"أسباب خفية" تكشف كواليس هزيمة ميلوني.. استفتاء إيطاليا يكشف الوجه الآخر لليمين

الاستفتاء كان عبارة عن سؤال واحد مباشر - الأناضول
الاستفتاء كان عبارة عن سؤال واحد مباشر - الأناضول
شارك الخبر
شهدت إيطاليا استفتاء دستوريا واسعا حول ما سمته الحكومة بإصلاح النظام القضائي في البلاد، والذي انتهى برفض الناخبين للتعديلات المقترحة بأغلبية 53 بالمئة مقابل 46 بالمئة مؤيداً، في نتيجة جاءت كواحدة من أبرز الانتكاسات السياسية لرئيسة الوزراء جورجيا ميلوني منذ توليها السلطة عام 2022.

وجاء الرفض في الاستفتاء الذي جرى على مدار يومين، 22 و23  أذار / مارس الجاري، وهو ما جعله الخامس في تاريخ الاستفتاءات الدستورية في إيطاليا منذ تأسيس الجمهورية، ويعد أهم استفتاء قضائي لسنوات طويلة.

مشروع إصلاح قضائي مثير للانقسام

الاستفتاء الذي كان أمام الناخبين إقرارا أو رفضا لتعديل دستوري جوهري، طرح تحت عنوان "قانون الأحكام المنظمة للنظام القضائي وإنشاء المحكمة التأديبية العليا"، والذي يعرف شعبيا باسم "Riforma Nordio" نسبة إلى وزير العدل كارلو نورديو، كان يهدف إلى إعادة هيكلة منظومة العدالة في إيطاليا على نحو واسع.

وأوضح النص الدستوري المقترح أن الإصلاح كان يجري تعديلات في عدة مواد دستورية، من بينها تعديل مواد 87، و102، و104، و105، و106، و107، و110 من الدستور الإيطالي، بهدف تحقيق تغييرات تنظيمية مهمة في الجهاز القضائي.


أبرز أهداف المشروع :

أعلنت الحكومة أن أهداف المشروع هو فصل المسارات المهنية بين القضاة والمدعين العامين، بحيث لا يتحرك القاضي بين منصب القاضي ومنصب المدعي العام خلال مساره المهني.

وكذلك تقسيم "المجلس الأعلى للقضاء" (Consiglio Superiore della Magistratura – CSM)  إلى هيئتين منفصلتين: واحدة للقضاة وأخرى للمدعين العامين، لتقليل التدخلات الذاتية داخل الجسم القضائي الواحد، وإنشاء "المحكمة التأديبية العلي" لممارسة السلطات التأديبية على أعضاء الجهاز القضائي، بدلاً من الاعتماد فقط على النظام التأديبي السابق داخل CSM.

وهذه الخطة كانت ترى فيها الحكومة وساسة من اليمين أنها خطوة نحو تحديث النظام القضائي وزيادة سرعته وكفاءته، في ظل جدل مستمر حول ما يصفه المؤيدون بـ "البيروقراطية القضائية" وطول قضايا التقاضي في إيطاليا، لكن في المقابل، كان المعارضون يرون أن بعض هذه التعديلات قد تضعف استقلال القضاء وتمنح السلطة التنفيذية نفوذاً أكبر عليه، وهو ما أجج الخلاف السياسي حول المشروع منذ طرحه.

الإصلاح غطاء لتوسيع نفوذ الحكومة

في المقابل، واجه مشروع الإصلاح القضائي انتقادات حادة حيث قال رئيس الجالية الإسلامية في صقلية، عبد الحفيظ خيط، في تصريحات خاصة لـ"عربي21" إن الاستفتاء "لا يتضمن إصلاحًا حقيقيًا كما تروج له الحكومة"، مشيرًا إلى أن طرح سبع تعديلات دفعة واحدة للتصويت عليها بنعم أو لا يعد خللا جوهريًا في آلية الاستفتاء، إذ لا يمكن دمج قرارات مصيرية متعددة في سؤال واحد.

وأضاف خيط أن هذه التعديلات "لم تخضع لنقاش برلماني بل جاءت بشكل مباشر من الحكومة"، معتبرًا أن حتى المؤيدين لخيار "نعم" لم يتمكنوا من إقناع الناخبين بسبب "عدم وضوح الصورة الكاملة للإصلاحات المطروحة".

وأوضح خيط أن جوهر الاعتراض لا يتعلق فقط بالإجراءات، بل بالمضمون، مؤكدًا أن التعديلات "تمنح الحكومة صلاحيات أوسع داخل المنظومة القضائية، وهو ما قد يفتح الباب أمام تأثير مباشر على القضاة"، مضيفا أن ذلك "قد يخلق حالة من الولاء غير المباشر للسلطة التنفيذية، خاصة إذا أصبحت هي الطرف الأكثر تأثيرًا في التعيينات".

تسريع الترحيل وتقليص دور القضاء

وفيما يتعلق بتأثير هذه التعديلات على المهاجرين، حذر رئيس الجالية الإسلامية في صقلية من انعكاسات سلبية محتملة بسبب تلك التعديلات، مشيرًا إلى أن نقل صلاحيات أوسع إلى الحكومة في هذا الملف قد يؤدي إلى "تسريع قرارات الترحيل ومنح السلطة التنفيذية اليد العليا في هذه الإجراءات".

وأشار إلى أن تدخل القضاء خلال الفترة الماضية كان عاملاً حاسمًا في حماية بعض الحالات من الترحيل، مستشهدًا بقضية المواطن المصري محمد شاهين، الذي صدر بحقه قرار ترحيل من وزارة الداخلية على خلفية مواقف متعلقة بدعم غزة، قبل أن يتدخل القضاء ويرفض القرار.

وأكد خيط أن "وجود قضاء مستقل كان الضمان الأساسي لوقف مثل هذه القرارات"، مضيفًا أنه "لو كانت التعديلات الحالية مطبقة حينها، لكان من الممكن تنفيذ الترحيل دون مراجعة قضائية فعالة".

الجدل حول "تسريع الإجراءات"

وفي رده على مبررات الحكومة بأن التعديلات تهدف إلى تسريع الإجراءات القضائية، اعتبر خيط أن هذا الطرح "غير دقيق"، موضحًا أن تسريع التقاضي "لا يتحقق عبر تعديل النصوص الدستورية، بل من خلال دعم المنظومة القضائية بالإمكانات والموارد البشرية والتقنية".

وأضاف أن "المشكلة الأساسية ليست في القوانين بقدر ما هي في ضعف البنية الداعمة للجهاز القضائي"، مشددًا على أن "أي إصلاح حقيقي يجب أن يبدأ من تحسين الكفاءة التشغيلية، وليس إعادة توزيع الصلاحيات".

اهتمام شعبي واسع

انطلقت عملية الاقتراع في صباح 22 أذار / مارس وتواصلت لصبيحة اليوم التالي 23 من الشهر ذاته، حيث فتحت مراكز الاقتراع أبوابها أمام حوالي 51.4 مليون ناخب مسجلين في السجل الانتخابي الإيطالي. وكان من اللافت ارتفاع نسبة المشاركة إلى ما يقارب 55.7 بالمئة، وهي نسبة مشاركة عالية مقارنة باستفتاءات سابقة في إيطاليا، ما يعكس أن القضية لم تكن تقليدية بل حملت أبعاداً سياسية واسعة.

سؤال مباشر

وكان الاستفتاء عبارة عن سؤال واحد مباشر وهو "هل توافق على النص القانوني المتعلق بالإصلاحات الدستورية التي تنظم النظام القضائي وإنشاء المحكمة التأديبية العليا، كما صدرت في الجريدة الرسمية الإيطالية رقم 253 في 30 أكتوبر 2025؟"

اظهار أخبار متعلقة


ووجب على الناخبين الإجابة بنعم أو لا، دون ضرورة تحقق شرط النصاب (quorum)، أي كانت النتيجة صحيحة بأي نسبة مشاركة.



رفض الأغلبية ومفاجأة التحالف الحاكم

مع إعلان النتائج الأولية مساء 23 أذار / مارس الجاري، اتضح حسب وكالة رويترز أن المواطنين رفضوا مشروع الإصلاح بنسبة بلغت نحو 53 بالمئة مقابل 46 بالمئة مؤيدًا، وهو ما شكّل صدمة سياسية للرئيسة ميلوني وتحالفها الحاكم الذي ضم أحزاباً يمينية وسياسية داعمة للإصلاح.

كما كان لارتفاع نسبة المشاركة تأثير في إبراز حجم الاستقطاب السياسي حول القضية، حيث لم تتجه الكتل المعارضة للاستفتاء إلى التراجع أو عزوف الناخبين، بل على العكس أظهروا حماساً واحتجاجاً واضحاً ضد الإصلاح المقترح.

وذكرت صحيفة الغارديان أنه رغم أن الحكومة لم تكن مطالبة بنصاب معين لإعلان نتيجة الاستفتاء، إلا أن ارتفاع نسبة المشاركة ونسبة الـ "لا" أعطى حجماً أكبر للرفض وساهم في تصويره ليس فقط كرفض للإصلاح القضائي، بل كـ استفتاء غير مباشر على أداء حكومة ميلوني نفسها.

هزيمة وتداعيات ممتدة

منذ إعلان النتائج، كانت ردود الفعل السياسية سريعة ومباشرة، حيث أعلنت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني أنها تحترم إرادة الشعب رغم أسفها الشديد لرفض المشروع، وأكدت أنها لن تستقيل رغم ما وصفته بأنه "فرصة ضائعة لتحديث العدالة في إيطاليا".

وبحسب الغارديان اعتبرت المعارضة النتيجة انتصاراً للمجتمع المدني ولـ "الحفاظ على استقلال القضاء"، وهي عبارة كررها قادة أحزاب اليسار والوسط مثل الحزب الديمقراطي الإيطالي وحركة خمس نجوم، الذين شاركوا في حملة "لا" منذ أسابيع تنادي بأهمية حماية جهاز العدالة مما اعتبروه محاولات لتقليص دور القضاء في مواجهة السلطة التنفيذية.

وأشار تقرير الغارديان إلى احتفال بعض أعضاء النقابات القضائية وحقوقيون بالنتيجة، رافعين شعارات مناهضة للتدخل السياسي في القضاء، ما يشير إلى أن هذا الاستفتاء لم يكن مجرد مسألة قانونية بحتة، بل كان صراعاً حول مفهوم التوازن بين السلطات وترسيخ استقلال السلطات في الدولة.

فشل سياسي

وتابعت الغارديان أن الخبراء السياسيون لم يروا رفض الاستفتاء فشلا للإصلاح القضائي كما تتبناه الحكومة الإيطالية فقط، بل هو فشل سياسي بامتياز اختلطت القضية التي طرحت كإصلاح مؤسسي بنسق سياسي أوسع، وجعلها الكثيرون اختباراً لقياس قوة حكومة ميلوني وثقة الشعب بها قبل انتخابات 2027، وهو ما ضاعف من إرادة الناخبين في التعبير عن رأيهم بشكل قوي.

وأضاف تقرير لرويترز أن النقاش حول استقلال القضاء لعب دورا كبيرا في كشف انقسامات داخل المجتمع الإيطالي حول السلطة والتنمية ووضع المؤسسات، خاصة في وقت تشهد فيه إيطاليا تحديات اقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما جعل القضية تحوّل إلى مؤشر على الاستياء العام وليس مجرد اختلاف حول تفاصيل نظام قضائي تقني.

التعليقات (0)

خبر عاجل