هل تدفع الحرب ضد إيران مجلس التعاون الخليجي للتماسك أم لمزيد من التشظي؟

يُظهر الصراع الحالي أن مجلس التعاون الخليجي لا يزال بعيداً عن الوحدة الحقيقية- الأناضول
يُظهر الصراع الحالي أن مجلس التعاون الخليجي لا يزال بعيداً عن الوحدة الحقيقية- الأناضول
شارك الخبر
رغم تصاعد التوترات في المنطقة، يغيب مجلس التعاون الخليجي عن طاولة المفاوضات بين أمريكا وإيران، إذ تأثر أعضاؤه بشدة بنزاع قالوا إنه لم يكن لهم يد فيه، وهو ما بات يعرض تماسكهم الاستراتيجي لاختبارات قاسية جراء الحرب.

على مدار الأسابيع الخمسة التي سبقت وقف إطلاق النار، قدّمت دول الخليج - على الأقل علناً - جبهة موحدة، أدانت فيها جميعاً الضربات الإيرانية على البنية التحتية العسكرية والمدنية على أراضيها.

ولكن بحسب المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI)، فإن وراء هذه المظاهر من التضامن، أجواء متوترة، حيث تطغى الانقسامات الداخلية على دول مجلس التعاون الخليجي بشأن كيفية التعامل مع الأزمة وشكل النظام الإقليمي ما بعد الحرب.

اظهار أخبار متعلقة


تُجسّد التطورات الأخيرة هذا الأمر بوضوح: ففي 28 نيسان/أبريل، اجتمع ممثلو دول مجلس التعاون الخليجي في مدينة جدة، بالمملكة العربية السعودية، في أول قمة حضورية لهم منذ اندلاع الحرب على إيران.

وهي مناسبة وصفها أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني بأنها تُجسّد "الموقف الخليجي الموحد" تجاه الحرب، إلا أنه في وقت لاحق من ذلك اليوم، أعلنت الإمارات قرارها بالانسحاب من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك).

ورغم أن هذا القرار كان متوقعاً منذ فترة طويلة، إلا أن توقيته يُشير إلى تحوّل نحو مزيد من الاستقلالية الاستراتيجية وسط تصاعد المخاطر الجيوسياسية، وتفاقم الخلاف مع المملكة العربية السعودية، القائد الفعلي لمنظمة أوبك. 

الخطوة الإماراتية فاقمت الانقسامات

وبينما امتنعت دول مجلس التعاون الخليجي حتى الآن إلى حد كبير عن تبني نهج هجومي في خضم الحرب، فقد أدت الخطوة الإماراتية إلى تفاقم الانقسامات القائمة في مواقفها تجاه جهات فاعلة إقليمية رئيسية مثل إيران ودولة الاحتلال.

وقد تبنت الإمارات العربية المتحدة - الدولة الأكثر تضرراً من الرد الإيراني - موقفاً أكثر تصادمية تجاه طهران، وانحازت بشكل أكثر وضوحاً إلى الولايات المتحدة و"تل أبيب"، التي يُقال إنها زودت أبوظبي أيضاً ببطارية صواريخ اعتراضية من منظومة القبة الحديدية.

من جهة أخرى، تنظر السعودية إلى إيران باعتبارها تهديداً استراتيجياً، كما تنظر إلى دولة الاحتلال كمصدر لعدم الاستقرار الإقليمي. ولذلك، فقد تبنت موقفاً وُصف بأنه "أكثر توازناً"، إذ حافظت على علاقات دبلوماسية مع طهران وانضمت إلى جهود الوساطة إلى جانب مصر وتركيا وباكستان. 

وعلى الرغم من هذه الاختلافات، فإن الحاجة إلى مزيد من التعاون الخليجي أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. وتُدرك جميع دول الخليج بشكل متزايد عدم إمكانية تفويض الأمن الإقليمي إلى الولايات المتحدة، كما لا يمكن لاقتصاداتها أن تبقى عرضة للصدمات الناجمة عن الحروب.

ومع تزايد هذه التحديات، بات البحث عن شراكات استراتيجية أكثر موثوقية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. وفي هذا السياق، يمكن أن يلعب التعاون الوثيق بين دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي دوراً محورياً في تعزيز الاستجابات المشتركة للأزمات.

احتياجات أمنية مشتركة

بعد أسابيع من الوقوع في معضلة أمنية، وهي إما الدفاع عن النفس أو شن هجوم مضاد، اختارت دول الخليج ضبط النفس، مركزةً على الدفاع الجوي لتحييد طائرات إيران المسيرة وصواريخها.

وبنفس المنطق، عملت على تفعيل ممرات الطوارئ والجسور البرية، متجاوزةً مضيق هرمز قدر الإمكان، دون اختبار الحصار. وكان لدور السعودية المحوري في مجلس التعاون الخليجي دافعٌ أساسي في بناء أرضية مشتركة وسط المواقف المتباينة.

مع ذلك، كلما طالت الأزمة، ازداد احتمال مواجهة دول الخليج صعوبات في التوفيق بين التفسيرات الدقيقة للأمن الإقليمي (دور الولايات المتحدة) والتحالفات (دولة الاحتلال)، رغم تشابه احتياجاتها الأمنية.

استقلال إماراتي في زمن الحرب

يعكس قرار الإمارات العربية المتحدة بالانسحاب من "أوبك وأوبك+" في هذه المرحلة إعادة تقييم استراتيجية، وليس سعياً وراء مكاسب فورية.

فبعد مرور أكثر من شهرين على حرب إيران، أعطت أبوظبي الأولوية لاستقلاليتها السياسية وسط تصاعد المخاطر الجيوسياسية، لا سيما الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز.

ومن خلال التحرر من قيود الحصص، تُعزز الإمارات قدرتها على تعديل الإنتاج، وإدارة الإيرادات، والاستجابة للتقلبات.

كما يُشير هذا القرار إلى رغبتها في فصل سياسة الطاقة عن ديناميكيات التكتل في ظل الضغوط، ورغم أن الفوائد قصيرة الأجل قد تكون محدودة، إلا أن هذه الخطوة تُمكّن الإمارات من التصرف بحزم واستقلالية في مرحلة ما بعد الأزمة.

سياسات أبوظبي تتحدى النفوذ السعودي

كان رد فعل المملكة العربية السعودية حذراً وسرياً نسبياً على قرار الإمارات العربية المتحدة بالانسحاب من منظمة أوبك وتحالف أوبك+، متجنبةً أي مواجهة علنية حفاظاً على الاستقرار الإقليمي ومظهر الوحدة داخل المنظمة.

ومن غير المرجح أن تنظر الرياض إلى هذه الخطوة على أنها تحدٍ مباشر لقيادتها لمنظمة أوبك، لكنها ستحتاج إلى إدارة أي مؤشرات أخرى على الاستياء بين الأعضاء بعناية، لا سيما فيما يتعلق بالدول التي تتجاوز حصص الإنتاج وتقوض الانضباط الجماعي.

وبينما ستواصل المملكة مساعيها لتعزيز التماسك داخل المجموعة، فإن انسحاب الإمارات يُضعف استراتيجية الرياض الرامية إلى الحفاظ على ارتفاع أسعار النفط من خلال ضوابط الإنتاج المنسقة، ويُنظر إلى سياسات أبوظبي المستقلة بشكل متزايد على أنها تحدٍ استراتيجي أوسع للنفوذ السعودي.

المصالح الوطنية هي السائدة

تدفع الأزمة دول مجلس التعاون الخليجي بطبيعة الحال نحو نهج أكثر جماعية لأمن الطاقة. إلا أنه عملياً، لا تزال كل دولة تسعى إلى حماية اقتصادها بشكل مستقل، على الرغم من أن الاستجابة المنسقة تبدو سهلة نسبياً.

فعلى سبيل المثال، يمكن أن يشمل ذلك تنظيم عمليات تبادل لموارد الطاقة بين الدول التي لا تملك القدرة على تجاوز مضيق هرمز - مثل الكويت والبحرين وقطر - والدول التي تمتلك هذه القدرة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

ومن شأن هذه الترتيبات أن تسمح بالحفاظ على مستوى معين على الأقل من صادرات النفط والغاز للدول التي أصبحت معزولة فعلياً. ومع ذلك، فإن هذا يعني أيضاً أن الدول التي تتمتع بوصول مباشر إلى الأسواق الدولية ستضطر إلى التضحية بجزء من قدرتها التصديرية، وهو أمر غير مستعدة له.

بدلاً من ذلك، تسعى كل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي فعلياً إلى "إنقاذ نفسها"، والاستفادة، حيثما أمكن، من حقيقة أن الأزمة أثرت على أعضاء المجلس بشكل غير متساوٍ.

من هذا المنظور، يُظهر الصراع الحالي أن مجلس التعاون الخليجي لا يزال بعيداً عن الوحدة الحقيقية، مع الإقرار بوجود بعض المحاولات للتنسيق، لا سيما على أساس ثنائي.

اختلافات في استراتيجيات الأمن الإقليمي

سعت دول الخليج إلى تنسيق الدفاع المشترك وتسريع مشاريع البنية التحتية المشتركة، لا سيما في قطاعي النقل والطاقة، إلا أن التوافق بشأن الأمن الإقليمي غائب وسط تباين سياساتها.

إذ تُعزز الإمارات العربية المتحدة علاقاتها الاستراتيجية مع دولة الاحتلال، بينما تسعى عُمان إلى إيجاد حل خليجي مع إيران.

اظهار أخبار متعلقة


أما "النهج الثالث" الذي تنتهجه السعودية، والذي يدعو إلى خفض التصعيد مع تعزيز الردع من خلال تحالف سني أوسع مع باكستان وتركيا ومصر، فيبدو أنه يستهدف طهران، وكذلك تل أبيب، باعتبارهما مصدرين رئيسيين للاضطراب الإقليمي.

وقد برزت هذه الاستراتيجيات المتباينة نحو تحقيق النظام الإقليمي قبل الحرب الحالية، ويبدو أنها تؤكدها الآن.
التعليقات (0)