سلطت مجلة "
فورين
بوليسي" الضوء على مصير ما وصفته
التنمية في دول
الخليج، بعد تهور الرئيس الأمريكي
دونالد ترامب وتنفيذه عمليات عسكرية ضد
إيران، دون دراسة مآلاتها وتداعياتها على
المنطقة.
ونشرت المجلة مقالا لستيفن
كوك، الزميل في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، قال إنه بدأ حياته في البحث العلمي،
في كل من القاهرة ودمشق وإسطنبول ورام الله، مضيفا أن "هذه مدن عريقة وغنية
التاريخ وتتمتع بتأثير سياسي أو كليهما".
وتابع: "أما مدن
الخليج فقد ظلت اهتمامات جانبية، ومن الأفضل تركها للباحثين الأوروبيين من
أصحاب الاهتمامات الخاصة، ممن يقضون أوقاتهم في دراسة أنساب القبائل والعشائر
المختلفة في شبه الجزيرة العربية. و "بالنسبة لي، كان هذا النوع من العمل
أسوأ حتى من مشاهدة مباراة".
إلا أن الكاتب وجد نفسه
أثناء العقد الماضي في الخليج أكثر مما كان يتخيل، وقال: "لا تفهموني خطأ، ما
زلت أفضل القاهرة القديمة على الدوحة النظيقة والمكيفة بشكل مفرط".
واستدرك قائلا: "دول
الخليج وبخاصة السعودية والإمارات وقطر أصبحت أكثر إثارة للاهتمام من أي وقت
مضى، ذلك لأنها، بدرجات متفاوتة، تبذل جهودا واسعة لإعادة بناء اقتصاداتها
ومجتمعاتها".
اظهار أخبار متعلقة
وكما أكد االرئيس دونالد
ترامب، خلال زيارته للمنطقة في أيار/ مايو الماضي، يمكن القول إن هناك نموذجا
تنمويا خليجيا. إلا أن
الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية
حول هذا النموذج.
وإذا ما دلت المؤشرات
الأولية للمناورات الدبلوماسية على شيء، فقد يخرج الإيرانيون بنفوذ أكبر في مضيق
هرمز من أي وقت مضى. وستحتفظ طهران بالقدرة على تهديد جيرانها بالصواريخ والطائرات
المسيرة.
وأضاف كوك أن النموذج
التنموي الذي تبنته دول الخليج الكبرى كان يهدف إلى استقطاب الكفاءات والمستثمرين
إلى مدن مثل دبي، وأبوظبي والدوحة والرياض، وذلك في إطار جهد واسع النطاق للتنويع
الاقتصادي.
ويشمل هذا إنشاء مراكز
للتكنولوجيا المتقدمة والخدمات اللوجستية والتعليم العالي والسياحة والرياضة
والترفيه. وترتكز هذه التنمية على الاستقرار السياسي والأمن الإقليمي. وقد حققت
دول الخليج الاستقرار السياسي، إذ من المرجح أن يستمر حكم ولي العهد السعودي
الأمير محمد بن سلمان ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل
نهيان وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني لسنوات عديدة.
أما فيما يتعلق بالأمن، فقد
بدا أن وجود القواعد العسكرية الأمريكية، يساهم في كبح التوترات الإقليمية.
وبعد هجوم السابع من أكتوبر
2023 والحرب التي تلته في غزة، بات من الممكن رؤية وجهين للشرق الأوسط. دول
الخليج، التي لم تتأثر إلى حد كبير بالصراع متعدد الجبهات الذي أعقب ذلك، حيث
واصلت مساراتها التنموية الخاصة. فبينما كان الإسرائيليون يشنون هجماتهم على غزة،
ويلجأون إلى الملاجئ الآمنة هربا من صواريخ الحوثيين ويغتالون قيادة حزب الله، ضخت
دول الخليج أموالا طائلة في مشاريع ضخمة واستقطبت كبرى شركات التكنولوجيا العالمية
واستخدمت صناديقها السيادية الهائلة للاستثمار في قطاعات استراتيجية (وأخرى أقل
استراتيجية) في الداخل والخارج.
اظهار أخبار متعلقة
وفي الوقت الذي كانت فيه
دول أخرى تخوض صراعات قديمة، كانت دول الخليج تمضي قدما في البناء. وبالنسبة لمحمد
بن سلمان، ومحمد بن زايد، والأمير تميم، لم تكن الصراعات في مناطق أخرى من الشرق
الأوسط لتعرقل خططهم التنموية.
وعندما هاجمت إسرائيل
والولايات المتحدة إيران في حزيران/ يونيو 2025، خرجت دول الخليج من الحرب التي
استمرت 12 يوما سالمة نسبيا. فقد استهدف الإيرانيون قاعدة العديد الجوية
الأمريكية، الواقعة على بعد حوالي 25 ميلا غرب الدوحة، لكنهم لم يلحقوا بها سوى
أضرار طفيفة. ومع ذلك، بدا أن السعودية والإمارات وقطر باتت تدرك قدرات إيران
ونواياها أفضل بكثير من ترامب.
ومع اتضاح أن جولة أخرى من
الحرب باتت وشيكة، أوضح قادة دول مجلس التعاون الخليجي لإيران أنهم ليسوا طرفا في
أي شيء تخطط له الولايات المتحدة وإسرائيل.
إلا أن ذلك لم يحدث فرقا،
ففي الأشهر الفاصلة بين حرب حزيران/ يونيو 2025 وعمليتي "الغضب الملحمي"
و"الأسد الهادر"، وضع الإيرانيون خطة لضرب جيرانهم وتهديد إمدادات
الطاقة العالمية.
وعلى مدى الأسابيع الخمسة
الماضية، انتقلت الحرب إلى الخليج: فقد تعرض الإماراتيون لهجمات أكثر من إسرائيل،
حيث وجه الإيرانيون نيرانهم نحو البنية التحتية للطاقة وقطاع التكنولوجيا في
الإمارات. وشن الحرس الثوري هجمات على مراكز الطاقة والبيانات في البحرين وتعرضت
منشآت النفط الكويتية لأضرار بالغة، كما لحقت أضرار جسيمة بمنشأة رأس لفان القطرية
الهامة وأصبحت خطوط الأنابيب ومصافي النفط السعودية أهدافا إيرانية متكررة.
وبالمجمل، أطلق الإيرانيون آلاف الصواريخ والطائرات المسيرة على دول مجلس التعاون
الخليجي.
وأضاف كوك أن بنود وقف
إطلاق النار وخطة السلام الإيرانية ذات النقاط العشر التي تدعي الإدارة الأمريكية
أنها تتفاوض بشأنها، لا تبشر بخير بالنسبة لدول الخليج.
ففي بيان لوزير الخارجية
الإيراني على وسائل التواصل الاجتماعي، الذي أعلن فيه عن اتفاق وقف إطلاق النار،
برزت عبارة واحدة: "سيكون المرور الآمن عبر مضيق هرمز ممكنا بالتنسيق مع
القوات المسلحة الإيرانية، مع مراعاة القيود التقنية".
ورغم تأكيدات ترامب بأن
طهران وافقت على حرية الملاحة، لا يبدو أن قادة إيران سيتخلون بسهولة عن نفوذهم
الجديد على الممر المائي. فالنقطة الثانية من النقاط العشر الإيرانية تطالب بأن
تحتفظ إيران بالسيطرة على المضيق. ومن شأن نظام الرسوم، الذي يبدو أن ترامب منفتح
على دراسته، أن يفيد النظام الإيراني ماليا، مما يزيد الأمور سوءا بالنسبة لدول
الخليج.
فقبل اندلاع الحرب في 28
شباط/ فبراير، كانت سيطرة إيران، كليا أو جزئيا، على المضيق مجرد افتراض وذريعة
للحرب.
أما الآن، فقد أصبحت هذه
السيطرة واقعا، وإذا نجحت طهران في ترسيخ موقفها، فستكون دول الخليج إما معتمدة
على حسن نية إيران أو مجبرة على دفع أموال (أو بيتكوين) لدولة أطلقت عليها صواريخ
وطائرات مسيرة بشكل متواصل لمدة خمسة أسابيع.
وغني عن القول، سيظل جيران
إيران على الجانب الغربي من الخليج عرضة لصواريخها وطائراتها المسيرة. حتى بعد
إعلان وقف إطلاق النار، استمر الإيرانيون في إطلاق النار، على ما يبدو بسبب
استمرار الإسرائيليين في قصف لبنان.
وهذا التهديد يفسر سبب
نصيحة بعض قادة الخليج لترامب بإتمام المهمة. لكنه لم يفعل، ونتيجة لذلك، تضررت
الصورة النمطية عن الخليج كبيئة جاذبة للأعمال والاستثمار.
ويتساءل الكاتب، ما العمل
الآن؟
وأجاب أن وقف إطلاق النار
هش، لذا يبقى احتمال عودة الولايات المتحدة إلى القتال المكثف وإضعاف موقف إيران
قائما، ما قد يحل المشاكل التي تواجهها دول الخليج حاليا. لكن هذا يبدو مستبعدا.
ويبدو أن ترامب مصر على التمسك بالوهم القائل بأن تغيير النظام قد حدث في طهران
وأن قادة البلاد الجدد مستعدون للتسوية.
وهذا لا يترك أمام قادة
الرياض وأبوظبي والدوحة خيارا سوى تغيير خططهم التنموية وتخصيص موارد لتعزيز أمن
مدنهم وشراء المزيد من المعدات الدفاعية. بل قد يلجأون إلى أسلوب تحوط مع بيجين
كما فعلوا في العقد الماضي، عندما أعلنت الولايات المتحدة عن خطط للإنسحاب
من الشرق الأوسط والتوجه نحو آسيا. حينها، عززت دول الخليج علاقاتها الاقتصادية مع
الصين ورحبت بقادة الصين في المنطقة بحفاوة بالغة وبحثت إمكانية الحصول على أسلحة
من بيجين. ومهما يكن، سيستغرق الأمر وقتا طويلا قبل أن تتعافى دول الخليج من تهور
الولايات المتحدة.