لم تكن جرائم رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين نتاج لحظة طيش أو غريزة شاذة عابرة، بل مسارا طويلا من الاعتداء
والاتجار بالقاصرات، جرى تنفيذه بكل إصرار وثقة، في ظل شبكة نفوذ معقدة جعلته يتصرف وكأن المحاسبة احتمال مستبعد.
وعلى الرغم من الشكاوى المبكرة التي وصلت إلى جهات إنفاذ القانون في
الولايات المتحدة، استمر إبستين في أفعاله لسنوات من دون خوف من الملاحقة، ما يثير تساؤلات عميقة حول العوامل التي وفرت له هذا الغطاء الممتد.
ويقتضي فهم هذا المسار العودة إلى تفاصيل حياة إبستين منذ نشأته الأولى، وتتبع صعوده الاجتماعي والمالي، والعلاقات التي بناها، والأساليب التي اعتمدها للتمويه والضغط والإفلات من المساءلة القانونية.
من تفوق أكاديمي غامض إلى أول أبواب النفوذ
اختار جيفري إبستين الاستمرار في ارتكاب جرائم الاعتداء والاتجار بالقاصرات من دون خوف من المحاسبة أو من تحرك المباحث الفيدرالية، رغم البلاغات المقدمة ضده، وهو ما يفرض تتبع تفاصيل حياته ومساره منذ البداية لفهم كيف تمكن من الإفلات طوال عقود.
في العشرين من يناير 1953، ولد جيفري إبستين في ولاية
نيويورك لأسرة يهودية من الطبقة المتوسطة، لم تعرف الفقر كما لم تصل الثراء، حيث كان الابن الأكبر في عائلته، ولم تحمل طفولته أو مراهقته ما يثير الشك أو الفضول، باستثناء تفوقه اللافت في الرياضيات، وهو الذكاء الذي شكل لاحقا مدخله إلى عالم المال والأعمال.
تلقى إبستين تعليمه في المدارس العامة، ثم التحق بالجامعة لدراسة الرياضيات والفيزياء، لكنه لم يكمل دراسته الجامعية، إذ تركها عام 1974 من دون الحصول على أي مؤهل أكاديمي.
ورغم ذلك، التحق بمدرسة دالتون المرموقة ليعمل مدرسا للرياضيات، في خطوة لم يعرف أحد حتى اليوم كيف تحققت.
ومنذ تلك المرحلة، بدأت سلسلة من الأحداث في حياة إبستين من دون تفسير واضح، وهو الأسلوب الذي اعتمده لما يقارب خمسة وأربعين عاما.
اظهار أخبار متعلقة
واتسم إبستين بكاريزما لافتة وقدرة عالية على بناء العلاقات، إلى جانب ميله لتجنب الظهور العلني، وهي صفات شكلت الأساس الذي بنى عليه إمبراطوريته لاحقا.
وخلال عمله في مدرسة دالتون، لم تسجل شكاوى تذكر ضده، باستثناء شكوى واحدة من طالبة أعربت عن عدم ارتياحها لطريقة معاملته، وبعد عامين، طرد إبستين من المدرسة لسوء الأداء.
بالمال والاحتيال.. شركة لإدارة الثروات
عقب طرده مباشرة، تلقى عرض عمل من رجل الأعمال آلان غرينبيرغ، مالك مؤسسة "بير ستيرنز"، الذي كان ابنه وابنته من طلاب إبستين.
وخلال سنوات عمله في المؤسسة، أظهر كفاءة عالية، وبنى علاقات قوية مع عملائه، لم تقتصر على إطار العمل الرسمي، بل امتدت إلى تقديم نصائح مالية واستثمارية شخصية، وبعد أربع سنوات فقط، أصبح شريكا محدودا، لكنه طرد بعد عام واحد لمخالفته قواعد المؤسسة.
في عام 1981، وبعد مغادرته "بير ستيرنز"، أسس إبستين شركته الخاصة التي عملت على استرداد أموال نُهبت من عملائه خلال عمليات تلاعب أو نصب، غير أن بوصلته الأخلاقية غير المنضبطة جعلته يتعامل مع ضحايا التلاعب ومع المتلاعبين أنفسهم.
وفي عام 1987، وصل إلى رجل الأعمال ستيفن هوفينبيرغ، الذي كان يقود مخطط بونزي واسع النطاق باستخدام بيانات مالية كاذبة، بلغت قيمته نحو 460 مليون دولار.
لعب إبستين دورا محوريا في تزوير الأصول وإدارة الأوراق المالية والتلاعب بأسعار الأسهم بشكل غير قانوني، وعندما أُدين هوفينبيرغ وحُكم عليه بالسجن عشرين عاما، لم يذكر إبستين خوفا من أن ينجو الأخير من العقاب.
وكان إبستين قد ادعى أمامه أنه شاهد متعاون مع وزارة العدل الأمريكية ويتمتع بحظوة لديها، وهو ادعاء أنقذه لاحقا من الملاحقة.
روّج إبستين في دوائره الخاصة لفكرة أنه عميل للاستخبارات المركزية الأمريكية، وهو أمر لم تؤكده أو تنفه الوكالة، لكن الثابت أنه كان يحمل عدة جوازات سفر بأسماء وبيانات مزيفة، استخدمها للتنقل بين دول عدة في الثمانينيات.
وفي عام 1988، أسس شركة لإدارة الثروات، كان شديد الانتقائية في اختيار عملائها، فلا يقبل بأقل من مليار دولار كرأس مال، ولا يتقاضى نسبة من الأرباح، بل رسوما ثابتة.
لم يكن للشركة عملاء معروفون سوى ليزلي ويكسنر، صاحب مجموعة من العلامات التجارية، والذي اشتهر بإدارته استثماراته بنفسه، لكنه رغم ذلك وكل إبستين بمتابعة شؤونه المالية.
وبين عامي 1991 و2006، أشرف إبستين على بيع أسهم بقيمة 1.3 مليار دولار من أصول ويكسنر، الذي قال لاحقا إن إبستين سرق 46 مليون دولار، وهي شهادة لم تصدر إلا بعد وفاة إبستين.
اظهار أخبار متعلقة
في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، أصبح إبستين شخصية بارزة في أوساط النخب الأمريكية، وامتلك أغلى المنازل في نيويورك، ونسج شبكة علاقات واسعة ضمت سياسيين وفنانين ورجال أعمال، من بينهم الرئيسان الأمريكيان بيل كلينتون ودونالد ترامب، والأمير البريطاني أندرو، ونجوم هوليوود مثل كيفين سبيسي وودي آلن.
وكان من أبرز أصدقائه الإعلامي البريطاني روبرت ماكسويل، الذي أثيرت حوله شبهات العمل لصالح أجهزة استخبارات أجنبية، وهي شبهات لاحقت إبستين أيضا.
في مطلع التسعينيات، نشأت علاقة بين إبستين وغيلين ماكسويل بعد وفاة والدها، تطورت إلى شراكة شخصية وجرمية.
العدالة المؤجلة وصفقات الإفلات
وفي عام 1996، تلقت المباحث الفيدرالية بلاغا من الرسامة ماريا فارمر، موظفة إبستين السابقة، يفيد بتعرضها وشقيقتها القاصر آنذاك لاعتداءات جنسية من إبستين وماكسويل. ورغم جدية البلاغ، لم يتحرك التحقيق، وبفضل شبكة علاقاته وثروته الضخمة، تجاهل إبستين الأمر تماما.
لاحقا، وفي عام 2003، حاولت مجلة "فانيتي فير" نشر تحقيق عن إبستين، لكن التفاصيل التي تدينه حُذفت بناء على تعليمات إدارية.
وفي العام نفسه، تلقت شرطة "بالم بيتش" بلاغات عن تردد فتيات صغيرات على قصره، لكنها أغلقت الملف بعد ادعاءات بأنهن يعملن في مهام مكتبية.
في عام 2005، تقدمت سيدة ببلاغ تتهم إبستين بالاعتداء على ابنة زوجها القاصر مقابل 300 دولار. تولى المحقق جو ريكيري القضية، واكتشف شبكة معقدة من القاصرات جرى استدراجهن عبر وسطاء من فتيات أخريات، مقابل مبالغ مالية، وتبين أن ماكسويل كانت تشارك أحيانا في الاعتداءات، وأن القاصرات كن يُرسلن أيضا إلى أصدقاء إبستين من النخب.
ورغم صدور أمر بتفتيش قصره، وعثور الشرطة على دلائل مقلقة، انتهت القضية عام 2008 بصفقة قضائية اعترف فيها إبستين بالذنب مقابل 18 شهرا في سجن بالم بيتش، مع امتيازات سمحت له بالخروج للعمل يوميا، وبعد 13 شهرا فقط، أنهى محكوميته ووُضع تحت الإقامة الجبرية، التي لم يلتزم بها.
عادت القضية للواجهة في عام 2019، حين أبطلت محكمة فيدرالية اتفاق عدم الملاحقة، ووجهت لإبستين اتهامات بالاتجار بالقاصرات.
ألقي القبض عليه فور عودته من باريس، وداهمت المباحث الفيدرالية منزله، حيث عثرت على مئات الصور لقاصرات وجوازات سفر مزيفة. هذه المرة، رُفض الإفراج عنه بكفالة.
في الثامن من أغسطس 2019، كتب إبستين وصيته، ونقل ثروته المقدرة بـ577 مليون دولار إلى صندوق ائتماني في جزر فيرجينيا، وفي العاشر من الشهر نفسه، عُثر عليه منتحرا في زنزانته بسجن مانهاتن الفيدرالي.
اظهار أخبار متعلقة
بوفاته، سقطت الدعوى الجنائية، وبقيت الأسئلة الكبرى بلا إجابة، في قضية انتهت من دون محاسبة كاملة.
وأخيرا، أعادت وزارة العدل الأمريكية فتح ملف جيفري إبستين نهاية الشهر الماضي إلى الواجهة بعد نشر دفعات جديدة من الوثائق المرتبطة بالتحقيقات، في خطوة ضمن قانون الشفافية والاستجابة للضغوط المتصاعدة من الرأي العام والكونغرس والناجين.
وكشفت الملفات عن مراسلات وشهادات ووثائق لم تكن متاحة سابقا، أعادت طرح تساؤلات قديمة حول كيفية تعامل السلطات مع البلاغات المبكرة، وحدود النفوذ الذي تمتع به إبستين، وأسباب تعثر ملاحقته لسنوات طويلة رغم خطورة الاتهامات.
ورغم أن نشر هذه الوثائق لا يغير من النهاية القانونية للقضية بعد وفاة إبستين، إلا أنه أعاد إشعال الجدل حول دور المؤسسات الرسمية، ومسؤولية الجهات التي أبرمت صفقات خففت عنه العقوبة، أو غضت الطرف عن مؤشرات خطيرة.