بابا الفاتيكان يضع ترامب أمام مأزق انتخابي (بورتريه)

عبر البابا عن رفضه القاطع لمظاهر العنف والظلم والأكاذيب التي يشهدها العالم- عربي21
عبر البابا عن رفضه القاطع لمظاهر العنف والظلم والأكاذيب التي يشهدها العالم- عربي21
شارك الخبر
اتسمت مسيرته في الكنيسة بأدوار بارزة وإنجازات لافتة.

ثاني "حبر أعظم" من الأمريكتين بعد البابا الراحل فرنسيس، والأول من رهبانية القديس أغسطينوس.

يعد شخصية مؤيدة لاستمرار إصلاحات البابا فرنسيس في الكنيسة الكاثوليكية، وثمة اعتقاد أنه كان يتبنى وجهات نظره بشأن قضايا المهاجرين والفقراء والبيئة.

يجد نفسه وسط هجوم، غير مسبوق وبطريقة تتوافق مع عقلية إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المنفلتة التي تقف وحيدة مع "تل أبيب"، على خلفية الحرب على إيران.

ولد روبرت فرانسيس بريفوست، ليو (ليون) الرابع عشر، في شيكاغو عام 1955، وينحدر من أصول فرنسية وإيطالية وإسبانية.

أكمل دراسته الثانوية في الإكليريكية الصغرى التابعة لرهبنة القديس أوغسطينوس في عام 1973. لاحقا حصل على شهادة جامعية في الرياضيات من جامعة فيلانوفا في بنسلفانيا في عام 1977، ودرجة الماجستير في اللاهوت من الاتحاد اللاهوتي الكاثوليكي في شيكاغو، فضلا عن شهادة جامعية ودرجة الدكتوراه في القانون الكنسي من الكلية الحبرية للقديس توما الأكويني في روما عام 1987، وكان عنوان أطروحته لنيل الدكتوراه "دور الرئيس المحلي في رهبانية القديس أغسطينوس".

وتعتبر الجزائر موطن القديس أوغسطين، أحد أعظم مفكري المسيحية، كان أسقف هيبون، عنابة حاليا، ورائد الفكر المسيحي، ويعد أحد أبرز آباء الكنيسة اللاتينية بعد القديس بولس، لذلك كانت الزيارة الأولى لبابا الفاتيكان للجزائر.

اظهار أخبار متعلقة


قرر بريفوست في عمر مبكرة أن يصبح كاهنا فانضم إلى رهبنة القديس أوغسطينوس في عام 1977 حيث نذر نذوره الأولى ثم نذر النذور الرهبانية الدائمة في عام 1981.
وفي مجال الكهنوت رُسم بريفوست كاهنا على يد رئيس الأساقفة جان جادوت من رهبنة الأوغسطينيين في روما في عام 1982. 

انضم بريفوست إلى البعثة الأوغسطينية في بيرو عام 1985، وشغل منصب مستشار الإقليم الكنسي في البيرو‏ ما بين عامي 1985 و1986.

قضى نحو عشر سنوات في إدارة المعهد الإكليريكي الأوغسطيني في تروخيو غرب البيرو. وعمل أيضا كقاض في المحكمة الكنسية الإقليمية وعضو في مجلس المستشارين في أبرشية تروخيو كما قاد الرعية في أطراف المدينة.

انتخب رئيسا إقليميا لرهبنة الأوغسطينيين في مقاطعة شيكاغو، الأمر الذي دفعه للعودة إلى الولايات المتحدة لتولي المنصب في عام 1999. وأعيد انتخابه لولاية ثانية مدتها ست سنوات في عام 2007. 
ومن عام 2013 إلى 2014، شغل منصب مدير التكوين في دير القديس أوغسطين في شيكاغو، بالإضافة إلى كونه المستشار الأول والنائب الإقليمي لمقاطعة "أمنا المشورة الصالحة"، التي تشمل منطقة الغرب الأوسط من الولايات المتحدة.

عين لاحقا عضوا في مجمع الإكليروس في روما في عام 2019، وفي عام 2020، عينه البابا فرنسيس عضوا في مجمع الأساقفة. وما بين عامي 2020 و2021، شغل منصب المدبر الرسولي لأبرشية كاياو في بيرو.

استدعاه البابا في عام 2023 إلى روما بصفته عميد مجمع الأساقفة ورئيس اللجنة البابوية لأمريكا اللاتينية، ورقاه إلى رتبة رئيس أساقفة. وفي مجمع الكرادلة من العام نفسه، عينه كاردينالا، ومنحه رتبة شماس سانتا مونيكا. 

وخلال الأشهر الأولى في منصب رئيس دائرة الأساقفة، حافظ بريفوست على حضور هادئ في وسائل الإعلام، إلا أنه بدا محط تقدير من خلال "قدرته على الاستماع وإلمامه بالتفاصيل".

قبل أن يستدعيه سلفه لرئاسة دائرة الأساقفة واللجنة البابوية لأمريكا اللاتينية، وفي هذه المرحلة اختار اسم ليو الرابع عشر واضعا نفسه في خط البابا ليو الثالث عشر الذي حكم ما بين عامي 1878 و 1903، واشتهر برسالته التي أرست أسس العقيدة الاجتماعية للكنيسة، من خلال تناولها لظروف العمال، والعدالة الاجتماعية، وحقوق العمال.

وفي هذه المرحلة أيضا أصبح بريفوست عضوا في سبع دوائر في الفاتيكان، بالإضافة إلى عضوية لجنة حكومة الفاتيكان، ما يبرز الثقة الكبيرة التي منحها له البابا فرنسيس، بالإضافة إلى تقديره العميق لمهاراته الإدارية، وفق موقع الفاتيكان.

ونظرا لأن 80 في المئة من الكرادلة الذين شاركوا في المجمع الانتخابي عينهم البابا فرنسيس، فإنه لم يكن من المفاجئ انتخاب شخص بريفوست لتولي موقع "الحبر الأعظم".

وانتخب ليكون "الحبر الأعظم" رقم 267 في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، وأسقف روما، في أيار/ مايو الماضي بعدما أطلقت المدخنة المقامة فوق كنيسة سيستين في الفاتيكان الدخان الأبيض في إشارة إلى نجاح اختيار البابا الجديد للكنيسة الكاثوليكية، وذلك في جولة ثانية للتصويت من جانب الكرادلة الناخبين  وعددهم 133 الذين التأموا في مجمع.

وفي أول خطاب له من شرفة كاتدرائية القديس بطرس، أطلق "نداء سلام" موجها إلى "جميع الشعوب". كما أعلن عن رغبته في "بناء جسور من خلال الحوار"، داعيا إلى "التقدم دون خوف، متحدين، يدا بيد مع الله ومع بعضنا البعض".

اظهار أخبار متعلقة


ويتحدث بريفوست الإنجليزية، والإسبانية، والإيطالية، والفرنسية، والبرتغالية، كما يمتلك معرفة جيدة باللغة الألمانية، ويجيد قراءة اللاتينية وخلال فترة إقامته في بيرو، تعلم أيضا إحدى لغات الكيشوا.
يصف نفسه بأنه "هاو نشيط" في لعبة التنس. ويعرف بشغفه بفريق "شيكاغو وايت سوكس" في دوري البيسبول الأمريكي، كما يبدي دعمه لرياضات جامعة فيلانوفا التي درس فيها.

ومع تسلم إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحكم في واشنطن وجد البابا نفسه أمام إدارة بلا ضوابط  وخارج المألوف وبلا قواعد في رغبتها في إشعال حرب ضد إيران.

ولم يتردد البابا، حتى وهو يحمل صفة كاردينالا، في انتقاد آراء نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس. وقال عنه في منشور: "جاي دي فانس مخطئ: يسوع لا يطلب منا تصنيف محبتنا للآخرين".

كما نشر على مواقع التواصل الاجتماعي ينتقد ترحيل إدارة ترامب لأحد المقيمين في الولايات المتحدة إلى السلفادور. 

وانتقد الحبر الأعظم تهديدات ترامب بـ"إبادة حضارة كاملة" في إيران حيث وصف هذه التهديدات بأنها "غير مقبولة على الإطلاق".

وبطبيعته المنفعلة والغاضبة سارع ترامب بالرد واصفا البابا بأنه "ضعيف في التعامل مع الجريمة، وسيئ للغاية في السياسة الخارجية"، مؤكدا رفضه لوجود بابا يرى أن امتلاك طهران السلاح النووي "أمر مقبول".

ووصلت الحملة الإعلامية إلى التشكيك في شرعية منصب البابا، حيث ألمح ترامب إلى أن الفضل في وصوله للفاتيكان يعود إليه شخصيا، قائلا بوضوح: "لو لم أكن في البيت الأبيض، لما كان ليو في الفاتيكان".

وفي أول رد صريح رفض البابا انتقادات ترامب، وعبر عن رفضه القاطع لمظاهر العنف والظلم والأكاذيب التي يشهدها العالم، مؤكدا أن "الله ليس مع الأشرار ولا مع المتسلطين ولا مع المتكبرين".

وزاد من حدة التوتر قيام ترامب بنشر على منصته "تروث سوشيال" صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي، تشبهه المسيح عليه السلام، قبل أن يحذفها لاحقا موضحا أنها أظهرته كطبيب يعالج الناس فقط.
وانتقد البابا توظيف الدين في النزاعات العسكرية، قائلا "حتى اسم الرب المقدس، إله الحياة، يزج به في خطابات الموت. كفى عبادة للذات والمال، وكفى استعراضا للقوة، كفى حربا".

وأعرب رئيس مؤتمر الأساقفة الكاثوليك في الولايات المتحدة بول كوكلي عن "خيبة أمل كبيرة" تجاه تصريحات ترامب، معتبرا أنها تمثل إساءة مباشرة للبابا وللمكانة الدينية التي يمثلها.

في المقابل، دافع نائب الرئيس جي دي فانس، الذي اعتنق الكاثوليكية حديثا، عن ترامب، قائلا إن الفاتيكان ينبغي أن يركز على القضايا الأخلاقية، ويترك السياسات العامة للحكومات.

وتتزايد داخل الحزب الجمهوري مخاوف من أن يؤدي هذا التصعيد إلى إضعاف دعم اليمين الديني لترامب، وهو أحد أهم قواعده الانتخابية التقليدية، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.

ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه الاقتصاد الأمريكي ضغوطا متزايدة، إلى جانب ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوترات مع إيران، ما يضيف بعدا اقتصاديا للأزمة السياسية.
واتفقت تقارير من "واشنطن بوست" و"أكسيوس" و"نيوزويك" على أن المواجهة بين ترامب والبابا تجاوزت خلافا عابرا.

وقالت إن ذلك تحول إلى أزمة متعددة الأبعاد، أخلاقية ودينية وسياسية، قد تنعكس مباشرة على الحسابات الانتخابية داخل الولايات المتحدة، خاصة مع حساسية الصوت الكاثوليكي.

الصدام بين البيت الأبيض والفاتيكان لم يعد مجرد خلاف دبلوماسي حول "الحرب العادلة"، بل تحول إلى زلزال سياسي يضرب القاعدة الانتخابية للرئيس ترامب وللحزب الجمهوري.

وصوت النشطاء الفاتيكان وفي مقدمتهم كاري بولر الناشطة الأمريكية وعضو سابق في لجنة الحريات الدينية بإدارة ترامب، بات يحدث إرباكا حقيقيا للجمهوريين ولترامب نفسه رغم نرجسيته المعهودة.
التعليقات (0)