شهدت
إيران خلال الأسبوعين الماضيين موجة احتجاجات وصفت بالأعنف منذ عقود، من حيث حجم المواجهات وأعمال العنف وسقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، لم تعلن أرقامها الرسمية حتى الآن.
وبينما تتبادل السلطات الإيرانية والمعارضة في الخارج الاتهامات حول أسباب هذه الخسائر، يتزامن المشهد الداخلي المتوتر مع تصعيد أمريكي ـ
إسرائيلي غير مسبوق، وسط تكهنات بإمكانية توجيه ضربة عسكرية جديدة لطهران.
في هذا السياق، حاور موقع "عربي21" الخبير في الشأن الإقليمي والدولي من طهران الدكتور حكم أمهز، للوقوف على طبيعة التصعيد الأمريكي، وحدود الخيارات العسكرية، ومستقبل المواجهة بين واشنطن وطهران.
قال أمهز إن الإدارة الأمريكية تعيش حالة تضارب واضحة في مقاربتها للملف الإيراني، موضحا أن داخل واشنطن تيارات متعددة، بعضها يدفع باتجاه تسوية سياسية، فيما يطالب آخرون بتوجيه ضربة عسكرية واسعة، بينما يطرح فريق ثالث خيار الضربة المحدودة، مؤكدا أن القرار لم يحسم حتى الآن بشكل نهائي.
وأوضح أمهز أن المؤشرات القائمة توحي بأن أي ضربة أمريكية محتملة، إذا ما تقررت، ستكون محدودة جدا، مرجحا أن تقابل برد إيراني مباشر، ما يفتح الباب أمام تصعيد أوسع في المنطقة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن المسار الدبلوماسي لا يزال حاضرا بقوة، خصوصا في ظل وساطات تقودها دول عربية، في مقدمتها السعودية وسلطنة عُمان وقطر، إدراكا منها أن أي مواجهة عسكرية ستضع المنطقة بأكملها على فوهة بركان، ولن تقتصر تداعياتها على إيران وحدها.
وأشار إلى أن طهران اتخذت قرارا استراتيجيا واضحا مفاده أن أي اعتداء عليها سيقابل أولا باستهداف الاحتلال الإسرائيلي، ثم المصالح الأمريكية في المنطقة، لافتا إلى أن هذه المصالح لا تقتصر على القواعد العسكرية، بل تشمل مناطق الثقل النفطي والممرات البحرية والجوية والبرية الحيوية، ما يعني أن أي تصعيد قد يتحول سريعا إلى أزمة عالمية تتجاوز حدود الإقليم.
اظهار أخبار متعلقة
وأكد أمهز أن العودة إلى طاولة المفاوضات تبقى النتيجة الحتمية، حتى في حال جرى تبادل للضربات، لكنه شدد على أن إيران ستصل إلى أي تفاوض وهي تمتلك أوراق قوة حقيقية، خلافا للصورة التي تحاول الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي تسويقها عن ضعف طهران، معتبرا أن هذا الطرح يتناقض مع الواقع.
وقال إن الولايات المتحدة وإسرائيل تدركان جيدا أن إيران ليست دولة ضعيفة أو منهارة، مضيفا أنه لو كانت كذلك لما احتاجتا إلى سنوات طويلة من العقوبات والحروب الاقتصادية والإعلامية والنفسية والعسكرية دون تحقيق أهدافهما، وتابع بالقول إن إيران لو كانت ضعيفة لكان مصيرها شبيها بما جرى في أفغانستان والعراق، وانتهى الأمر منذ زمن.
وفي ما يتعلق بدور الاحتلال الإسرائيلي واللوبي الصهيوني في دفع الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب نحو التصعيد، أوضح أمهز أن الاحتلال واللوبي الداعم له في واشنطن معروفان تاريخيا بدورهما التحريضي، لكنه أشار إلى أن القرار النهائي يبقى بيد مؤسسات أمريكية عميقة تضع المصلحة الأمريكية فوق كل اعتبار.
واعتبر أن ترامب صعد بنفسه إلى ما وصفه بـ"الشجرة"، ثم بدأ بمحاولات التراجع والنزول عنها، مستشهدا بتبدل خطاب الرئيس الأمريكي من التهديد بالتدخل في حال سقوط قتلى خلال الاحتجاجات الإيرانية، إلى التحذير من الإعدامات دون تحديد طبيعة الإجراءات التي قد يتخذها، معتبرا أن ذلك يعكس تراجعا واضحا في الموقف.
ووصف أمهز ترامب بأنه شخصية غير تقليدية يصعب التنبؤ بسلوكها، تميل إلى إطلاق تهديدات نارية ضد خصومه، سواء كانوا دولا كبرى أو حلفاء، لكنه في النهاية لا يقدم إلا على ما يستطيع فعله فعليا، مؤكدا أن الحالة الإيرانية تحديدا تتجاوز قدرته على فرض وقائع عسكرية حاسمة.
وفي تقييمه لما جرى داخل إيران، قال أمهز إن الأحداث التي شهدتها البلاد كانت خطيرة جدا ومخططا لها بعناية، موضحا أنها لم تقتصر على احتجاجات مطلبية، بل شهدت استخدام أسلحة وأعمال حرق وقتل وقطع رؤوس، واستهداف بنى تحتية عامة وخاصة، إلى جانب إحراق بنوك وعيادات ومساجد وحتى مصاحف، معتبرا أن هذه الأفعال لا تمت بصلة للمطالب المعيشية.
اظهار أخبار متعلقة
وأشار إلى أن آلاف المعتقلين أدلوا باعترافات حول تلقيهم تدريبات وتعليمات من الخارج عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في إطار مخطط منظم استهدف زعزعة الاستقرار الداخلي.
وفي ما يتعلق بقرار قطع الإنترنت، أوضح أمهز أن الخطوة كانت ذات طابع استراتيجي، وهدفت أولا إلى منع هجمات سيبرانية كانت معدة بالتزامن مع الأحداث، وثانيا إلى قطع قنوات التواصل والتعليمات القادمة من الخارج إلى المجموعات المتحركة، وثالثا، وهو الأهم، إلى كشف ورصد أجهزة "ستارلينك" التي أدخلت تهريبا إلى داخل البلاد.
وأضاف أن قطع الإنترنت مكن السلطات الإيرانية من تتبع إشارات آلاف أجهزة "ستارلينك"، واعتقال من كانوا يستخدمونها، وضبط هذه الأجهزة، ما أدى إلى شل القدرات التنظيمية للمجموعات المتورطة، مشيرا إلى أن خبراء وتقارير دولية أكدوا نجاح إيران في تعطيل أكثر من 80 بالمئة من فعالية منظومة "ستارلينك" داخل البلاد، وهو ما اعتبره إنجازا كبيرا لدولة تخضع لعقوبات وحصار قاسيين.
وختم أمهز بالتأكيد على أن فشل الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي في إسقاط إيران عبر مختلف أدوات الضغط سيدفعهما في نهاية المطاف إلى الجلوس إلى طاولة التفاوض مع طهران على قاعدة الند للند، حيث ستكون ملفات التخصيب النووي، والتكنولوجيا الصاروخية، والنفوذ الإقليمي، والمصالح الإيرانية حاضرة بقوة، بغض النظر عما إذا سبقت ذلك ضربة محدودة أو لم تسبق.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية والعسكرية على إيران، وسط حديث إسرائيلي عن ضربة أمريكية وشيكة، وتحركات عسكرية أمريكية شملت سحب قوات من بعض القواعد، وتحذيرات لرعايا دول عدة بمغادرة إيران، بينما يواصل ترامب إطلاق تصريحات متناقضة حول الوضع الداخلي الإيراني٬ والتي كان اخرها مساء الأربعاء حث قال إنه أُبلغ بتوقف عمليات الإعدام في إيران.
وأضاف في تصريحات صحفية أدلى بها في البيت الأبيض، إنه لا خطة لإعدام أو تنفيذ أحكام إعدام في إيران، بالوقت الحالي. وحذر من أنه في حال "حدث شيء من هذا القبيل فسنحزن جميعا"، مبينا أن مسؤولين في بلاده يحققون في مقتل مشاركين في الاحتجاجات الجارية بإيران. واستدرك الرئيس الأمريكي: "لكن وفقا للمعلومات التي وصلتني، فإن الإعدامات توقفت".