العالم يقترب من كسر أرقام الحرارة القياسية مجددا.. من يقف خلف المشكلة؟

شكلت الصين والولايات المتحدة والهند 48.5 بالمئة من الانبعاثات العالمية- الأناضول
شكلت الصين والولايات المتحدة والهند 48.5 بالمئة من الانبعاثات العالمية- الأناضول
شارك الخبر
أفاد مرصد كوبيرنيكوس الأوروبي لمراقبة التغير المناخي ومعهد بيركلي إرث الأمريكي، الأربعاء، بأن عام 2025 حل ثالثا في قائمة أكثر الأعوام حرارة على الإطلاق المسجلة عالميا، مع توقعات باستمرار المستويات الحرارية المرتفعة تاريخيا خلال عام 2026، ما يعيد فتح ملف المناخ الشائك، حيث تقف خمس قوى دولية خلف أكثر من نصف انبعاثات الكوكب.

وسجل مرصد كوبيرنيكوس في تقريره السنوي أن درجات الحرارة العالمية استقرت على مدى ثلاث سنوات متتالية عند مستويات غير مسبوقة على المدى الزمني البشري، بعدما تجاوز متوسط درجة الحرارة خلال هذه الفترة 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية بين عامي 1850 و1900.

وأوضح علماء من معهد بيركلي إيرث في الولايات المتحدة، في بيان منفصل، أن الزيادة الحادة المسجلة بين عامي 2023 و2025 كانت شديدة، وتعكس تسارعا واضحا في وتيرة الاحتباس الحراري العالمي.

وتوقعت سامانثا بورجيس، نائبة مدير قسم تغير المناخ في مرصد كوبيرنيكوس، أن يندرج عام 2026 ضمن قائمة أكثر خمسة أعوام حرارة على الإطلاق، مرجحة أن يكون مماثلا لعام 2025 من حيث مستويات الحرارة.

ورجح علماء المناخ في معهد بيركلي إرث بدورهم أن يكون عام 2026 مشابها لعام 2025، مع اعتبار السيناريو الأكثر احتمالا أن يصنف رابعا كأدفأ عام منذ بدء التسجيلات عام 1850.

اظهار أخبار متعلقة



وقال كارلو بونتيمبو، مدير قسم تغير المناخ في معهد بيركلي إيرث: "إذا حدثت ظاهرة النينيو، وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، فقد يصبح عام 2026 عاما قياسيا".

أزمة مناخ عالمية بأعباء غير متكافئة بين الدول

وفي السياق، سلطت التطورات المناخية المسجلة خلال عام 2025 الضوء على تصاعد أزمة الاحتباس الحراري في العالم، إذ تتزامن الارتفاعات القياسية في درجات الحرارة مع احتدام الجدل حول مسؤولية الدول الكبرى عن الانبعاثات، مقابل دول أقل مساهمة تدفع ثمنا متزايدا من أمنها الغذائي واستقرارها البيئي.

وفي ظل أرقام علمية تكشف تمركز الجزء الأكبر من الانبعاثات في عدد محدود من القوى الدولية، حيث يعود ملف العدالة المناخية إلى الواجهة، باعتباره أحد أكثر التحديات السياسية والاقتصادية إلحاحا في النظام الدولي المعاصر.

وأشارت أحدث بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن خمس قوى دولية تقف خلف أكثر من نصف الانبعاثات العالمية، ما يعيد مسألة "العدالة المناخية" إلى صلب الجدل السياسي والاقتصادي على المستوى الدولي.

وتشكلت الصورة الراهنة للتلوث المناخي مع تسارع النشاط الصناعي خلال العقود الأخيرة، لكنها في جوهرها امتداد لمسار تاريخي طويل ارتبط بالثورة الصناعية ونمو الاقتصادات القائمة على الوقود الأحفوري، ولم تعد المشكلة اليوم مقتصرة على دول بعينها، غير أنها ما تزال غير موزعة بالتساوي، سواء من حيث الحجم الإجمالي للانبعاثات أو نصيب الفرد منها أو المسؤولية التاريخية عنها.

وتصدرت الصين قائمة الدول الأكثر مساهمة في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، بإنتاجها نحو 30 بالمئة من إجمالي الانبعاثات العالمية، وعزا خبراء ذلك إلى الاعتماد الواسع على الفحم في تشغيل محطات الكهرباء، إضافة إلى دورها كمركز صناعي عالمي يزود الأسواق الدولية بالسلع.

ورغم استثماراتها الكبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، واصلت بكين توسيع بنيتها التحتية القائمة على الفحم، في مفارقة تعكس التوتر بين متطلبات النمو الاقتصادي وضغوط التحول المناخي. ووصفت صحيفة "الغارديان" هذا المسار بأنه "انتقال بطيء في اقتصاد يتحرك بسرعة".

وحلت الولايات المتحدة في المرتبة الثانية، باعتبارها أكبر ملوث في التاريخ الحديث رغم تراجع حصتها النسبية في الوقت الراهن، وبني الاقتصاد الأمريكي لعقود على النفط والغاز ضمن نموذج استهلاكي كثيف يعتمد على السيارات الفردية والضواحي الواسعة.

وذكر تحليل نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" أن الولايات المتحدة مسؤولة عن نحو ربع الانبعاثات التاريخية المتراكمة في الغلاف الجوي، ما يضعها في قلب النقاش حول "الدين المناخي" تجاه الدول النامية، حتى مع توجه الإدارة الحالية نحو توسيع الاستثمار في الطاقة النظيفة.

واحتلت الهند المرتبة الثالثة عالميا، مدفوعة بنمو سكاني واقتصادي متسارع، واعتبرت الهند حالة إشكالية في النقاش المناخي، إذ تبقى انبعاثاتها للفرد أقل بكثير من نظيراتها في الدول الصناعية، لكن حجمها السكاني يجعل أثرها الإجمالي كبيرا، كما شددت نيودلهي في المحافل الدولية على حقها في التنمية ورفع مستوى المعيشة لمئات الملايين.

وبرزت روسيا في المرتبة الرابعة، مع اعتماد اقتصادي كبير على صادرات النفط والغاز، وأسهمت عمليات حرق الغاز المصاحب والبنية التحتية القديمة في ارتفاع الانبعاثات، في وقت تراجع فيه الاهتمام بالملف البيئي على خلفية الحرب والعقوبات الغربية، وذكر تقرير لوكالة الطاقة الدولية أن روسيا من بين أكثر الدول تسجيلا لانبعاثات ناتجة عن تسربات الغاز، وهي مشكلة تحمل أبعادا تقنية وسياسية في آن واحد.

انبعاثات مركّزة.. بأرقام صادمة

وعند احتساب الاتحاد الأوروبي ككتلة واحدة، جاء في موقع متقدم ضمن قائمة المسببين للانبعاثات، رغم نجاحه النسبي في خفضها خلال العقدين الأخيرين، غير أن هذا التراجع لم يخل من إشكاليات، إذ أشارت تحقيقات صحفية إلى أن جزءا من الانخفاض يعود إلى نقل الصناعات الثقيلة والملوثة إلى دول آسيوية، بدلا من التخلص الفعلي من مصادر التلوث.

من جانب آخر، أظهر تقرير أوروبي صادر عن المركز المشترك للبحوث التابع للاتحاد أن أكبر الدول المسببة لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري خلال عام 2024 كانت الصين، بإجمالي بلغ نحو 15,536.10 مليون طن مكافئ ثاني أكسيد الكربون، متقدمة بفارق واسع على بقية الدول.

اظهار أخبار متعلقة



وجاءت الولايات المتحدة في المرتبة الثانية بانبعاثات بلغت 5,912.62 مليون طن، تلتها الهند بـ4,371.17 مليون طن.

وبحسب التقرير، شكلت هذه الدول الثلاث مجتمعة نحو 48.5 بالمئة من إجمالي الانبعاثات العالمية المقدرة بـ53.2 جيجا طن، في وقت سجلت فيه الانبعاثات العالمية زيادة بنسبة 1.3 بالمئة مقارنة بعام 2023.

واحتل الاتحاد الأوروبي المرتبة الرابعة بإجمالي انبعاثات بلغ 3,164.66 مليون طن، ما يعادل 5.95 بالمئة  من الإجمالي العالمي، محققًا انخفاضًا بنسبة 1.8 بالمئة  مقارنة بالعام السابق، وهو ما عزز موقعه بوصفه أحد القادة في خفض الانبعاثات بنسبة 35% منذ عام 1990.

في المقابل، جاءت روسيا في المرتبة الخامسة بانبعاثات قدرها 2,575.65 مليون طن، أي 4.84 بالمئة  من الإجمالي العالمي، مع تسجيل زيادة ملحوظة ارتبطت بالاعتماد على الغاز الطبيعي وتداعيات الحرب في أوكرانيا.

أما إندونيسيا، فحلت في المرتبة السادسة بانبعاثات بلغت 1,323.78 مليون طن، أي 2.49 بالمئة  من الإجمالي العالمي، مسجلة ارتفاعًا بنسبة 5.0 بالمئة  نتيجة إزالة الغابات واستخدام الفحم. وبذلك،

وبيّن التقرير أن غازات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن الوقود الأحفوري استحوذت على 74.5 بالمئة  من الانبعاثات العالمية، تلاها الميثان بنسبة 17.9 بالمئة ، ثم أكسيد النيتروز بـ4.8 بالمئة، والفلوروكاربونات بـ2.8 بالمئة.

وفي الصين، التي تمثل 29.20 بالمئة من الإجمالي العالمي، ارتبط ارتفاع الانبعاثات بالاعتماد على الفحم في قطاعي الطاقة والصناعة، مع توقعات ببلوغ ذروة الانبعاثات في عام 2025 عند نحو 15.1 جيجا طن في سيناريوهات متفائلة.

أما الولايات المتحدة، التي تمثل 11.11 بالمئة من الإجمالي العالمي، فقد شهدت استقرارًا نسبيًا في انبعاثاتها، مع تسجيل انخفاض تاريخي بنسبة 6.1 بالمئة  منذ عام 1990، مدفوعًا بالتحول نحو الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة، إلى جانب استهداف خفض الانبعاثات بنسبة 50–52 بالمئة بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات عام 2005.

في المقابل، سجلت الهند زيادة قدرها 164.8 مليون طن، بارتفاع نسبته 2.6 بالمئة في عام 2023 إلى نحو 3.96 جيجا طن، نتيجة النمو السكاني والتوسع في أنشطة الزراعة والطاقة.

وسجلت الانبعاثات العالمية ارتفاعًا متواصلًا منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، باستثناء عامي 2009 و2020 اللذين شهدا تراجعًا بفعل الأزمات الاقتصادية وجائحة كوفيد-19، مع كون الاقتصادات الناشئة، وفي مقدمتها الصين والهند، المحرك الرئيس لهذا الارتفاع.

اظهار أخبار متعلقة



وعلى الصعيد الجيوسياسي، تمثل هذه الدول مجتمعة 51.4بالمئة من سكان العالم و62.5بالمئة  من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو ما يعقّد مسار المفاوضات الدولية، بما في ذلك مفاوضات اتفاق باريس، حيث تطالب الدول النامية بدعم مالي للانتقال الأخضر، في مقابل تحميل الدول الغنية مسؤولية تاريخية عن التلوث.

وبينت هذه الخريطة المناخية أن التركيز على الأرقام المطلقة وحدها قد يكون مضللا، إذ لا تزال الدول الصناعية الكبرى صاحبة النصيب الأكبر من الانبعاثات التاريخية، في حين تواجه دول الجنوب العالمي آثار التغير المناخي بأقل قدر من المسؤولية عنه.

وأسهم هذا التناقض في تعميق الجدل حول تمويل التكيف المناخي وتعويض الخسائر والأضرار، وهي قضايا تتكرر في بيانات الأمم المتحدة دون حسم عملي.
التعليقات (0)