لندن تعوّل على ولي العهد لتعميق العلاقات مع الرياض رغم "الحساسيات"

يُعد لقاء الأمير ويليام مع ولي العهد محمد بن سلمان أبرز محطات الزيارة- جيتي
يُعد لقاء الأمير ويليام مع ولي العهد محمد بن سلمان أبرز محطات الزيارة- جيتي
شارك الخبر
أكد مصدر ملكي أن ولي العهد الأمير ويليام لم يُبدِ أي تردد عند تلقيه دعوة الحكومة البريطانية لزيارة المملكة العربية السعودية، مشدداً على أنه يتعامل بجدية مع دوره كأمير لويلز ويلبّي طلبات الحكومة عندما يُطلب منه ذلك.

وأوضح المصدر أن الزيارة، الاثنين، تُعد الأولى للأمير ويليام إلى السعودية، وتأتي في سياق دبلوماسي معقّد مقارنة بزياراته الرسمية السابقة إلى دول مثل إستونيا وبولندا والبرازيل وجنوب إفريقيا، التي لم تنطوِ على الحساسية ذاتها، بحسب تقرير لشبكة "بي بي سي".

وستركّز الزيارة على ملفي التحول في الطاقة والشباب، بوصفهما من الركائز الأساسية لخطط التنمية في السعودية، التي تشهد تحولات اقتصادية واجتماعية واسعة، في إطار مساعيها لتنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد على النفط، مع انفتاح ثقافي متزايد رغم بقاء نظام الحكم ملكياً مطلقاً.

وشهدت المملكة خلال السنوات الأخيرة توسعاً في الفعاليات الترفيهية والرياضية الكبرى، من بينها مهرجان الرياض للكوميديا، ومهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي في جدة، وسباق الجائزة الكبرى للفورمولا 1، إضافة إلى استعدادها لاستضافة كأس العالم لكرة القدم للرجال عام 2034.

اظهار أخبار متعلقة


في المقابل، تتهم منظمات حقوقية، من بينها منظمة العفو الدولية، السلطات السعودية بمحاولة تحسين صورتها في مجال حقوق الإنسان عبر استضافة هذه الفعاليات. وكان ولي العهد محمد بن سلمان قد صرّح سابقاً بأنه لا يكترث بالانتقادات طالما أن هذه الأنشطة تخدم الاقتصاد الوطني.

ويُعد لقاء الأمير ويليام مع ولي العهد محمد بن سلمان أبرز محطات الزيارة، إذ يُنظر إلى بن سلمان بوصفه الحاكم الفعلي للمملكة وشخصية مثيرة للجدل. ومن المتوقع أن يكون الأمير ويليام مطّلعاً على سجل السعودية في مجال حقوق الإنسان، بما في ذلك تجريم العلاقات المثلية، وتقييد الاحتجاجات العامة، والتعامل مع المعارضة السياسية، فضلاً عن أوضاع المرأة رغم بعض الإصلاحات التي أُقرت في السنوات الأخيرة.

ولا يُتوقع أن يعلّق قصر كينزنغتون على تفاصيل اللقاءات الثنائية، غير أن مصادر تشير إلى أن الأمير سيتلقى توجيهات من وزارة الخارجية البريطانية والسفارة في الرياض لإدارة النقاشات بما يخدم المصالح البريطانية، مع محاولة تحقيق نتائج إيجابية.

وتأتي الزيارة في وقت حساس للعائلة المالكة البريطانية، في ظل تداعيات متواصلة لقضية جيفري إبستين، والتي تسببت مؤخراً في إحراج إضافي بعد الإفراج عن وثائق جديدة، وأسهمت في انتقال الأمير أندرو من مقر إقامته الملكي إلى عقار ساندرينغهام.

وبحسب مصادر، تضع الحكومة البريطانية السعودية في صدارة أولوياتها الدبلوماسية، سعياً لتعزيز العلاقات مع ولي العهد، وتعوّل في ذلك على الأمير ويليام، الذي تصفه المصادر بأنه أداة دبلوماسية فعالة وقادرة على إحداث تأثير ملموس.

ويرى مراقبون أن الزيارة تعكس توجهاً نحو ترسيخ دور الأمير ويليام ضمن رؤية الملكية الحديثة، في وقت تمر فيه السعودية بمرحلة انتقالية. وقال الدكتور نيل كويليام من برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مركز تشاتام هاوس إن السعودية شهدت انفتاحاً كبيراً خلال العقد الماضي، وإن جيلاً شاباً من صناع القرار بات يركّز على المصالح العملية، وسط منافسة متزايدة على الاستثمارات السعودية في المملكة المتحدة.

وأضاف أن السعوديين يقدّرون هذا النوع من الاهتمام، وأن استضافة الأمير ويليام تحمل رسالة سياسية ودبلوماسية واضحة. غير أن صور الأمير ويليام إلى جانب ولي العهد قد تثير انتقادات، خاصة في ظل تقرير استخباراتي أمريكي صدر عام 2021 أشار إلى موافقة محمد بن سلمان على قتل الصحفي جمال خاشقجي عام 2018، وهو ما نفته السعودية واعتبرته تقريراً كاذباً وغير مقبول.

اظهار أخبار متعلقة


وفي سياق متصل، لم يغيّر مسار التحديث الاقتصادي والاجتماعي موقف السلطات السعودية من منتقديها. وفي كانون الثاني/ يناير، قضت محكمة بريطانية بإلزام السعودية بدفع تعويضات تزيد على ثلاثة ملايين جنيه إسترليني لليوتيوبر والناشط غانم المسارير، بعد ثبوت تعرضه للملاحقة والتنصت والاعتداء، وهو ما أكد القضاة صحته.

ورغم ذلك، أعرب المسارير عن تفهمه لزيارة الأمير ويليام، معتبراً أنها تهدف إلى تعزيز العلاقات الثنائية، لكنه أشار إلى صعوبة تقبّل مشهد المصافحة بين الأمير وولي العهد في ظل قضية خاشقجي.

وعلى الرغم من الجدل المستمر حول سجل حقوق الإنسان، واصلت شخصيات دولية بارزة زيارة السعودية، من بينها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، إضافة إلى زيارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن لجدة عام 2022.

ويرى مراقبون أن العائلة المالكة البريطانية لطالما اعتمدت على نهج بناء العلاقات كوسيلة لتسهيل التعامل مع القضايا الحساسة، في إطار ما يُعرف بالقوة الناعمة للملكية. كما تُعد الزيارة امتداداً لعلاقات تاريخية بين العائلتين الملكيتين، إذ سبق للملك تشارلز زيارة السعودية مرات عدة، ويحتفظ بعلاقات ودية مع قيادتها الحالية.

وتُوصف زيارة الأمير ويليام بأنها محطة جديدة في مسيرته نحو ترسيخ حضوره السياسي والدبلوماسي على الساحة الدولية، وتمهيد الطريق لتعزيز العلاقات البريطانية في منطقة ذات أهمية استراتيجية كبيرة للمملكة المتحدة.
التعليقات (0)