شهادة من داخل البيت الأبيض.. كيف رأت إدارة أوباما الثورة المصرية؟
لندن- عربي21, وكالات30-Jan-2607:27 AM
ضغوط السعودية والإمارات.. خطوط حمراء أمام التغيير - جيتي
شارك الخبر
يقدم بن رودس، نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، في كتابه «العالم كما هو: مذكرات من البيت الأبيض في عهد أوباما» شهادة تفصيلية من داخل غرف صنع القرار الأمريكي خلال واحدة من أكثر لحظات الشرق الأوسط اضطرابا، كاشفا حجم التناقضات التي حكمت سياسة واشنطن بين خطاب دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وبين هواجس الاستقرار والتحالفات التقليدية.
ويحتل المشهد المصري، ولا سيما لحظة تنحي الرئيس الراحل حسني مبارك، موقعا محوريا في هذه المذكرات، إذ يصف رودس تلك اللحظة باعتبارها اختبارا أخلاقيا وسياسيا غير مسبوق لإدارة باراك أوباما، كشف عمق الانقسام داخل الإدارة الأمريكية نفسها، وبينها وبين حلفائها الإقليميين، خصوصا السعودية والإمارات.
مبارك في نظر واشنطن
يستهل رودس روايته بالعودة إلى ما بعد عودة أوباما من هاواي، حين أجرى اتصالا هاتفيا مع حسني مبارك، في وقت كانت فيه شرارة الثورة التونسية قد أطاحت بزين العابدين بن علي، وبدأت أصداؤها تمتد إلى القاهرة.
ورغم مشاهد إحراق متظاهرين مصريين أنفسهم على غرار محمد البوعزيزي، يؤكد رودس أن مجتمع الاستخبارات الأمريكي لم يكن يرى في البداية أن هذه الاحتجاجات قادرة على إسقاط أنظمة راسخة مثل نظام مبارك أو بشار الأسد، نظرا لاعتمادها على أجهزة أمنية قوية ودعم خارجي، كانت الولايات المتحدة نفسها في صدارة داعميه في الحالة المصرية.
ويشير إلى أن واشنطن بنت، منذ اتفاقيات كامب ديفيد، شبكة علاقات عميقة مع الدولة المصرية ومؤسستها العسكرية، عبر عقود من المساعدات والتنسيق الأمني، ما جعل التخلي عن مبارك خطوة شديدة الكلفة سياسيا واستراتيجيا.
اظهار أخبار متعلقة
فجوة الأجيال داخل الإدارة الأمريكية
يكشف رودس عن انقسام حاد داخل الإدارة الأمريكية٬ تمثل في “فجوة أجيال” واضحة؛ إذ دفع موظفون شباب في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية باتجاه دعم المحتجين ورأوا في الربيع العربي فرصة تاريخية لإصلاح حقيقي، في مقابل مسؤولين كبار فضلوا الاستقرار والرهان على بقاء الأنظمة القائمة.
ويذكر رودس أسماء بارزة في المعسكر الداعم للاحتجاجات، من بينهم غايل سميث، وسامانثا باور، ومايك ماكفول، الذين حذروا مبكرا من أن مصر ستكون “الاختبار الحقيقي” لموقف واشنطن: هل ستقف إلى جانب الشعوب أم إلى جانب المستبدين؟
في المقابل، أصرت وزيرة الخارجية آنذاك هيلاري كلينتون على أن النظام المصري “مستقر”، بينما قال جو بايدن علنا إن مبارك “ليس ديكتاتورا”، ما جعل الإدارة تبدو، بحسب رودس، متأخرة عن نبض الشارع المصري ومنحازة ضمنيا إلى حليف استبدادي.
أوباما بين التعاطف والحذر
ينقل رودس أن أوباما، في الجلسات الخاصة، عبر بوضوح عن تعاطفه مع المحتجين، وقال ساخرا لماكفول إنه كان يفضل أن يدير “رجل من غوغل” مصر، في إشارة إلى الناشط وائل غنيم.
غير أن هذا التعاطف لم يكن محل إجماع داخل فريقه، إذ ظل وزير الدفاع روبرت غيتس والمؤسسة العسكرية يرون أن الاستقرار يمر عبر مبارك، بينما خشي مجتمع الاستخبارات من استغلال الفوضى من قبل المتطرفين.
ويصف رودس كيف جرى تفريغ مسودات بيانات أوباما الأولى بشأن مصر من أي إشارات لحقوق الإنسان أو مطالب المحتجين، تحت شعار “التوازن”، قبل أن يصر الرئيس في النهاية على استخدام صيغة أكثر وضوحا تدعو إلى “مسار تغيير سياسي”.
مشاهد من قلب الأزمة
يقدم رودس وصفا حيا للأيام العصيبة داخل الجناح الغربي للبيت الأبيض، حيث كانت شاشات التلفزيون تنقل على مدار الساعة صور ميدان التحرير، والاشتباكات، وهجوم “البلطجية” على المتظاهرين، ما دفع المتحدث باسم البيت الأبيض روبرت غيبس للتساؤل غاضبا: “كيف يمكن تسمية هذا ضبطا للنفس؟”.
ويشير إلى أن الإدارة كانت تتلقى، في الوقت ذاته، رسائل متناقضة: محتجون مصريون يشعرون بخيبة أمل من تردد أوباما، ومسؤولون مصريون وخليجيون يرون أن واشنطن “تتخلى عن حليفها”.
اظهار أخبار متعلقة
ضغط الخليج وخطوط حمراء
يكشف رودس عن ضغوط مباشرة مارستها السعودية والإمارات لمنع واشنطن من التخلي عن مبارك، مشيرا إلى اتصال الملك السعودي عبد الله بأوباما في 29 كانون الثاني/يناير 2011، معترضا على تصريحات الإدارة، ومصورا المحتجين على أنهم “الإخوان المسلمون، وحزب الله، والقاعدة، وحماس”.
ويؤكد رودس أن هذا التصور لم يكن يتطابق مع الواقع الذي رآه فريق أوباما، حيث ضمت الاحتجاجات طيفا واسعا من الشباب والعلمانيين والمسيحيين.
اللحظة الحاسمة.. مكالمة التنحي
بلغت الأزمة ذروتها في الأول من شباط/فبراير2011، عندما تابع مسؤولو الإدارة خطاب مبارك الذي أعلن فيه عدم ترشحه مجددا، لكنه تمسك بالبقاء حتى نهاية ولايته، محذرا من “الفوضى”. عندها قال أوباما، بحسب رودس: “هذا لن ينجح، هؤلاء الناس لن يعودوا إلى بيوتهم”، وقرر الاتصال بمبارك ليطالبه بالتنحي.
ينقل رودس تفاصيل المكالمة بدقة، حيث قال أوباما لمبارك، بكل احترام، إن بقاءه سيؤدي إلى استمرار الاحتجاجات وتعقيد دور الجيش، وإن الوقت قد حان لتسليم السلطة. لكن مبارك رد بحدة: “أنت لا تفهم ثقافة الشعب المصري… هذه الاحتجاجات ستنتهي”.
ارتباك أمريكي ورسائل متناقضة
بعد المكالمة، اندلع خلاف جديد داخل الإدارة حول صياغة بيان أوباما الذي دعا إلى انتقال سياسي “يجب أن يبدأ الآن”، وهي عبارة واجهت معارضة شديدة من غيتس وكلينتون، قبل أن يصر أوباما على الإبقاء عليها.
وتفاقم الارتباك عندما أدلى المبعوث الأمريكي فرانك ويزنر، دون علم البيت الأبيض، بتصريحات في مؤتمر ميونيخ توحي بدعم بقاء مبارك، ما أثار غضب أوباما ودفعه للتدخل مباشرة لتصحيح المسار.
اظهار أخبار متعلقة
السقوط.. وما بعده
يروي رودس أن الأيام اللاحقة بدت وكأنها نهاية محتومة، ومع اتساع الاحتجاجات وابتعاد الجيش عن مبارك، أعلن الأخير تنحيه في 11 شباط/فبراير2011. ويصف رودس مشاعر الابتهاج التي عمت القاهرة، وكيف صاغ بيان أوباما الذي شبه ما جرى بلحظات تاريخية مفصلية.
لكن رودس يخلص إلى أن المشكلة لم تكن في إسقاط مبارك، بل في عجز واشنطن عن دعم انتقال ديمقراطي حقيقي بعد ذلك، إذ ظل الميل الغريزي للإدارة هو تسليم الأمور للمؤسسة العسكرية.
ويختتم بسرد مكالمة كان من المنتظر أن يجريها أوباما مع قادة خليجيين، بينهم محمد بن زايد، الذين ضغطوا سابقا لصالح مبارك، في مشهد يلخص، بحسب رودس، مأزق السياسة الأمريكية: إدارة تمزقها التناقضات بين القيم والمصالح، وتدفع المنطقة ثمن هذا التردد لسنوات لاحقة.