يعرفون ما سيواجههم تماما، فقد دخل غالبيتهم في تجربة الاعتقال والتعذيب، ومع ذلك يواصلون التحدي والإبحار وركوب أمواج الخطر باتجاه
غزة لكسر الحصار المفروض على 2.3 مليون
فلسطيني، نسيهم العالم أو كاد إلا قليلا من الشجعان يواصلون المحاولات التي وصلت حتى اليوم إلى ما يقارب 38 محاولة.
كل الجهات مغلقة في وجوههم، برا وسماء، وليس لهم سوى البحر الذي يعرف ملامحهم ووجوههم وآلامهم.
كم هو شاسع وكريم هذا البحر ليوصلهم إلى شواطئ غزة لوقف وفضح الإبادة الجماعية على الفلسطينيين التي يمارسها
الاحتلال من خلال سياسة التجويع والحصار، بصمت عربي وإسلامي وعالمي يقارب تواطؤ، بل هو يفوقه بقليل.
موجة تلحق بها موجة تريد أن تسبق أختها لتنال شرف البطولة لكسر حصار بري وبحري وجوي فرضه الاحتلال على قطاع غزة منذ منتصف عام 2007، ومنذ ذلك الحين، انطلقت عدة محاولات بحرية لكسر الحصار، نجحت بعض المحاولات الأولى في الوصول إلى شواطئ القطاع، غير أن معظم السفن اللاحقة تم اعتراضها من قِبل البحرية الإسرائيلية.
وتعود أبرز المحاولات البحرية لكسر الحصار إلى عام 2010، عندما تعرض "أسطول الحرية" لهجوم إسرائيلي أثناء توجهه إلى غزة، ما أدى إلى استشهاد 10 متضامنين أتراك على متن سفينة "مافي مرمرة" وإصابة العشرات، في حادثة أثارت أزمة دبلوماسية حادة بين تركيا ودولة الاحتلال آنذاك.
اظهار أخبار متعلقة
وكانت "مافي مرمرة" تبعد نحو 130 كيلومترا عن الساحل الفلسطيني المحتل، وفتحت القوات الإسرائيلية النار بالذخيرة الحية، وقال من كانوا على متنها إنهم تعرضوا أولا لهجوم بالعصي والسكاكين وسلاح ناري ما أدى إلى مقتل عشرة نشطاء أتراك.
ومنذ ذلك الحين، تكررت محاولات إرسال سفن مساعدات ومتضامنين إلى القطاع.
كما هاجم جيش الاحتلال سفينة "مادلين" في حزيران/ يونيو الماضي وسفينة "حنظلة" في تموز/ يوليو الماضي.
وكان الجيش الإسرائيلي شن في نيسان/أبريل الماضي هجوما غير قانوني في المياه الدولية قبالة جزيرة كريت، استهدف سفنا تابعة لـ"أسطول الصمود" الذي ضم 345 مشاركا من 39 دولة، واحتجزت سلطات الاحتلال 21 قاربا وعلى متنها نحو 175 ناشطا، فيما واصلت بقية القوارب رحلتها نحو المياه الإقليمية اليونانية.
وولدت فكرة "أسطول الصمود العالمي" في منتصف تموز/ يوليو الماضي بعدما حاولت ثلاث سفن مرتبطة بـ" ائتلاف أسطول الحرية"، وهي سفن "الضمير"، و"مادلين" و"حنظلة" الإبحار إلى غزة.
ويتألف "أسطول الصمود العالمي" من عدة مبادرات تضامنية تهدف إلى كسر الحصار عن غزة، من أبرزها "الحركة العالمية نحو غزة"، وهي مبادرة دولية تسعى إلى لفت الانتباه إلى الوضع الإنساني في قطاع غزة.
و"تحالف أسطول الحرية"، وهو حركة تضامن شعبية دولية تأسست عام 2010، تعمل على إنهاء الحصار الإسرائيلي على غزة.
بالإضافة إلى "قافلة الصمود"، وهي حملة مغاربية انطلقت في عام 2025 بمشاركة متضامنين من دول المغرب العربي.
فضلا عن مبادرة "صمود نوسانتارا"، وهي قافلة شعبية من دول جنوب شرق آسيا تهدف إلى دعم الجهود لكسر الحصار البحري عن غزة.
ورغم القسوة التي واجهتها التجربة الأخيرة لـ"أسطول الصمود" والتي اعتقل فيها الناشط الفلسطيني الإسباني سيف أبو كشك والبرازيلي وتياغو أفيلا، فقد أبحر "أسطول الصمود العالمي"، من مدينة مرمريس التركية المطلة على البحر المتوسط، في محاولة جديدة لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، بمشاركة 54 سفينة، وأكثر من 500 ناشط ومتضامن من جنسيات مختلفة.
في مهمة إنسانية جديدة تهدف إلى تسليط الضوء على معاناة الشعب الفلسطيني وتقديم الإغاثة ولكسر الحصار المفروض على القطاع والذي تسبب في تدهور إنساني بعد الإبادة الجماعية في تشرين الأول/أكتوبر 2023، ونتج عنها دمار واسع للبنية التحتية وتشريد الشعب الفلسطيني داخل القطاع.
وفي كل مرة يواجه جيش الاحتلال هؤلاء المتطوعين بعنف وهمجية لإجهاض المهمة الإنسانية بالاستيلاء على السفن والسيطرة عليها قبل وصولها إلى وجهتها، والتنكيل بوحشية بالمتطوعين الذين يتم نقلهم إلى السجون الإسرائيلية.
اظهار أخبار متعلقة
وفي السياق ذاته، كشف تياغو أفيلا، عضو اللجنة التوجيهية لـ"أسطول الصمود" عن تعرضه وناشطين آخرين لانتهاكات جسيمة عقب اعتراض الاحتلال سفن الأسطول في المياه الدولية خلال المحاولة السابقة لكسر الحصار.
وكشف أفيلا، أن القوات الإسرائيلية اختطفت المشاركين بعد انطلاقهم من اليونان، مؤكدا أن ما تعرض له النشطاء "يكشف تصرف دولة لا تحترم القانون الدولي على الإطلاق".
وأضاف الناشط البرازيلي أنه تعرض خلال احتجازه في سجن عسقلان الإسرائيلي للتعذيب والضرب والاستجواب المتواصل، مشيرا إلى أنه أمضى نحو 10 أيام في الحبس الانفرادي مع سيف أبو كشك.
وأمام كل محاولة ترتفع وتيرة العنف الإسرائيلي ضد النشطاء، ويتوقع أن يواجه الأسطول الجديد عنفا وانتهاكات وتنكيلا اكبر مقارنة بالأساطيل السابقة.
ورغم التهديدات بالاعتقال والتعذيب يبحرون مرة أخرى باتجاه غزة، في أكبر تشكيلة للأسطول تاريخيا، لإرسال رسائل للشعب الفلسطيني أن العالم لم ينساكم، وبأن ما مر به هؤلاء النشطاء لا يقارن بما يعيشه الفلسطينيون يوميا تحت القصف والحصار والاعتقال والتجويع والتعذيب.
يقول منظمو الأسطول إن هدفه "كسر الحصار غير القانوني المفروض على غزة بحرا، وفتح ممر إنساني، وإنهاء الإبادة الجماعية المستمرة ضد الشعب الفلسطيني.
كل قارب يمثل إصرارا وتحديا لجرائم الاحتلال ورسالة بعدم الصمت في وجه الإبادة الجماعية.
لن يكون هذا مجرد أسطول بحري، بل تذكيرا بأن العالم يراقب، وأن الفلسطينيين في غزة وفلسطين ليسوا وحيدين، وأن شعوب العالم لن تصمت وستواصل كسر حاجز الصمت و التواطؤ حتى ينكسر ومعه الحصار وجرائم الإبادة الجماعية.