وسط أزمة طاقة محلية وعالمية بفعل الحرب على إيران، فاجأت وزارة البترول
المصرية وشركة "إيني" الإيطالية، المصريين، بالإعلان الثلاثاء الماضي، عن "كشف بترولي" بخليج السويس، و"حقل
غاز" قرب السواحل المصرية بالبحر المتوسط.
الكشف البترولي وفق المُعلن من بيانات، حفرته شركة بترول خليج السويس "جابكو"، وفي شراكة بين الهيئة المصرية للبترول وشركة "دراجون أويل" الإماراتية، ويقدر بنحو 2500 برميل زيت يوميا، و3 ملايين قدم مكعب غاز يوميا.
أسفر الكشف الثاني، عن حقل "دينيس دبليو 1"، بامتياز "التمساح" بالبحر المتوسط على بعد 70 كيلومترا من سواحل بورسعيد، كاشفا عن احتياطيات بنحو تريليوني قدم مكعب من الغاز، و130 مليون برميل من المكثفات المصاحبة على عمق 95 مترًا.
في توقيت صعب
على الفور تبادر إلى أذهان المصريين السؤال، حول قدرة الاكتشافات الجديدة في تغيير خريطة إنتاج وتكلفة استيراد واستهلاك الطاقة في مصر، والتي تضاعفت فاتورتها ضعفين خلال "حرب إيران" منذ 28 شباط/فبراير الماضي ولمدة 40 يوما حتى عقد هدنة مؤقتة 15 يوما الثلاثاء الماضي.
وارتفع سعر شحنة الغاز من 48 إلى 80 مليون دولار، كما تضاعفت فاتورة الطاقة لـ2.5 مليار دولار في آذار/ مارس الماضي، من 1.2 مليار دولار في كانون الثاني/يناير، ما جعل أزمة مصر تتعدى توفير نقص الإمدادات إلى توفير تكلفة استيراد بالنقد الأجنبي، ما يزيد الضغوط على احتياطيات البلاد من العملات الأجنبية.
اظهار أخبار متعلقة
وزادت قيمة واردات مصر من الوقود بنحو 14 بالمئة إلى مستوى 5.5 مليار دولار بالربع الأول من العام الجاري، مقابل 4.8 مليار دولار في الفترة المماثلة من العام الماضي، فيما استحوذت واردات آذار/مارس الماضي وحده بالتزامن مع "حرب إيران" على 45 بالمئة من إجمالي الفاتورة.
ويجيء خبر اكتشاف البئر البترولي وحقل الغاز، في ظل فرض مصر قرارات تقشف واسعة بملف الطاقة بدأتها برفع أسعار الوقود بكافة أنواعه بين 14 و30 بالمئة منذ 10 آذار/مارس الماضي، ورفع أسعار ركوب القطارات ومترو الأنفاق بعدها بـ17 يوما، ثم رفع بعض شرائح استهلاك الكهرباء، مع تطبيق قرار غلق المحال التجارية من التاسعة مساء إلى جانب التقشف الحكومي وخفض الأنوار بالشوارع منذ 28 آذار/مارس الماضي.
أهمية الاكتشافين
وتتواصل الأنباء عن تعاقدات جديدة مع شركاء أجانب للبحث والتنقيب وحفر آبار غاز ونفط جديدة، ومنح الشركاء الأجانب مناطق امتياز جديدة، بينها ما أُعلن الأسبوع الجاري عن تفاوض "شيفرون" الأمريكية، ووزارة البترول للاستثمار في 3 مناطق استكشافية جديدة، مع عزم الشركة حفر بئر جديدة بحقل "نرجس" للغاز بالبحر المتوسط بالتعاون مع "إيني".
وفي بيان إنشائي في أغلبه خال من التفاصيل، قالت وزارة البترول المصرية، إن الكشف الجديد يدعم زيادة الإنتاج وتعويض التناقص الطبيعي وخفض فاتورة الاستيراد، مبينا أن أعمال تجهيز البئر للاختبار وتحديد معدلات الإنتاج، جارية، وأنه مقرر وضعه على خريطة الإنتاج عقب استكمال أعمال إنشاء منصة إنتاج بحرية وحفر آبار تقييمية وتنموية، دون تحديد أي موعد زمني لربط الحقل بالشبكة القومية للغاز، ولا نصيب مصر المحتمل من الإنتاج.
وبحسب موقع "إيكونومي بلس"، فإن "حقل الغاز الجديد قد ينتج نحو 200 مليون قدم مكعب يوميًا وهو ما يمثل قرابة 2 بالمئة من احتياجات مصر من الغاز"، ما يعني وفق قراءة خبراء أنه لن يكون المنقذ السريع والعاجل لأزمة الطاقة التي تعيشها مصر والتي تزايدت بفعل الحرب، والتي من المحتمل تفاقمها مع امتدادها لأشهر الصيف الذي ترتفع فاتورة استهلاكه بشكل خاص.
وبينما تراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعب يومياً ما يقابله احتياجات تصل 6.2 مليار قدم مكعب، وترتفع إلى 7.2 مليار خلال الصيف؛ أصبحت مضطرة لاستيراد 15 شحنة غاز مسال الشهر الجاري لتعويض نقص إمدادات الغاز من إسرائيل التي توقفت مع "حرب إيران" مدة 34 يوما.
كذلك تسعى القاهرة لشراء 130 شحنة من حزيران/يونيو المقبل بـ11 مليار دولار؛ وذلك برغم عودة إمدادات الغاز الطبيعي من إسرائيل البالغة حوالي 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا إلى مصر لمستويات ما قبل حرب إيران، ما يضغط على قيمة الجنيه المصري المتراجعة بمقابل الدولار بنحو 14 بالمئة خلال الشهر الماضي.
بين التفاؤل وحقيقة الأرقام
ونال خبر الاكتشافين تغطية واسعة بالصحافة والفضائيات المصرية، التي تناولتها بشكل دعاية إيجابية لمستقبل أفضل في ملف الطاقة ومماثلة لما صدر عنهما مع اكتشاف حقل ظهر عام 2015، والذي لم يحقق المعلن حوله حينها حول الاكتفاء الذاتي لمصر من الغاز، وتحويلها إلى مركز إقليمي لتصدير الطاقة.
ويلفت المتفائلون بالحقل الجديد في منطقة "دينيس – ١" بأن قربه من السواحل المصرية وحاجته فقط لنحو 70 كيلومتر خط بحري كفيلة بوضعه سريعا على خريطة الإنتاج ودخوله إلى الشبكة القومية المصرية للغاز، ملمحين إلى أن اتفاقية اقتسام الإنتاج تخضع لتكلفة الاستكشاف والإنتاج التي يتوقعونها أقل من حقل "ظُهر"، بكثير.
وتكشف قراءة الأرقام أن الاحتياطيات المعلنة بحقل الغاز المكتشف والبالغة تريليوني قدم مكعب من الغاز، أقل بكثير جدا من المعلن حول احتياطيات حقل "ظُهر" المقدرة وقت اكتشافه بـ30 تريليون قدم مكعب ما يعني 15 ضعفا للحقل الجديد، قبل أن يتضرر الحقل ويتراجع إنتاجه، وتجرى محاولات لاستعادة طاقته الإنتاجية.
كما أن المعلن من احتياطيات الحق المصري الجديد أقل بكثير من قدرة حقلي "ليفياثان"، و"تمارا"، الذين تستورد منهما مصر الغاز والتي تصل على التوالي 22 و11 تريليون قدم مكعب.
كذلك فإن تزامن الإعلان عن الكشفين مع توجه الحكومة المصرية الأسبوع الجاري، لدفع الشركاء الأجانب لزيادة الإنتاج بقرارها زيادة حصصهم في اتفاقيات "اقتسام الإنتاج" بحقول الغاز الطبيعي الجديدة إلى 25 بالمئة بعد استرداد التكاليف، مقابل 15 بالمئة سابقا، ما يعني تقليص حصة البلاد بتلك الحقول بنسبة 10 بالمئة، وبينهما الحقلين الجديدين.
ما يقلل وفق محللون، من أهمية الاكتشافين في "تحقيق الوفرة المطلوبة لمصر من إنتاج الغاز لتلبية الاستهلاك المحلي أو الاعتماد عليه وقت أزمات توقف ضخ الغاز من دولة
الاحتلال الإسرائيلي وفق عقد جرى إعلانه في كانون الأول/ديسمبر 2025، بقيمة 35 مليار دولار لتوريد 130 مليار قدم مكعب من الغاز حتى عام 2040".
وهو ما دفع مراقبين بينهم السياسي المصري محمد عوض، لطرح السؤال: مع كون اكتشاف الغاز عمل مشترك بنسبة 50 بالمئة لكل من "إيني" الإيطالية و"بي بي" البريطانية، وفق بيان الشركة الإيطالية: "كم تبلغ حصة مصر في الحقل؟، وهل لها دور في التشغيل ما يزيد من حصصها وعوائد الإنتاج؟، وكم كانت تكاليف الاكتشاف؟، وهل سيتم سداد هذه التكاليف قبل البدء في تقسيم عوائد الإنتاج؟".
لن يوقفا ارتفاع الأسعار
وفي تقديره لأهمية الاكتشافين في تقليل فاتورة الطاقة على مصر والمصريين، قال الأستاذ الزائر في
الاقتصاد بجامعة ميشيغان الدكتور رضا نجيب، إن الخلاصة في ملف الطاقة أن "أسعار الغاز في مصر ستزيد"، رغم ما يثار عن تلك الاكتشافات، موضحا أن "كلمة اكتشاف في مصر معناها زيادة الأسعار وليس تخفيضها".
وأقر نجيب، ما يثيره مراقبون حول "التعامل الحكومي مع ملف الغاز وأن به الكثير من الغموض والتلاعب والتكسب والتربح"، قائلا: "بالطبع"، موضحا أن "معظم البيانات (الحكومية) مفادها أن القادم أحسن؛ ولكن الواقع كثيرا ما يختلف عن ما يعلنون".
وذهب للتأكيد على صحة ما يردده البعض حول وجود "تربح وتكسب من جهات عليا من ملف الغاز"، مؤكدا أنه "وبالطبع كبار قادة القوات المسلحة سيكون لهم النصيب الأكبر في العمولات والتربح الخفي".
وضع متردي رغم الاكتشافات
وفي قراءته، قال الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي، إن "الحديث عن وجود اكتشافات بترولية في مصر متكرر ودائم، ولكن يلاحظ أنه مع تتابع تلك الاكتشافات ما زالت أزمة الطاقة قائمة".
اظهار أخبار متعلقة
ويلفت الصاوي، في حديثه لـ"عربي21"، إلى "صعوبة الحديث في ملف الطاقة بمصر"، موضحا أن "ما يُعلن عنه من تعاقدات أو اكتشافات تظل عقوده بعيدة عن الشفافية سواء عن الجهات الرقابية أو المجتمع المدني".
ولذا يعتقد أننا "بالتالي أمام مجموعة من الأخبار لا يُعلم مدى مصداقيتها، لا تجيب عن تساؤلات مثل: متى تبدأ خطوات التنفيذ؟، وكيف تستفيد مصر من تلك الاكتشافات؟، ومتى تساهم الحقول أو الآبار والاكتشافات الجديدة في سد جزء من احتياجات مصر من الطاقة؟".
ضبابية الشريك الأجنبي
الخبير المصري، أعرب عن أسفه من أن "الحكومة حريصة على الضبابية فيما يتعلق بالبيانات، وخاصة ما يخص حصة الشريك الأجنبي في اكتشافات الغاز والبترول وحقولهما".
وأوضح أن "الصادرات
النفطية المصرية المعلنة من قبل البنك المركزي في ميزان المدفوعات تتضمن حصة الشريك الأجنبي، وذلك بناء على توصيف صندوق النقد الدولي بأن كل الصادرات التي تخرج من بلد معين تُحسب لصالح هذا البلد بغض النظر عن أن مصدرها مواطنين أم أجانب".
وبين أنه "فيما قبل كان البنك المركزي في تقريره السنوي يشير إلى حصة الشريك الأجنبي بنسبة محددة؛ أما الآن فتُذكر تلك الحصة في سطور بهامش التقرير المالي الشهري لوزارة المالية، فحينما يتحدث عن مكونات الإنتاج المحلي الإجمالي في إطار صادرات السلع والخدمات يُكتب في الهامش أنها تتضمن حصة الشريك الأجنبي في النفط، دون تفاصيل".
وخلص للقول: "لذلك تكاد تكون الأخبار الخاصة بوجود شراكات جديدة واكتشافات بترولية أو غاز جديدة هي والعدم سواء؛ لأننا هنا نتحدث عن حصص لشركتين ضاربتين بجذورهما في التعامل مع مصر وهما (إيني) الإيطالية، و(بي بي) البريطانية، ويحتكران كثيرا من الاكتشافات والعمل بمجال الطاقة في مصر".
"خداع" للمصريين؟
من جانبه، انتقد الصحفي ناجي عباس، نشر أنباء الاكتشافين الجديدين دون تفاصيل، مؤكدا أن الأمر فيه خداع للمصريين، موضحا أن الحقلين لن يجعلا مصر أغني من الإمارات، ولا يقللا أسعار البنزين والغاز، ولن يساهما في تقليل الضرائب على المصريين ولا تحقيق الرفاهية كما وصفهما الإعلام في مصر.
وأضاف: "الحكومة كعادتها، لم تنشر تفاصيل عقد الامتياز الخاص بتمساح، لكن بناءً على نظام مشاركة الإنتاج المعمول به في العقود المصرية البترولية، يتوجب أن تسترد الشركات (إيني) و(بي بي) تكاليف الحفر والتطوير والاستكشاف أولاً من الإنتاج".
وتابع: "وما يتبقى من إنتاج يُوزَّع بين الطرفين، وبناءً على عقود مماثلة كحقل ظهر وغيره تتراوح الحصة الفعلية لمصر تاريخياً بين 25 بالمئة و40 بالمئة فقط من الإنتاج"، متوقعا أن تكون حصة مصر من "تريليوني قدم مكعب إجمالاً، ما بين 500 و800 مليار قدم مكعب".
وأكد أن "مصر تدفع حالياً خدمةَ ديْن سنوية تتجاوز 42 مليار دولار، وأي عائد من الغاز سيذهب جزء كبير منه لسداد فوائد القروض المتراكمة، وليس لمشاريع تنمية أو خفض أسعار".
وخلال حكم رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، (2014- 2030)، ويشهد ملف الطاقة مشاكل وتباينات بين ما يجري الإعلان عنه وبين السياسات المطبقة على الأرض، وخاصة منذ اكتشاف حقل "ظهر"، ما أضر بالمصريين وتسبب في رفع أسعار الوقود والغاز والكهرباء دون توقف، وبالتالي رفع أسعار جميع السلع والخدمات.
من بين تلك المشاكل، ما كشفه نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، مدحت يوسف، لموقع "الموقع"، الاثنين الماضي، عن أخطاء حكومة بلاده في التعامل مع "ظُهر"، فيما دفعت خسارة مصر لإنتاج حقل "ظُهر" بعد الترويج له بأنه يحقق لمصر الاكتفاء الذاتي والتصدير للخارج، إلى استيراد الغاز من إسرائيل بعقدين عامي 2018 و2025، بلغت قيمة الأخير 35 مليار دولار.