"إمبراطوريات بالمليارات واقتصاد عبودي".. نظرة داخل الدولة الموازية المتطرفة في "إسرائيل"

 القوى الحريدية النافذة لا تنشغل فعليًا بالدين بقدر انشغالها بالسيطرة على العقارات- جيتي
القوى الحريدية النافذة لا تنشغل فعليًا بالدين بقدر انشغالها بالسيطرة على العقارات- جيتي
شارك الخبر
قدّمت نعومي أبراهام، المحامية والخبيرة الاقتصادية الإسرائيلية التي نشأت داخل المجتمع الحريدي المتطرف ثم غادرته لاحقًا، صورة شديدة القسوة عن البنية الداخلية للمجتمع المتشدد في "إسرائيل"، معتبرة أن ما يُعرض أمام الجمهور الإسرائيلي ليس سوى واجهة تخفي وراءها منظومة نفوذ اقتصادية واجتماعية مغلقة. 

وترى أبراهام في مقال نشرته صحيفة "هآرتس" أن المؤسسة الحريدية أقامت ما تصفه بـ"نظام عنصري وقاسٍ"، يهدف إلى إبقاء النساء الشرقيات الفقيرات في حالة تبعية دائمة، بينما تتركز الثروة والسلطة بيد نخبة محدودة من العائلات والمؤسسات الدينية.

وتقول إن المجتمع الإسرائيلي، وخصوصًا التيار الليبرالي والعلماني، لا يدرك حقيقة ما يدور داخل هذه المنظومة، موضحة أن القوى الحريدية النافذة لا تنشغل فعليًا باللاهوت أو الدين بقدر انشغالها بالسيطرة على العقارات، والأراضي، والمؤسسات المالية، وشبكات النفوذ الاقتصادية الموازية. وتضيف أن فهم الحريديم، بحسب رأيها، لا يكون عبر الخطاب الديني، بل عبر “قراءة الميزانيات العمومية”.

وتستعرض أبراهام تجربتها الشخصية باعتبارها ابنة لعائلة حريدية متشددة من القدس، حيث تلقت تعليمها في مدارس “بيت يعقوب” التي تمنع الفتيات من التقدم لامتحانات الثانوية العامة، ما يجعل الوصول إلى التعليم الجامعي شبه مستحيل. وتوضح أنها قررت الالتحاق بالجامعة لإثبات قدرتها على كسر هذا القيد، لكنها في البداية حاولت التوفيق بين دراستها الأكاديمية وهويتها الحريدية، مستخدمة هاتفًا “كوشير” بلا إنترنت، قبل أن تصل إلى قناعة بأن الليبرالية التي تعرفت إليها لا يمكن التعايش معها ضمن القيود الحريدية التقليدية.

اظهار أخبار متعلقة


وتصف خروجها من المجتمع الحريدي بأنه تجربة أشبه بالهجرة الكاملة، موضحة أنها حتى سن الحادية والعشرين لم تكن قد رأت نساء يرتدين ملابس غير محتشمة وفق المعايير الحريدية. وبعد انخراطها في العمل داخل وزارتي المالية والعدل الإسرائيليتين، بدأت ترى التناقضات داخل المجتمع الذي نشأت فيه، واكتشفت، بحسب وصفها، أن القيادات الحريدية التي طالما شددت على القيود المفروضة على النساء، تتعامل بشكل طبيعي وودود مع النساء غير الحريديات عندما يتعلق الأمر بالمصالح أو النفوذ.

وترى أبراهام أن جوهر النظام الحريدي ليس “القداسة” كما يُسوَّق، بل السيطرة الاجتماعية. وتقول إن النساء في أدنى درجات السلم الاجتماعي داخل هذا المجتمع، بغض النظر عن مستواهن التعليمي أو المهني، معتبرة أن المنظومة تستخدم الدين أداة لإدامة علاقات القوة والتبعية.

وتذهب أبراهام إلى أبعد من ذلك حين تصف البنية الحريدية بأنها “دولة موازية” داخل إسرائيل، تسيطر على قطاعات التعليم والإسكان والإعلام وحتى القضاء المجتمعي. وتضرب مثالًا بعائلة كارليتس النافذة، معتبرة أن نفوذها داخل المجتمع الحريدي يشبه، في المجتمع العلماني، مزيجًا بين المحكمة العليا ووزارة التعليم ووسائل الإعلام الكبرى وشركات العقارات العملاقة.

كما تشير إلى أن تعيين شخصيات حريدية نافذة في لجان تحقيق رسمية إسرائيلية، مثل لجنة التحقيق في كارثة جبل ميرون عام 2021، يعكس – بحسب رأيها – تغلغل هذه النخبة داخل مؤسسات الدولة، رغم كونها جزءًا من البنية التي أنتجت الإخفاقات نفسها.

وفي حديثها عن الاقتصاد الحريدي، تؤكد أبراهام أن بعض المؤسسات الدينية تحولت إلى إمبراطوريات مالية ضخمة. وتستشهد بمدرسة “مير يشيفا” الدينية في القدس، واصفة إياها بأنها شركة بمليارات الشواقل تمتلك عقارات ومجمعات سكنية وأصولًا واسعة في قلب المدينة، وتدار منذ أكثر من قرن بواسطة العائلة نفسها، مع مستوى عالٍ من التمركز المالي والإعفاءات الضريبية.

وترى أن الحراك الاجتماعي داخل المجتمع الحريدي شبه معدوم، وأن النخبة الحاكمة تتزاوج فيما بينها وتحافظ على السلطة والثروة داخل دائرة مغلقة. وتقول إنها صُدمت عندما اكتشفت أن معظم أعضاء “مجلس حكماء التوراة” تجمعهم صلات قرابة عائلية مباشرة، معتبرة أن هذه البنية الأوليغارشية تعزز الفساد والاحتكار.

اظهار أخبار متعلقة


وفي انتقادها للمجتمع الإسرائيلي الأوسع، تؤكد أبراهام أن النخبة السياسية العلمانية تتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية، لأنها – وفق رأيها – اختارت التعايش مع هذا الواقع مقابل المكاسب السياسية والائتلافات الحكومية. وتشير إلى أن أحزابًا حريدية مثل “شاس” و”ديغل هتوراه” و”أغودات يسرائيل” تحظى بقدرة هائلة على فرض شروطها بسبب حاجات الحكومات الإسرائيلية لأصواتها في الكنيست.

وتعتبر أن المجتمع الإسرائيلي قام بتطبيع أوضاع الفقر والتبعية داخل المجتمع الحريدي، وكأنها “خصوصية ثقافية” يجب قبولها، رغم أن هذه البيئة، بحسب وصفها، تدفع الآلاف إلى العيش في عزلة اقتصادية وتعليمية تجعلهم عاجزين عن مغادرة المنظومة حتى لو أرادوا ذلك.

وتضرب مثالًا بشخص يعيش في مستوطنة حريدية مثل “موديعين عيليت” ولديه ثمانية أطفال، ثم يقرر مغادرة المجتمع الحريدي، مشيرة إلى أنه غالبًا لن يمتلك الأدوات اللغوية أو المهنية أو الاقتصادية التي تمكنه من الاندماج في المجتمع الإسرائيلي العام، لأن المنظومة أبقته معتمدًا عليها بالكامل.

كما تتحدث عن التمييز داخل المدارس الحريدية، خاصة تجاه اليهود الشرقيين “المزراحيم”، مستذكرة تحقيقات صحفية كشفت عن رفض مدارس نخبوية لفتيات بناءً على أصولهن العرقية أو وضع عائلاتهن الاجتماعي. وتروي كيف تعرضت شخصيًا للإذلال عندما رُفض قبولها في المدرسة خلال طفولتها، معتبرة أن الدولة الإسرائيلية كانت تعلم بهذه الممارسات لكنها لم تتدخل فعليًا لوقفها.

وتقول أبراهام إن ما يجري هو نوع من “الاستعمار الداخلي”، حيث تتحالف النخب الحريدية والعلمانية للحفاظ على الوضع القائم: النخبة الحريدية تدير مجتمعها المغلق وتضمن أصواته الانتخابية، بينما تستفيد النخبة السياسية الإسرائيلية من هذا الولاء السياسي الثابت.

وتنتقد كذلك مظاهر الثراء التي يتمتع بها بعض قادة الحريديم، مشيرة إلى أن كثيرًا منهم يعيشون حياة مترفة ويسافرون حول العالم، في وقت يغرق فيه جمهورهم في الفقر والاعتماد على الإعانات. وتقول إن هؤلاء القادة لا يخشون أي تغيير جذري، لأن مصالحهم الاقتصادية وشبكات نفوذهم محمية لأجيال قادمة.

وفي ختام رؤيتها، تؤكد أبراهام أن المجتمع الإسرائيلي ينظر إلى القيادات الحريدية بوصفها ممثلة لجمهورها والمدافعة عن حقوقه، بينما ترى هي أن هذه القيادات تمثل بالأساس مصالحها الاقتصادية والسلطوية، وأن عامة الحريديم هم في كثير من الأحيان ضحايا لهذه المنظومة المغلقة بقدر ما هم جزء منها.
التعليقات (0)

خبر عاجل