عبد الهادي حميتو.. رحيل شيخ القراءات والدراسات القرآنية

عربي21
عربي21
شارك الخبر
شكل حالة نادرة بين العلماء والفقهاء في مجال القراءات والعلوم القرآنية. 

جمع بين التكوين التراثي العميق والدراسة الأكاديمية المنهجية، فكان من أبرز المتخصصين في علم القراءات، مع عناية واضحة بالفقه المالكي والحديث وعلوم العربية.

وهو أيضا شاعر أديب أريب، نعته المؤسسات العلمية في المغرب والعالم الإسلامي، ووصفه الناعون بأنه "ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء". وهي عبارة مأثورة عن السلف، أبرزهم الحسن البصري وابن مسعود، تعني أن رحيل العلماء الربانيين يترك فجوة في الدين لا تعوض.

ودع العالم الإسلامي قبل أيام العلامة عبد الهادي بن عبد الله بن إبراهيم حميتو، المولود في عام 1943، في قبيلة الشياظمة بنواحي مدينة الصويرة، إحدى الحواضر العريقة في جنوب المغرب الأقصى .

نشأ الشيخ عبد الهادي حميتو في بيئة بدوية محافظة، تولي العلم والدين، وحفظ القرآن الكريم مكانة رفيعة ومرتبة سامية وعالية، لذلك نهل العلم على يد معلمه الأول في هذه المرحلة والده الذي لقنه القرآن الكريم، فأتم حفظه وهو في السابعة من عمره، وهو ما يعكس فطنته ونبوغه وصفاء ذهنه وعقله.

رافق ذلك كله حفظه المتون الأساسية في الرسم والضبط والتجويد، مما وضع له لبنة صلبة في التخصص الذي سيعرف به لاحقا .

انتظم الشيخ بعد ذلك في التعليم الأصيل (العتيق) في المغرب، فقرأ المتون القديمة في اللغة العربية والفقه المالكي، قرأ القرآن الكريم بمسقط رأسه، وحفظ المتون المتعلقة به في الرسم والضبط والتجويد، كما قرأ المتون القديمة في العربية والفقه وغيرهما، وقرأ الفقه المالكي.

لم يكتف الشيخ حميتو بالتعليم التقليدي، بل سعى للجمع بينه وبين المناهج الأكاديمية الحديثة، فكانت محطاته الدراسية الأكاديمية بحصوله في عام 1972 على بكالوريوس من "كلية اللغة العربية" بمراكش، ثم دبلوم الدراسات العليا من "دار الحديث الحسنية" بالرباط، وكان عنونها "اختلاف القراءات وأثره في استنباط الأحكام"، تبعها في عام 1995 بشهادة دكتوراه الدولة في العلوم الإسلامية من "دار الحديث الحسنية"، وحملت عنوان "قراءة الإمام نافع عند المغاربة"، وكلتاهما كانتا تحت إشراف الدكتور التهامي الراجي الهاشمي الذي كان له أثر كبير في توجيه الشيخ نحو منهجية البحث المحقق.

اظهار أخبار متعلقة




واستغرق العمل في رسالة الدكتوراه خمس عشرة عاما، مما يعكس الدقة والعمق الذي تميز به منهج الشيخ في البحث.

أما تلاميذ حميتو فهم أفواج من الطلاب والباحثين في المغرب وخارجه، خاصة في ماليزيا وإندونيسيا، حيث انتشر علمه عبر مؤتمرات وزيارات علمية، كما أشرف على عشرات الرسائل الجامعية في كليات الشريعة وأصول الدين .

وعكست المناصب الرفيعة والمواقع التي شغلها الشيخ حميتو مكانته العلمية وثقة المؤسسات به، فقد ترأس لجنة مراجعة المصحف المغربي، وهي مهمة دقيقة تتطلب إمامة في القراءات والرسم العثماني. 

ورئيس الهيئة العلمية بمؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف. وأستاذ بمعهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية بالرباط. وعضو المكتب التنفيذي للرابطة المحمدية للعلماء بالرباط. وعضو دائم في الهيئة التأسيسية للهيئة العالمية لتحفيظ القرآن بجدة . ومحكّم في مجلات علمية محلية ودولية، ومشرف على عديد الرسائل الجامعية.

تميز الشيخ حميتو بغزارة الإنتاج وجودته، حيث جمع بين التأليف والتحقيق والبحث، ومن أهم مؤلفاته المطبوعة في مجال القراءات وعلوم القرآن: "قراءة الإمام نافع عند المغاربة من رواية أبي سعيد ورش" (7 مجلدات) و يعد هذا العمل المرجع الأهم في تاريخ القراءة النافعية بالمغرب .

وكتاب "زعيم المدرسة الأثرية في القراءات وشيخ قراء المغرب والمشرق: الإمام أبو القاسم الشاطبي"، و دراسة عن قصيدة "حرز الأماني"، و"معجم شيوخ الحافظ أبي عمرو الداني"،  و"معجم مؤلفات الحافظ أبي عمرو الداني" ، و "اختلاف القراءات وأثره في التفسير واستنباط الأحكام"، و"من جنايات التصحيف على علم المصحف الشريف" وهي دراسة نقدية في أخطاء النسخ والتصحيح .

أما في الفقه والتراث فقد ألف :"إسهام مالكية المغرب الأقصى في القراءات وعلوم القرآن"، و"حياة الكُتَّاب وأدبيات المحضرة: صور من عناية المغاربة بالكتاتيب والمدارس القرآنية" .

اتسم منهج الشيخ حميتو بعدة خصائص لعل من أهمها، الجمع بين النقل والتحقيق فهو لم لم يكن ناقلا فحسب، بل محققا ينقد وينقح ويصح، رابطا القضايا العلمية بسياقها التاريخي، خاصة في دراسة تطور القراءات بالمغرب.

ورغم تخصصه الدقيق، كان أسلوبه واضحا يصلح للمتخصص والعام، فكان مثالا للوسطية والاعتدال داعيا إلى فهم النصوص بفهم متزن، بعيد عن الغلو أو التفريط.

لم يكن الشيخ فقيها مقرئا فحسب، بل كان أديبا شاعرا، له قصائد رصينة في المدح النبوي، والحكمة، والرثاء، شهد لها الأدباء بالمتانة والجزالة، وكان عضوا في لجان تحكيم مسابقات التجويد الدولية، مما يعكس الثقة في تقييمه الأداء القرآني .

وافته المنية بعد مسيرة علمية حافلة امتدت لأكثر من ثمانية عقود، قضاها في خدمة الكتاب والسنة، وتدريس العلوم الشرعية، وتحقيق التراث، والإسهام في مراجع المصاحف الرسمية.

 لم يكن مجرد أستاذ جامعي أو باحث أكاديمي، وإنما كان مدرسة متكاملة جمعت بين أصالة التعليم ومنهجية البحث الحديث، نعاه عدد من العلماء والقراء والباحثين، مشيدين بمكانته العلمية ومنزلته في علم القراءات، والرسوخ في التحقيق العلمي، وإتقان الرواية والدراية، وتوثيق المدرسة المغربية في قراءة الإمام نافع.
التعليقات (0)