مع تصاعد العدوان العسكري الذي تقوم به
الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي على وإيران، لم تعد المواجهة تقتصر على الضربات العسكرية التقليدية، بل امتدت بقوة إلى الفضاء الرقمي، حيث تنتشر موجة واسعة من الفيديوهات والصور المضللة التي يجري تداولها على منصات التواصل الاجتماعي.
ويقول
باحثون إن هذه الظاهرة تمثل شكلا جديدا من "حرب السرديات" التي تهدف إلى التأثير في الرأي العام وتشويش فهم المتابعين لما يحدث فعلياً على الأرض.
عقب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بصور ومقاطع فيديو مزيفة عُرضت على أنها توثق المعارك الجارية. غير أن العديد منها كان في الحقيقة صوراً معدلة ببرنامج "فوتوشوب"، أو مقاطع مأخوذة من ألعاب فيديو وأفلام أو أحداث قديمة لا علاقة لها بالحرب.
ويعود هذا النمط من التضليل مجدداً في
الحرب الحالية مع
إيران، لكن مع تطور ملحوظ؛ إذ لم تعد المواد المزيفة مقتصرة على تعديلات بسيطة أو لقطات قديمة، بل ظهرت مقاطع فيديو وصور عالية الجودة مولدة بالكامل باستخدام أدوات
الذكاء الاصطناعي التي باتت متاحة بسهولة للجمهور.
ومنذ بدء العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، شهدت منصات التواصل موجة كبيرة من هذه المواد المضللة، ما دفع خبراء الإعلام الرقمي إلى التحذير من اتساع نطاق التضليل البصري في النزاعات الحديثة.
أسر جنود أمريكيين
تداول مستخدمون عدداً من الفيديوهات المفبركة التي تزعم توثيق تطورات عسكرية في الحرب، بينها مقطع يظهر وابلا من الصواريخ الإيرانية يقال إنها تضرب تل أبيب، في حين تبين أنه مقطع منتج رقمياً.
كما انتشر
فيديو آخر يُظهر أشخاصاً يفرون مذعورين من هجوم إيراني مزعوم على مطار في تل أبيب، بينما زعم مقطع ثالث أن قوات إيرانية أسرت عناصر من القوات الخاصة الأمريكية تحت تهديد السلاح.
وفي سياق مشابه، جرى تداول مقطع يدّعي أنه تسجيل من كاميرات مراقبة يوثق تفجير منشآت عسكرية إيرانية؛ إلا أن تحليل المقطع أظهر أن ثلاثة من مشاهده مولدة بالذكاء الاصطناعي، بينما اللقطة الرابعة حقيقية لكنها تعود إلى العام الماضي.
كما ظهرت مقاطع أخرى تصور قافلة مزعومة للقوات الأمريكية داخل الأراضي الإيرانية، وفيديو آخر يوحي بإسقاط طائرة أمريكية وعرضها في شوارع طهران، وهي مشاهد تبين لاحقاً أنها غير حقيقية.
اظهار أخبار متعلقة
صور فضائية مزيفة
لم يقتصر التضليل على الفيديوهات، بل شمل صوراً ثابتة بدت وكأنها التُقطت عبر الأقمار الصناعية، لكنها في الواقع مصممة باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وزعمت هذه الصور إظهار قاعدة عسكرية أمريكية في العراق والسفارة الأمريكية في السعودية وهي تحترق بعد هجمات إيرانية، كما ظهرت صور أخرى تزعم مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي تحت الأنقاض، وأخرى تظهر إيرانيين ينعون قتلى مدنيين.
وفي
حادثة لافتة، نشرت وسيلة إعلام مرتبطة بالحكومة الإيرانية صورة فضائية مزيفة تدعي إظهار أضرار في قاعدة عسكرية أمريكية في البحرين.
تلاعب في أنظمة الملاحة
وفي مظهر آخر من مظاهر الحرب الرقمية، رصدت منصات متخصصة في الملاحة البحرية نمطاً جديداً من التشويش الإلكتروني استهدف أنظمة تحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية قبالة سواحل إمارة رأس الخيمة في الإمارات.
وأوضحت
منصة "مارين ترافيك" (MarineTraffic)، المتخصصة في تتبع حركة السفن أن هذا التلاعب رُصد. وعلى خلاف حالات التشويش المعتادة التي تظهر السفن متكدسة في نقطة واحدة، تسبب هذا الاختراق في رسم مسارات وهمية للسفن.
فقد بدت السفن على شاشات الرادار وكأنها تبحر في خط مستقيم باتجاه مضيق هرمز، بينما أظهرت البيانات الفعلية أنها لم تسلك هذا المسار مطلقاً.
وأكدت التحليلات أن هذه التحركات "وهمية بالكامل"، وأن المسارات الظاهرة ناتجة عن عملية تلاعب متعمدة في أنظمة الملاحة وليست حركة بحرية حقيقية.
لعبة فيديو يثير السخرية
وفي مثال آخر على انتشار التضليل، بثت قنوات إسرائيلية مقطع فيديو قالت إنه يظهر طائرات أمريكية من طراز "B-2 Spirit" تنفذ غارات على أهداف داخل إيران.
وخلال بث مباشر على القناة 12 الإسرائيلية في برنامج يقدمه الصحفيان أماليا دواك وأوفر حداد، عرض المعلق العسكري نير دافوري المقطع، موضحاً أنه يوثق قاذفة "B-2" ترافقها طائرات "F/A-18 Hornet" خلال عملية جوية فوق إيران.
اظهار أخبار متعلقة
وقال دافوري إن الفيديو "ليس من منشوره الشخصي"، بل مصدره "منشورات أمريكية"، مضيفاً أن اللقطات تعكس "كتلة أمريكية ستزداد فقط" في النشاط الجوي، وهي قدرة لا يمتلكها سلاح الجو الإسرائيلي.
غير أن المقطع تحول سريعاً إلى مادة للسخرية على منصات التواصل الاجتماعي بعد اكتشاف أن اللقطات مأخوذة من لعبة المحاكاة العسكرية "
DCS World" ومنشورة أصلاً في عام 2023.
مقاطع قديمة أعيد نشرها
في المقابل، نشرت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) مساء الأحد الماضي مقطع فيديو قالت إنه يوثق تنفيذ قاذفات "B-2 Spirit" ضربات استهدفت منشآت صواريخ باليستية محصنة داخل إيران.
وجاء في منشور القيادة عبر حسابها على منصة "إكس": "الليلة الماضية، قصفت قاذفات الشبح الأمريكية من طراز بي-2، المسلحة بقنابل زنة 2000 رطل، منشآت الصواريخ الباليستية الإيرانية المحصنة. لا ينبغي لأي دولة أن تشكك في عزيمة أمريكا".
لكن وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة أجرت عملية تحقق أظهرت أن المقاطع المتداولة لا تعود إلى أحداث عسكرية حديثة، بل تتضمن لقطات قديمة أعيد تجميعها وإخراجها من سياقها.
وكشف البحث العكسي أن أحد المقاطع نشر في 30 تشرين الأول/أكتوبر 2017 بعد تنفيذ قاذفة B-2 مهمة طويلة المدى انطلقت من قاعدة وايتمان الجوية في ولاية ميزوري الأمريكية.
وقد حلقت الطائرة آنذاك دون توقف إلى منطقة غير معلنة في المحيط الهادئ ضمن استعراض للقوة العسكرية الأمريكية في المنطقة.
سلاح جديد في الحروب
وتندرج هذه الظاهرة ضمن ما يعرف في الأوساط التحليلية باسم "الاستخبارات مفتوحة المصدر"، وهي منهجية تعتمد على تحليل المعلومات المتاحة للعامة مثل الصور الفضائية وبيانات الملاحة الجوية والبحرية ومنشورات الإنترنت.
ومع توسع استخدام هذه الأدوات خلال السنوات الأخيرة، أصبحت الحدود بين المعلومات السرية والمعلومات المفتوحة أكثر ضبابية.
ففي بعض الأحيان، يمكن لصورة منشورة على الإنترنت أو مقطع فيديو قصير من تدريب عسكري أن يوفر معلومات كافية لتحديد نوع السلاح المستخدم أو طبيعة المهمة العسكرية وحتى موقع الانتشار.
وبهذا المعنى، لم تعد معركة المعلومات مقتصرة على الصحفيين أو المحللين، بل أصبحت جزءاً من التنافس بين الدول نفسها، حيث قد يستخدم كل طرف المواد المنشورة علناً لبناء روايته السياسية أو لتبرير عملياته العسكرية.
ويشير خبراء إلى أن انتشار هذا النوع من التضليل يرتبط أيضاً بالتقدم السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتتصدر الولايات المتحدة
قائمة الدول الأكثر امتلاكاً لقدرات البحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي، تليها الصين، فيما يحتل الاحتلال الإسرائيلي المرتبة الرابعة عالمياً في هذا المجال.
أما في التطبيقات العسكرية للذكاء الاصطناعي، فتظل الولايات المتحدة في الصدارة أيضاً، مع تزايد اعتماد الجيوش الحديثة على هذه التقنيات في مجالات الاستطلاع والتحليل والعمليات السيبرانية.
وفي ظل هذا الواقع، يرى باحثون أن الفضاء الرقمي أصبح ساحة معركة موازية للحروب التقليدية، حيث يمكن لفيديو مزيف أو صورة مفبركة أن تنتشر خلال دقائق وتؤثر في الرأي العام العالمي، حتى قبل أن تتضح حقيقة ما جرى على الأرض.