكثر أخلاقية في العالم".
وأوضح أن "العقاب وحده لن يُجدي نفعاً في ظل تكرار أنماط اعتداء اليهود على المسيحيين، لأن الخلل أعمق من ذلك بكثير، فالجندي الذي يُلحق الضرر برمز ديني لا ينتهك أمراً فحسب، بل يدوس بشكل صارخ على القيم اليهودية."
كما أنه لا يُلحق الضرر بالمسيحيين في لبنان فحسب، ممن يعانون أصلاً من ويلات الحرب، بل يُلحق الضرر أيضاً بدولة الاحتلال، ولا ينبغي لمثل هذا الجندي أن يبقى في الخدمة العسكرية، ولو ليوم واحد، لأنه يمثل الاحتلال بأكمله، وليس نفسه فقط.
وأضاف أننا أمام مشكلة تربوية، لأن سنوات من التحريض ضد اليسار والعرب والأجانب حوّلت المجتمع داخل الاحتلال إلى مجتمع شديد الخطورة، بل ينتشر فيروس قومي كالنار في الهشيم، وتُصوَّر هذه الأحداث، وتُوزَّع، وتُترجم لتصل كل مكان في العالم.
وأشار إلى أن حدثاً من هذا القبيل يُعزز الروايات التاريخية التي أدت لاضطهاد اليهود، وهناك تداعيات سياسية مباشرة، لأن دولة الاحتلال تعتمد على العلاقات مع الدول المسيحية، ودعمها حول العالم.
لافتاً إلى أن إلحاق الأذى بالشخصيات الدينية والرموز المقدسة لا يضر بصورة الاحتلال فحسب، بل يُضعف علاقاتها الدبلوماسية، ويُصعّب التعاون، ويُولّد ضغوطاً دولية لا داعي لها، وعلى المدى البعيد، سيكون الثمن باهظاً بالإضرار بشرعية الاحتلال.
وذكر الكاتب حادثاً مروعاً آخر حصل مؤخراً حين اتُهم (إسرائيلي) بالركض نحو راهبة فرنسية قرب قبر داود، وإسقاطها أرضاً، وركلها مراراً في صدرها، بينما وقف باقي المستوطنين يشاهدون الموقف.
وعندما حاول أحدهم التدخل، تعرض هو الآخر للهجوم، مما يعني تحوّل الاعتداء على الرهبان من البصق إلى الركل ليس من قبيل الصدفة، بل نتيجة مباشرة للتحريض من قبل الحاخامات، والمسؤولين الفاسدين.
اظهار أخبار متعلقة
وأوضح أن "نزع الشرعية عن "الآخر المسيحي" طريقٌ مختصرٌ إلى الفاشية، فقد يجد ما وصفه الكاتب بـ"الشعب المختار" نفسه وحشاً ينفث النار في كل اتجاه، ولن يتأخر رد الفعل العنيف، وعندما يحدث، ستواجه دولة الاحتلال صعوبةً بالغةً في التعامل معه.
ولمثل هذه الأحداث تداعيات تتجاوز حدود دولة الاحتلال، وقد يصبح إيذاء اليهود، خاصةً في دولٍ مثل إسبانيا وإيطاليا، حيث لا يزال هناك وجودٌ مسيحيٌّ عميق، واقعاً أكثر شيوعاً".
وختم بالقول إن "دولة الاحتلال إن لم توقف هذه الظاهرة الآن، فستفقد شرعية الدفاع عن نفسها، وستتضرر مكانتها، وسنجد أنفسنا أكثر عزلةً من الصين وروسيا وإيران، والأهم من ذلك كله، أنها ستمنح المعادين لها ما طالما حلموا به، وهو ذريعةً لإيذائها".