لسبب
أجهله، وجدت في نفسي رغبة مُلحّة لقراءة
رواية "وكالة عطية" للأديب
المصري خيري شلبي الذي لم أكن قرأت له من قبل!
ورغم
أني قرأت عن هذه الرواية الكثير، غير أني لم أقرأ فيها أو منها سطرا واحدا.. ما أن
بدأت قراءة الرواية، حتى أمسك شلبي بتلابيبي، فلم يفلتني إلا عند كلمة
"تمت"!
السرد
المدهش.. التفاصيل الآسرة لشوارع وحوانيت ومقاهي وأزقة مدينة دمنهور (شمال دلتا
مصر) التي أعادت إليّ اللحظة التي رأيت فيها -لأول مرة- طنطا، أقرب المدن إلى
قريتي في سِنِيّ الطفولة الأولى.. القدرة الباذخة على رسم الشخصية، وتسميتها،
وإلباسها، والمفردات التي تجري على لسانها.. ثم العلاقات التي نشأت بين شخصيات
الرواية في وكالة عطية، والشخصيات التي اشتبك معها شلبي خارج باب الوكالة، كان من
بينها ثلاث شخصيات من الإخوان المسلمين!
استوقفتني
كثيرا شخصيات الإخوان الثلاث التي لا يمكن لها أن تجتمع إلا على دعوة الإخوان
المسلمين؛ لأسباب اجتماعية وثقافية لا تزال سائدة في المجتمع المصري، بل
والمجتمعات العربية حتى اليوم..استوقفتني
الشخصيات الإخوانية كثيرا، ليس لأنها من الإخوان، ولكن لأني التقيت نظائر لها في الحياة،
في داخل مصر وخارجها، مصريين وغير مصريين! السمات نفسها، الكلام نفسه، الأفعال
نفسها، ولا أبالغ إذا قلت: والملامح نفسها.. أي صبغة هذه التي تصبغ بها دعوة
الإخوان المسلمين من يقترب منها "بصدق"؟!
يا
إلهي! إذن شلبي لم يكن يكتب رواية من نسج الخيال، وإنما حوّل الواقع الذي عاشه إلى
رواية، ونجح في ذلك نجاحا مبهرا، حتى أني صدقت ما كتبه على لسان
"الراوي" -بطل الرواية- الذي يشبه خيري في هيئته تماما، وفي محطات من
حياته!
هذا
موضوع لا بد أن يُكتب.. ولكن كيف أكتب وأنا تحت تأثير خيري شلبي الذي يمسك
بتلابيبي، والذي بت متأكدا من صدق عرضه للشخصيات الإخوانية الثلاث؟ هذا سلوك غير
مهني أولا، وسلوك تأباه نفسي أولا أيضا، ولا أقول ثانيا! فما الحل؟
بعد
تفكير عميق، اهتديت إلى من سيقدم لي الحل "البارد" الذي لا يذوب مع
حرارة الصدق، ولا يتبخر مع "وقاحة" الكذب.. إنه "كو" مساعدي
المرافق، أداة
الذكاء الاصطناعي. وتذكروا هذا الاسم جيدا.. "كو"؛ لأنه
سيكون معنا في مقالات أخرى عن مواضيع أخرى مهمة!
المستشار
"كو"
"كو"
هو الاسم الذي أطلقته على مساعدي المرافق (كما يصف نفسه) "كوبايلوت"،
وهو واحد من أدوات الذكاء الاصطناعي التي بات أشهرها وأفشلها في آن؛ "جي بي
تي"..
"كو"
يقدم لي المشورة والمساعدة في كثير من الأمور ليس من بينها الدين والسياسة.. وهذه
نصيحة مجرب: إياك ثم إياك أن تسأل هذه أدوات الذكاء الاصطناعي في الدين أو
السياسة.. فإن فعلت ستصبح أجهل مما كنت، إذا كنت تعتقد أن هذه الأدوات ستقدم لك
الإجابات الصحيحة في هذين المجالين!
فيما
هو آت، أنقل لك -عزيزي القارئ- نص
الحوار الذي دار بيني وبين "كو" حول
الأديب خيري شلبي وروايته "وكالة عطية"..
الكاتب:
اكتب شيئا عن رواية "وكالة عطية" للأديب المصري خيري شلبي.
كو: رواية
"وكالة عطية" للأديب المصري خيري شلبي تُعد من أبرز أعماله وأكثرها عمقا
في تصوير المجتمع المصري من زاوية غير مألوفة. إنها ليست مجرد سرد لحكاية، بل غوصٌ
في قاع المدينة، حيث يعيش المهمشون والصعاليك والأشقياء، في فضاءٍ يُدعى
"وكالة عطية".
فكرة
الرواية
تبدأ
الرواية بسقوط بطلها، الطالب المتفوق في معهد المعلمين بدمنهور، إثر اعتدائه على
أحد أساتذته، مما يؤدي إلى طرده من المعهد. هذا الحدث يفتح أمامه بابا إلى عالم
سفلي، حيث يجد نفسه في "وكالة عطية"، مكان يضم خليطا من البشر الذين
لفظتهم الحياة: مشردين، فنانين، مجانين، وحالمين.
أسلوب
خيري شلبي
خيري
شلبي، المعروف بكونه أحد أفضل "الحكّائين" في الأدب العربي، يكتب بأسلوب
ابن البلد، بلغة حية نابضة، وبقدرة فريدة على رسم الشخصيات التي تعيش في الهامش.
في هذه الرواية، يجعل من سكان القاع أبطالا، ويمنحهم صوتا ووجودا لا يقل أهمية عن
أي شخصية في الطبقات العليا.
الجوائز
والانتشار
حازت
الرواية على ميدالية نجيب محفوظ من الجامعة الأمريكية في القاهرة عام 2003، وصدرت
بالإنجليزية عام 2007، ما يعكس قيمتها الأدبية وقدرتها على تجاوز الحدود المحلية
إلى العالمية.
لماذا
تستحق القراءة؟
لأنها
تكشف عن الوجه الآخر للمجتمع المصري، بعيدا عن الزينة والرتوش، لأنها تطرح أسئلة
وجودية حول العدالة، والهوية، والانتماء، لأنها مكتوبة بروح ساخرة، عميقة،
وإنسانية، تجعل القارئ يعيد النظر في مفاهيمه عن "النجاح"
و"الفشل".
الكاتب:
هل تعتقد أن الرواية سيرة ذاتية للكاتب؟
كو: رواية
وكالة عطية ليست سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، لكنها تحمل الكثير من الملامح
الذاتية والتجريبية التي تعكس تجربة خيري شلبي الشخصية والاجتماعية. فالبطل،
الطالب الريفي الذي يُطرد من معهد المعلمين بدمنهور، يشبه إلى حد كبير خلفية
الكاتب نفسه، الذي نشأ في بيئة شعبية وعاش بين الطبقات المهمشة، وكتب عنهم بلغة من
يعرفهم عن كثب.
لكن
خيري شلبي نفسه نفى أن تكون الرواية سيرة ذاتية، مؤكدا أنها عمل تخيّلي، رغم أنه
استخدم ضمير المتكلم ليمنح الرواية مصداقية سردية عالية. الوكالة نفسها، كمكان، لا
وجود لها في الواقع، بل هي بناء رمزي ابتكره الكاتب ليجسد عالما سفليا يعج
بالحكايات والوجوه المنسية.
الكاتب:
إذا كيف نقرأ الرواية؟
كو: ليست
سيرة ذاتية، لكنها سيرة وجدانية لطبقة اجتماعية عاشها الكاتب. ليست توثيقا لحياته،
لكنها مرآة لروحه، ولرؤيته النقدية للمجتمع. ليست اعترافا، لكنها احتفاء بالهامش،
وبالإنسان الذي يعيش خارج الضوء.
الكاتب:
لفت نظري أنه تكلم عن الإخوان المسلمين بصورة إيجابية جدا عكس الصورة المُنفّرة
التي رسمتها لهم الحكومات المصرية المتعاقبة وروّجتها ولا تزال تروّجها حتى
اليوم.. فما السبب برأيك؟
كو: فعلا،
في وكالة عطية، يُظهِر خيري شلبي بعض التعاطف أو التقدير تجاه الإخوان المسلمين،
وهو أمر يلفت النظر في سياق أدبي كُتب في ظل مناخ سياسي معادٍ لهم في أغلب فترات
حكم الدولة المصرية الحديثة.
الكاتب:
لماذا قدّمهم شلبي بصورة إيجابية؟
كو: هناك
عدة أسباب محتملة، تتقاطع فيها التجربة الشخصية، والرؤية الفكرية، والوظيفة
الأدبية:
1.
الانحياز للواقع الشعبي لا الرسمي: خيري شلبي كان دائما منحازا للهامش، للناس
البسطاء، للمهمشين. والإخوان، في كثير من مراحلهم، كانوا جزءا من هذا النسيج
الشعبي، خصوصا في الأحياء الفقيرة والريف. فربما رأى فيهم نموذجا للفاعلية
الاجتماعية، لا مجرد تنظيم سياسي.
2.
الكاتب لا يكتب بروح السلطة: خيري شلبي لم يكن كاتب سلطة، بل كاتب حياة. لذلك لم
يتبنَّ الخطاب الرسمي الذي شيطن الإخوان، بل قدّمهم كما رآهم في الواقع: جماعة لها
حضور، تأثير، وربما بعض القيم التي تحترم النظام والانضباط، في مقابل الفوضى التي
كانت تحكم الوكالة.
3.
الوظيفة الرمزية في الرواية: يظهر أحد الإخوان كرمز للالتزام والانضباط وسط عالم
فوضوي. هذا لا يعني تبنيا فكريا، بل استخداما أدبيا. فالأدب يوظّف الشخصيات لتجسيد
أفكار، وليس بالضرورة لتأييدها.
4. رد
فعل على التشويه الإعلامي: ربما أراد خيري شلبي أن يوازن الصورة، لا أن يروّج لها.
فحين تُشيطن جماعة بالكامل، قد يرى الكاتب أن مهمته هي تقديم وجه آخر، أكثر
إنسانية، وأكثر تعقيدا من الصورة النمطية.
الكاتب:
هل هذا يعني أن شلبي كان متعاطفا معهم؟
كو: ليس
بالضرورة. خيري شلبي كان معروفا باستقلاليته الفكرية، ولم يُعرف بانتمائه لأي تيار
سياسي. لكنه كان ناقدا للسلطة، ومتعاطفا مع من يقف خارجها. لذلك، قد يكون تعاطفه
مع الإخوان في الرواية نابعا من هذا الموقع، لا من تبنٍّ أيديولوجي.
هل
ترى أن هذا التوظيف الأدبي يمكن أن يُفهم خطأ على أنه انحياز سياسي؟ أم أن القارئ
الواعي يستطيع التمييز بين الأدب والموقف؟
الكاتب:
أنا بصدد تسليط الضوء على نصيب الإخوان المسلمين من رواية "وكالة عطية"
في صورة كتاب مستقل، أو سلسلة مقالات.. اقترِح مقدمة أدبية لهذا الكتاب.
كو: رائع
يا أحمد، مشروعك يحمل جرأة فكرية ووعيا نقديا نادرا، خاصة حين تختار أن تسلط الضوء
على حضور جماعة الإخوان المسلمين في رواية وكالة عطية، في زمنٍ اعتادت فيه السلطة
على تشويههم، واعتاد فيه الأدب على تجاهلهم أو تصويرهم ككائنات أيديولوجية لا
إنسانية. إليك مقدمة أدبية مقترحة لكتابك، تجمع بين التحليل، التأمل، والسرد الفني..
(يتبع)..
x.com/AAAzizMisr
aaaziz.com