مع تراجع حدة المواجهة بين
السعودية والإمارات في
اليمن، وانقشاع غبار المواجهة العلنية بين الدولتين، إلا أن هذا الأمر لم يترجم على الأرض، إذ تشير المعطيات أن
المجلس الانتقالي الجنوبي "المنحل" المدعوم من أبوظبي، يرفض التسليم بالأمر الواقع، ويواصل تحركاته المناوئة للحكومة المعترف بها دوليا في العاصمة المؤقتة عدن.
الأوضاع الميدانية في محافظات جنوب اليمن، لا تشير إلى تسليم المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل وزعيمه، عيدروس الزبيدي، بالأمر الواقع، حيث يدعو أنصاره لتنظيم احتجاجات مناوئة للحكومة المعاد تشكيلها برئاسة، شائع الزنداني.
لم ينته الأمر
وفي السياق ذاته، يرى الكاتب والصحفي اليمني أحمد الشلفي، أنه لا يوجد ما يدل حتى الآن على أن الخلاف السعودي–
الإماراتي قد انتهى، مضيفا أن الإعلام، وكذلك منصات التواصل الاجتماعي التابعة للطرفين، ما تزال تعكس خطابا تصعيديا.
وقال الشلفي في حديث خاص لـ"عربي21" إن الوضع السابق ما يزال قائماً، وعلى الأرض يتضح أن المجلس الانتقالي ما زال يتصرف على هذا الأساس، سواء عبر المظاهرات أو عبر استمرار التوتر، خصوصاً في عدن، حيث تبدو الأوضاع كما هي، مع مخاوف دائمة من انفجارها في أي وقت.
اظهار أخبار متعلقة
وتابع بأن القوات التي كانت تتبع الانتقالي، مثل قوات "العاصفة والحماية الرئاسية" وغيرها، ما تزال تلوّح بين الحين والآخر بالعودة، إضافة إلى استمرار المظاهرات، مشيرا إلى أن ذلك لا يعدو عن كونه "رسائل واضحة لا تصدر من الانتقالي وحده، بل تعكس أيضاً موقفاً إماراتياً يرى أنه ما زال قادراً على التأثير في الملف اليمني".
وقال أيضا: "يبدو أن هناك شكلاً من أشكال التحدي غير المعلن بين الدولتين، وربما اليمن هو المثال الأوضح لهذا التنافس، بحكم قربه الجغرافي من السعودية، ولكونه ساحة مفتوحة للتأثير الإقليمي".
وأضاف أنه خلال الأيام الماضية شهدنا تحركات دبلوماسية لافتة، من بينها لقاءات واتصالات بين قادة المنطقة، إلى جانب تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أشار فيها إلى انخراطه في مساعٍ لاحتواء الخلاف.
وأردف قائلا : "كل ذلك يوحي بمحاولات لاحتواء الأزمة، لكن على الأرض يبدو أن كل طرف يسعى لتحسين موقعه تحسباً لأي تسوية محتملة".
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي اليمني، رياض الغيلي، إن التوتر العلني والإعلامي بين السعودية والإمارات خفّ مقارنة بمرحلة الذروة، لكن ذلك لا يعني أن التنافس الاستراتيجي انتهى.
وأضاف الغيلي في حديثه لـ"عربي21" أن ما حدث أقرب إلى انتقال من صدام مكشوف إلى إدارة هادئة للنفوذ، وربما إعادة تموضع في ساحات أخرى داخل الإقليم، وخاصة في الشرق الأفريقي.
أما في جنوب اليمن، أكد على أن عدم ترجمة هذا "الهدوء النسبي" إلى تغيّر ميداني يعود إلى أن المجلس الانتقالي لم يعد مجرد امتداد ظرفي لدولة بعينها، بل تحول إلى فاعل يمتلك بنية أمنية وشبكات مصالح وقاعدة تعبئة.
ولذلك، خسارته في بعض المحافظات لا تعني انهياره السياسي، وفق قوله
أما رفض المجلس الجنوبي "التسليم بالأمر الواقع" أشار الكاتب اليمني إلى أن في جوهره استراتيجية بقاء بهدف "تثبيت الحضور في أي تسوية قادمة، ومنع شطب المشروع من المعادلة".
وقال : "من يختفِي عن المشهد يُستبعد من الطاولة، ولهذا يفضّل الانتقالي البقاء في حالة اشتباك سياسي على القبول بانكماش صامت".
اظهار أخبار متعلقة
وبحسب المحلل السياسي الغيلي فإن الوضع الميداني لا يشير إلى حالة انهيار أو استسلام، بل إلى إعادة تموضع محسوبة، لافتا إلى أن الزبيدي يدرك أن خروجه الكامل من المشهد يعني خسارة مشروعه نهائياً، ولذلك يتعامل مع المرحلة باعتبارها معركة تثبيت حضور لا معركة توسع.
مرتكزات ثلاث
وقال إن الزبيدي وكيانه يستندان إلى ثلاثة مرتكزات أولها : القاعدة الشعبية"، حيث لايزال الخطاب الجنوبي يمتلك جاذبية في قطاعات من الشارع، خاصة في ظل الأزمات المعيشية وتراجع الثقة بالحكومات المتعاقبة.
وأردف : "هذا المخزون الرمزي يمنحه قدرة على تعبئة مستمرة حتى في أوقات التراجع".
أما المرتكز الثاني فيتمثل وفقا للغيلي في "البنية التنظيمية والأمنية التي تراكمت خلال السنوات الماضية". وقال إنه حتى مع الانحسار في بعض المحافظات، فإن الانتقالي لايزال يمتلك شبكة ولاءات وتنظيم ميداني يمنحه وزناً لا يمكن تجاهله بسهولة.
فيما يتمثل المرتكز الثالث التي يستند عليها المجلس الانتقالي المنحل، في "الرهان على التسوية المقبلة"، موضحا أنه في سياق مثل اليمن، "لا شيء يُحسم عسكرياً بشكل نهائي".
من جهته، قال الكاتب والقيادي في حركة "النهضة للتغيير السلمي"، علي الأحمدي إن المجلس الانتقالي المنحل تمكن على مدى 10 سنوات من سيطرته وحضوره في جنوب اليمن من " التجذر عبر ميليشيات مسلحة وموارد يتم تجييرها لصالحه وإمكانيات ووسائل إعلامية ومواقع إخبارية وتشكيلات إعلامية على منصات التواصل الاجتماعي لترسيخ أفكار مهينة".
وأضاف الأحمدي لـ"عربي21" أن بناء على المعطيات السابقة، لا يمكن أن يختفي هذا الكيان فجأة ولن ينتهي بسهولة بسبب الهزيمة التي تعرض لها في حضرموت، مشيرا إلى أن هذا المكون المنحل سيبقى رغم ذلك، مع عدم استبعاد حصوله على دعم خارجي للإسهام في إطالة أمد المعركة معه.
وأكد على أن فكرة "الانفصال" أو "استقلا الجنوب" ظلت تتنامى وتتزايد منذ الفترة التي أعقبت حرب 1994 ( بعد إعلان علي سالم البيض فك الارتباط مع الشمال بعد 4 سنوات من إعادة الوحدة مع الجنوب) مرورا بالحراك السلمي عام 2007، وثورة 11 فبراير 2011 ضد نظام صالح وصولا إلى سلطة الأمر التي تشكلت في عدن منذ 2016 بقيادة الزبيدي.
وبحسب الأحمدي فإن هذه القضية تم تكريسها وفق سردية واحدة وأحادية وبسقف مرتفع وغير واقع، وصار لها جمهورها، ولذلك يتم استغلاله من قبل المجلس الانتقالي المنحل.
اظهار أخبار متعلقة
ودعا الكاتب والقيادي في حركة النهضة اليمنية إلى خطوات ملموسة وجادة لتغيير هذه السردية، مؤكدا أن الحل العسكري لا يمكن أن يغيرها، بل نحن بحاجة إلى ترتيبات أمنية كبيرة وإقامة مؤسسات دولة، ومسار اقتصادي وتوعوي وفكري لتفكيكها، ولتعود ضمن الأفكار الموجودة في الجنوب اليمني.
وقال إن هناك قوى جنوبية لا تتفق مع رؤية المجلس الانتقالي، وهي بحاجة إلى الدفع بها إلى الواجهة للعمل على الأرض، موضحا أن من شأن ذلك، تحجيم الفكرة السائدة والتي يرفعها المجلس الانتقالي المنحل بشكل نزق مستندا على السلاح والمساحة المفتوحة لتحركه بشكل أحادي، على حد قوله
ومساء الخميس، شهدت العاصمة اليمنية المؤقتة، عدن جنوبي البلاد، توترا وصدامات بين قوات حكومية وأنصار المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، عقب اقتحامهم قصر معاشيق الرئاسي، الذي تقيم فيه الحكومة اليمنية، أسفرت عن سقوط نحو 9 جرحى من المتظاهرين الانفصاليين.