نشر موقع "شيناري إيكونومتشي" تقريرا يسلّط الضوء على تراجع العلاقة التاريخية بين
واشنطن والرياض، مشيرا إلى أن الاتفاقات الدفاعية مع أوكرانيا، ورفض عدد من القرارات الأمريكية، يكشفان انتقال
الرياض إلى سياسة وطنية أكثر استقلالاً عن
الولايات المتحدة.
وقال الموقع في
التقرير الذي ترجمته "عربي21"، إن التحالف التاريخي بين الولايات المتحدة والسعودية يتعرض لأحد أقسى الضربات خلال العقود الأخيرة، وهو ما بدأت تكتشفه إدارة ترامب.
وقد أعرب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خلال الأيام الماضية عن استياء شديد من قرار الرياض توقيع اتفاقات دفاع استراتيجية مع أوكرانيا، والمشكلة الحقيقية بالنسبة لواشنطن أن الاتفاق تم إبرامه من دون استشارة الولايات المتحدة، وهي التي تُعد تاريخيًا المسؤول الأول عن أمن المملكة.
اظهار أخبار متعلقة
وذكر الموقع أن رد ولي العهد السعودي محمد
بن سلمان لم يتأخر كثيرًا، وقد كان ردًا دبلوماسيًا دقيقًا وحادًا، فقد أشارت الرياض إلى أن الولايات المتحدة فشلت في حماية
السعودية بالكامل من الهجمات الإيرانية.
ونتيجة لذلك، اتخذت السعودية القرار المنطقي والمستقل بتعزيز قدراتها الدفاعية بأقصى سرعة، معتمدة على من يخوض فعليًا حرب الطائرات المسيّرة. وأوضح ولي العهد أن بلاده ستواصل السير حصريًا على درب الدفاع عن مصالحها الوطنية.
خلاف عميق
أكد الموقع أن التراشق الرسمي يخفي خلافا عميقا بين البلدين، وأن بيان ولي العهد جاء كرد فعل على تصريح أدلى به الرئيس الأمريكي خلال تجمع جماهيري في نهاية مارس/ آذار، حيث قال بنبرة بعيدة تمامًا عن الأعراف الدبلوماسية، في إشارة إلى محمد بن سلمان: "لم أكن أعتقد أنه سيضطر إلى التودد إليّ بهذا الشكل.. والآن عليه أن يحسن التصرف معي".
اظهار أخبار متعلقة
وحسب الموقع، أظهر ولي العهد السعودي أنه يتمتع بحنكة دبلوماسية، ولم يرد على روبيو ملمحًا إلى أن على ترامب ردّ الجميل، بل تحرك وضرب مصالح الولايات المتحدة على أكثر من صعيد: الجغرافيا والسياسة والاقتصاد.
الوقائع الأخيرة
وأشار الموقع إلى أن فهم حجم الشرخ بين السعودية والولايات المتحدة يتطلب تحليل أحداث الفترة الأخيرة.
ففي آذار/ مارس 2026، توجّه الرئيس الأوكراني زيلينسكي إلى السعودية لتوقيع اتفاق تعاون مهم في قطاع الدفاع، ويرتكز الاتفاق على تكنولوجيا مكافحة الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي.
وتقدم أوكرانيا، التي خاضت اختبارًا قاسيًا بسبب الحرب مع روسيا، تقنيات متطورة تم اختبارها ميدانيًا ضد الطائرات المسيّرة الإيرانية. أما الرياض، فقد وضعت على الطاولة رؤوس أموالها الهائلة، ما سيقود إلى تطوير سريع للصناعة العسكرية الأوكرانية، وبالتالي الأوروبية أيضًا.
وفي بداية أيار/ مايو، تصاعد التوتر بين البلدين، فقد أطلق ترامب مهمة بحرية لمرافقة السفن التجارية في مضيق هرمز، لكن العملية توقفت بشكل مدوٍّ بعد 36 ساعة فقط.
أما السعودية، الغاضبة بسبب عدم استشارتها والمتوجسة من خطر الرد الإيراني على منشآتها النفطية، اتخذت خطوة قصوى بإغلاق المجال الجوي ومنع القوات الأمريكية من الوصول إلى قواعدها العسكرية، مثل قاعدة الأمير سلطان الجوية، ما جعل المهمة الأمريكية مستحيلة.
التداعيات الاقتصادية
ويرى الموقع أن التباعد بين الرياض وواشنطن سيكون له عواقب اقتصادية لا يمكن تجاهلها، وقد ينعكس ذلك قريبًا على الأسواق العالمية.
أولًا، غياب التنسيق في الخليج يولّد حالة من عدم اليقين ويلغي المهمات العسكرية لحماية إمدادات الطاقة، ويؤدي ذلك إلى زيادة فورية في أقساط التأمين على السفن التجارية، واستمرار ارتفاع أسعار النفط.
اظهار أخبار متعلقة
إضافة إلى ذلك، من شأن الأموال السعودية التي سيتم ضخها في قطاع الصناعات الدفاعية الأوكرانية بشكل مباشر، أن تشكل محرّكًا اقتصاديًا هائلًا، وهذه الأموال - من وجهة نظر ترامب - كان ينبغي أن تغذّي الشركات الأمريكية.
وأضاف الموقع أن المملكة مهتمة أيضًا بالمشاركة في مشروع المقاتلة الأوروبية من الجيل السادس جي كاب، وهو تأكيد إضافي على استقلالية قرارها في الآونة الأخيرة.
لكن الأهم من ذلك بحسب الموقع، أن تفكك التحالف بين السعودية والولايات المتحدة قد يعني تفكك نظام "البترودولار"، أي ذلك الاتفاق الضمني الذي جعل السعوديين يبيعون النفط منذ 50 عاما بالدولار مقابل الحماية العسكرية الأمريكية.
واقع جديد
أكد الموقع أن العلاقات الدولية، خصوصًا تلك التي تنظّم تدفقات الطاقة ورؤوس الأموال العالمية، لا يمكن تُدار بالغطرسة، بل بالتقييم الدقيق للمصالح الاقتصادية، وهو ما لم تدركه الإدارة الأمريكية في العالم الحالي متعدد الأقطاب.
وأشار الموقع إلى أن السعودية في عهد محمد بن سلمان لم تعد دولة تابعة، بل تقوم ببناء علاقاتها الدولية على أساس مصالحها، ومنها المصالح المشتركة مع الصين، وبالتالي لا يمكن للولايات المتحدة أن تتعامل معها على أنها محمية، بل عليها أن تأخذ استقلاليتها ومصالحها على محمل الجد، وأن تدرك أن تلك المصالح قد لا تتطابق مع المصالح الأمريكية.
واختتم الموقع بأن الأمر لا يقتصر على العلاقة مع واشنطن، بل قد يمتد إلى قطيعة مع الإمارات، التي تصطف بشكل واضح مع الولايات المتحدة.