أكاديمي وكاتب وسياسي يوناني يساري متخصص في الاقتصاد السياسي ونظرية الألعاب ونقد الرأسمالية الرقمية.
صاحب عدة مؤلفات في علم الاقتصاد، ويعرف بانتقاده لسياسات التقشف، والاقتصاد النيوليبرالي، وهيكلية منطقة اليورو.
شبهه إعلاميون بنجوم الروك، بملابسه الشبابية متمردا على ربطة العنق وبرأس حليق، ونشاطه المكثف عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وزير سابق يتهم حكومة بلاده بـ"
التواطؤ أو العجز" أمام العدوان الإسرائيلي على "أسطول الصمود العالمي" قرب مياه اليونان الإقليمية في البحر المتوسط.
ولد يانيس
فاروفاكيس في عام 1961 في مدينة باليو فاليرو التي تقع على ساحل خليج سارونيك في أثينا باليونان.
كان والده مصريا يونانيا تعود جذوره إلى ريثيمنو وهي مدينة تقع على جزيرة كريت في اليونان، انتقل الأب إلى اليونان في عام 1946 لدراسة الكيمياء في جامعة أثينا وخلال الحرب الأهلية اليونانية، تعرض للاضطهاد لرفضه التوقيع على بيان يدين الشيوعية، وسجن لسنوات.
والدته ناشطة ناضلت من أجل حقوق المرأة، وبحلول أوائل ثمانينيات القرن العشرين، كان كلا الوالدين قد اعتنقا السياسة الاشتراكية.
في عام 1978، رأى والد يانيس بأن المناخ السياسي في اليونان غير مستقر بما يكفي لمواصلة تعليم ابنه هناك، فانتقل إلى المملكة المتحدة حيث التحق يانيس بجامعة "إسكس"، وكان ينوي في البداية دراسة الفيزياء قبل أن يتجه إلى الاقتصاد ثم الرياضيات.
وخلال سنوات دراسته، انخرط في العمل السياسي اليساري، وانضم إلى منظمات مثل "الجمعية الشيوعية" و"حركة انسحاب القوات"، التي دعت إلى انسحاب بريطانيا من أيرلندا الشمالية. كما شغل منصب سكرتير تحالف الطلاب السود، مجادلا بأن "الأسود" يجب أن يفهم بأنه هوية سياسية وليس عرقية بحتة.
انتقل فاروفاكيس إلى جامعة "برمنغهام"، حيث أكمل درجة الماجستير في الإحصاء الرياضي في عام 1982. ثم عاد لاحقا إلى جامعة "إسيكس" ليحصل على درجة الدكتوراه في عام 1987.
اظهار أخبار متعلقة
بدأ فاروفاكيس مسيرته الأكاديمية بتدريس الاقتصاد في جامعة "إسكس"، وجامعة "إيست أنجليا"، ولاحقا في جامعة "كامبريدج". انتقل إلى أستراليا في عام 1988 وانضم إلى جامعة "سيدني"، حيث درّس كمحاضر أول في الاقتصاد حتى عام 2000، وخلال هذه الفترة، شغل أيضا مناصب قصيرة في جامعة "غلاسكو" وجامعة "لوفان"، كما حصل على الجنسية الأسترالية في عام 1991.
في عام 2000 عاد فاروفاكيس إلى اليونان وانضم إلى جامعة "أثينا الوطنية" و"كابوديستريان" كأستاذ مشارك في النظرية الاقتصادية، ثم أصبح أستاذا متفرغا عام 2005 كما أسس برنامج الدكتوراه في الاقتصاد بالجامعة عام 2002.
شغل منصب مستشار اقتصادي لرئيس وزراء اليونان جورج باباندريو (2009-2011)، إلا أنه أصبح لاحقا من أشد منتقدي باباندريو خلال أزمة الديون اليونانية.
انضم في عام 2012، إلى شركة متخصصة بالألعاب كخبير اقتصادي مقيم، ثم شغل مناصب أكاديمية زائرة في جامعة "تكساس" وجامعة "ستوكهولم"، حيث ركز على الاقتصاد ونظرية الألعاب والأنظمة الرقمية.
وسيبدأ مشواره السياسي في عام 2015، حيث انتخب عضوا في البرلمان اليوناني عن حزب "سيريزا" (ائتلاف اليسار الراديكالي والتحالف التقدمي)، وعين وزير للمالية في حكومة أليكسيس تسيبراس، وجاء تعيينه في ذروة أزمة الديون اليونانية، حيث وعدت الحكومة بإعادة التفاوض على اتفاقيات الإنقاذ المالي لليونان وإلغاء إجراءات التقشف القاسية التي فرضها الدائنون الدوليون.
قاد فاروفاكيس المفاوضات مع "الترويكا" (البنك المركزي الأوروبي، وصندوق النقد الدولي، والمفوضية الأوروبية) وبقيت المفاوضات مع الدائنين الأوروبيين متوترة لكنها توقفت في نهاية المطاف.
في النصف الأول من عام 2015 تدهورت العلاقات بين اليونان ومقرضيها، وبعد أن قدم الدائنون لليونان مقترحا نهائيا، دعا تسيبراس إلى استفتاء شعبي حول قبول الشروط، ورفض أكثر من 61% من الناخبين اليونانيين مقترح الدائنين، وعلى الرغم من النتيجة، سرعان ما اتجه تسيبراس إلى قبول اتفاقية "إنقاذ" جديدة.
ونظرا لعدم رغبته في دعم ما اعتبره "استسلاما" لمطالب التقشف، استقال فاروفاكيس من منصبه كوزير للمالية في اليوم التالي، لأنه يرى، بحسب قوله، بأن "ترويكا" تريد "إذلال اليونانيين"، وبأن المقرضين يريدون زرع الخوف في الشعب اليوناني.
وصفت منصة "بلومبيرغ" فاروفاكيس بأنه "خبير اقتصادي لامع" تعاملاته مع السياسيين الآخرين ووسائل الإعلام كانت صعبة. ووصفت خبرة فاروفاكيس في نظرية الألعاب، إلى أنه يعرف عن هذا الموضوع "أكثر من أي شخص آخر على وجه الأرض".
في عام 2016، أطلق فاروفاكيس حزب "ديم 25" (حركة يسارية في عموم أوروبا)، بهدف معلن هو تحرير اليونان من "عبودية الديون"، وفي عام 2020 أسس "المنظمة التقدمية الدولية".
أعيد انتخاب فاروفاكيس في البرلمان بعد أن تجاوز حزبه في عام 2019، العتبة اللازمة لدخول البرلمان اليوناني، وحين حاول لاحقا إعادة انتخابه في البرلمان في انتخابات عام 2023 فشل في الاحتفاظ بمقعده، وفشل أيضا في انتخابات البرلمان الأوروبي لعام 2024.
ويعد فاروفاكيس شخصية فكرية وأكاديمية محترمة في أوروبا ونشرت له عدة كتب من بينها كتاب "اقتراح متواضع"، و"الاقتصاد كما أشرحه لابنتي" وهذا من أشهر كتبه المبسطة، حيث يشرح فيه تاريخ الرأسمالية ومفاهيم الاقتصاد المعقدة بأسلوب قصصي وتاريخي متاح لغير المتخصصين.
أما كتابه الذي ترجم إلى 28 لغة "الإقطاع التكنولوجي: ما الذي قتل الرأسمالية" فقد طرح فيه أفكارا جريئة مفادها أن الرأسمالية قد سقطت، ليحل محلها نظام إقطاعي جديد تسيطر فيه شركات التكنولوجيا الكبرى ومنصاتها على الاقتصاد.
وكتاب "المينوتور العالمي: أمريكا وأوروبا ومستقبل الاقتصاد العالمي" ويحلل فيه ديناميكيات الاقتصاد العالمي والأزمة المالية.
اظهار أخبار متعلقة
كما أُنتج فيلم مقتبس من كتابه "الكبار في الغرفة"، من إخراج كوستا غافراس، وعرض في عام 2019 ويؤدي الممثل كريستوس لوليس دور فاروفاكيس نفسه.
وكان فاروفاكيس موضوع سلسلة وثائقية من ستة أجزاء، عرضت في عام 2024 من إخراج راؤول مارتينيز، بعنوان "في عين العاصفة: الرحلة السياسية ليانيس فاروفاكيس".
يعتقد فاروفاكيس أن الصراع في العصر الرقمي لم يعد يدور حول الحدود أو الموارد التقليدية، بل حول من يملك البيانات، ومن يمتلك القدرة على تحويلها إلى سلطة وثروة، معتبرا أن التسارع الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي وضع دولا عديدة أمام خطر فقدان السيطرة على مستقبلها الرقمي، في مشهد يعكس شكلا جديدا من الاستعمار، لا يعتمد على الجيوش، بل على الخوارزميات.
يقف فاروفاكيس موقفا نقديا من أوروبا إذ يتهمها بتقويض حرية التعبير، قائلا إن الديمقراطية هناك تحولت إلى "خدعة" وسط قمع الأصوات المناصرة لفلسطين وتصاعد التضييق على الحريات.
منتقدا المعاملة التي يتعرض لها معارضو "الإبادة الجماعية" التي ينفذها جيش الاحتلال في قطاع غز منذ عامين ونصف.
وتساءل: "من الذي أطلق شعار أرض بلا شعب لشعب بلا أرض؟ إنه وعد بلفور، الذي خرج من بريطانيا، ومن هناك انتقل المشروع إلى الولايات المتحدة".
محملا أوروبا مسؤولية الوضع الذي وصلت إليه فلسطين، قائلا: "الأفعال التي قامت بها أوروبا عبر التاريخ هي التي مهدت الطريق إلى هذا الواقع المؤلم".
ويكشف فاروفاكيس عن الهوة بين الشعوب والحكومات، بالإشارة إلى أن معظم الشعوب الأوروبية تدعم القضية الفلسطينية، في حين أن حكوماتها تتجاهل هذا الموقف الشعبي ولا تستجيب للمطالب العالمية بضرورة وقف الإبادة الجماعية في غزة.
موضحا "سواء كنا في برلين أو أنقرة أو أثينا أو لندن، تقع علينا جميعا مسؤولية الاحتجاج على هذه الإبادة".
مواقفه هذه لم تمر دون مضايقة من اللوبي الإسرائيلي في أوروبا، رافضا الخضوع للضغوط والتهديد بقوله "الذين يحاولون جاهدين انتزاع إدانة لحماس مني أو من حركتي، لن يحصلوا عليها أبدا".
وهذا الأمر دفع الشرطة الألمانية إلى حظر أنشطة فاروفاكيس حيث منع من دخول البلاد لحضور مؤتمر داعم لفلسطين في برلين وشمل الحظر المشاركة عبر الإنترنت بما في ذلك شبكة زوم.
ولم يتردد لحظة واحدة عن إدانة الجريمة ضد الإنسانية التي يرتكبها الاحتلال ضد نشطاء وأحرار أسطول الصمود قائلا: "علينا جميعا أن ننهض ونقول للإسرائيليين ولحكومات الاتحاد الأوروبي، أن إسرائيل لا تملك شرق البحر المتوسط. وليس من حقها انتهاك قانون البحار، وإلا سيتملكون ساحاتنا الخلفية".
فاروفاكيس يوجه رسالة للعالم في الذكرى 78 للنكبة، بان التهجير والنفي واقع حي ومستمر، و"ما نشهده في غزة وعبر الأراضي المحتلة ليس حربا، ولا صراعا بين جيوش دول مختلفة، بل هو استعمار استيطاني بمنطق "الأرض الخالية" من أهلها، وبتواطؤ غربي." بحسب قوله.
لا يتوقف فاروفاكيس، الاقتصادي الماركسي الذي يهوى ركوب الدراجات النارية والسترة الجلدية، عن التعبير عن مخاوفه من سيطرة شركات التكنولوجيا على العالم، كما لا يتوقف عن التحذير من أن عدم لجم ومعاقبة دولة الاحتلال فإن النار ستصل إلى الحديقة الخلفية لأوروبا.