نشر موقع "
ميدل إيست
آي" البريطاني، تقريرا للكاتب بيني غرين قال فيه إنه "بينما تستمر
الإبادة الجماعية في
غزة، يجري دفع
الضفة الغربية نحو
نكبة جديدة".
وأضاف الموقع أن
"تدمير إسرائيل لمخيمات اللاجئين في جنين وطولكرم، يقطع العائلات عن منازلهم
ويفرغ المجتمعات ويعجل من محو
الفلسطينيين"، مشددا على أن الإبادة الجماعية
التي ترتكبها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني لم تكن مقتصرة أبدا على غزة وحدها.
وتالياً نص التقرير كاملاً
لم تكن الإبادة الجماعية
التي ترتكبها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني مقتصرة أبداً على غزة وحدها.
ولا يوجد أكثر دلالة على
ذلك من مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم التي شوهتها القنابل وخربها القصف، وتحولت
إلى ما يشبه بيوت الأشباح بعد أن دمرتها إسرائيل وفرغتها من سكانها، في تحذير صارم
للفلسطينيين من مغبة مقاومة الاحتلال والإبادة الجماعية.
أسفر هذا المشروع
الاستعماري الاستيطاني المستمر منذ عقود في فلسطين عن عدد من مستويات الطمس. بينما
ركز العالم اهتمامه، وإن كان عبر عدسة مشوهة، على النكبة التي حلت بغزة، استمرت
إسرائيل في تنفيذ خططها الهادفة إلى طمس الفلسطينيين ومحوهم من الوجود في الضفة
الغربية.
توسيع المستوطنات، وهجمات
المستوطنين على المزارعين تحت حماية القوات الإسرائيلية، وسرقة الماشية بشكل
منتظم، وتدمير مدارس ومنازل القرى، والتهجير القسري للفلسطينيين في أحياء القدس
الشرقية الشيخ جراح وسلوان، كل هذا يشكل محاولات حثيثة تهدف إلى تدمير الشعب
الفلسطيني، كلياً أو جزئياً، وقطع أواصر الصلة بينه وبين وطنه التليد.
اظهار أخبار متعلقة
خلال زيارة قمت بها مؤخراً
إلى شمالي الضفة الغربية، شهدت بنفسي الدمار الذي لحق بمخيمات اللاجئين، وصدمت
بالدرجة التي تعكس فيها حياة الفلسطينيين هناك عن كثب ما واجهه اللاجئين من تنكيل
وتدمير في قطاع غزة.
كان في ذلك تذكير ساطع بأن
هذه الإبادة الجماعية تستهدف جميع الفلسطينيين في كل أنحاء فلسطين التاريخية.
ما بين الحادي والعشرين من
يناير / كانون الثاني والتاسع من فبراير / شباط من عام 2025، شنت إسرائيل عملية
الجدار الحديدي مستهدفة ما ادعت أنه "عناصر إرهابية" في ثلاث مخيمات من
مخيمات اللاجئين في شمالي الضفة الغربية.
أخبرنا رئيس اللجنة العامة
في مخيم نور شمس بما يلي: "تماماً كما في غزة، إنهم يحاولون الادعاء بأن
المخيم مركز للإرهاب. ولكن في واقع الأمر، ما المقاومة إلا عدد قليل من الناس الذين
يبحثون عن الحرية." وتماماً كما في غزة، جميع الفلسطينيين يتم تصنيفهم من قبل
إسرائيل باعتبارهم "إرهابيين" وبذلك فهم أهداف للتصفية.
خلال العملية التي استمرت
تسعة عشر يوماً، ما يقرب من أربعين ألف لاجئ من مخيمات جنين وطولكرم وعين شمس
أخرجوا عنوة من بيوتهم وهجروا على أيدي القوات الخاصة الإسرائيلية المدججة
بالسلاح، والتي استخدمت في ذلك العربات المصفحة، والطائرات المسيرة والجرافات.
وصفت الأونروا، منظمة غوث
وتشغيل اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، الهجوم الإسرائيلي بأنه "أطول وأوسع
أزمة تهجير منذ عام 1967." وتقدر المنظمة أن 43 بالمائة من مخيم جنين، و 35
بالمائة من مخيم نور شمس، و 14 بالمائة من مخيم طولكم، تم تدميرها أو ألحقت بها
أضرار جسيمة.
تم تفجير أو تجريف المباني
على جانبي الممرات داخل مخيم نور شمس، والتي تمتد من الطريق الرئيسي ما بين نور
شمس وطولكرم وصولاً إلى أعلى نقطة في المخيم، وذلك من أجل توسيع الممرات الضيقة
التي لا يزيد عرضها عن مترين لتصبح طريقاً سالكاً للدبابات عرضه 12 متراً. في تلك
الأثناء، لم يبق أحد من سكان هذه البيوت إلا وتم تهجيره قسراً.
رحلات الأبارتايد (الفصل
العنصري)
تكشف الرحلة نفسها إلى تلك
المخيمات المدمرة، عند كل منعطف، عن الواقع الوحشي للأبارتايد الإسرائيلي.
بالنسبة للفلسطينيين، يعتبر
التنقل عبر الضفة الغربية رحلة من العذاب اليومي. فنظام الطرق القائم على الفصل
العنصري يعني أنه بينما تتصل المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية بالقدس وبتل
أبيب بدون أي عوائق، يُجبر الفلسطينيون على التنقل عبر طرق وعرة ملتوية وغير
مباشرة ويعبرون من أنفاق يكاد يسدها عدد لا متناه من نقاط التفتيش وبوابات الحواجز
الصفراء الصارخة.
فالرحلة التي تستغرق عشرين
دقيقة عبر طرق المستوطنين تستغرق الفلسطينيين ثلاث ساعات أو أطول من ذلك.
في الطريق من رام الله إلى
طولكرم، واجهنا مشهداً جديداً من عنجهية التفوق العرقي الإسرائيلي: أعلام إسرائيلية
ضخمة على جانبي الطريق السريع كل عشرة أمتار. بالنسبة للمراقبين من الخارج، قد
يعكس ذلك شعوراً عميقاً لدى الإسرائيليين بانعدام الأمان، ولكن بالنسبة
للفلسطينيين، ما ذلك ببساطة سوى تكتيك آخر للترهيب.
اظهار أخبار متعلقة
مررنا بقرية سنجال الجميلة
والمحاطة حالياً بطبقات من السلك الشائك على ارتفاع ثلاثين متراً. كل المعابر فيما
عدا اثنين يغلقها الإسرائيليون بشكل دائم. أما المعبران الباقيان فيمكن أن تغلقهما
القوات الإسرائيلية في أي وقت. لا يوجد لدى أهل القرية تفسير لماذا يتم استهدافهم
بهذا الشكل البشع، سوى أن ذلك "إجراء من إجراءات الاحتلال".
لقد توسع مشروع الاستيطان
بشكل دراماتيكي منذ زيارتي السابقة في عام 2022.
تزداد إسرائيل جرأة بسبب
إحساسها بالأمان من الخضوع لأي مساءلة دولية. وفي ظل حكومة يمينية متطرفة، يهيمن
فيها المستوطنون على عدد من الوزارات الأساسية، فقد صدرت الموافقة على إقامة تسعة
وستين مستوطنة جديدة.
لدى إعلانه عن خطط لإقامة
ما يزيد عن 3400 وحدة سكنية استيطانية في مشروع إي1، والذي سيربط الوحدات السكنية
الاستيطانية الواسعة في القدس الشرقية بمستوطنة معالي أدوميم، وبذلك يتم عزل
الفلسطينيين في القدس الشرقية تماماً عن الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة،
قال وزير المالية بيزاليل سموتريتش: "إننا بذلك نكرس سيادة الأمر الواقع."
مررنا بالسيارة بمحاذاة
مستوطنة إيلي، وهي مستوطنة ضخمة غير قانونية تزداد تمدداً واتساعاً، وتربض على رأس
تلة، ببيوتها ذات السقوف الكرميدية، والتي تعبر بوجودها عن النية المبيتة لارتكاب
جريمة الإبادة الجماعية، بما يشكله وجودها هنا من تهديد لحياة السكان الفلسطينيين
المحليين في قرى المنطقة، والذين يرون أشجار الزيتون في حقولهم تقتلع من جذورها،
ويواجهون الهجمات العنيفة عليهم.
تشتهر إيلي بوجود أكاديمية
بني ديفيد فيها، وهي أكاديمية للتأهيل العسكري، يتم داخلها تدريب المستوطنين
ليصبحوا ضباطاً في وحدات النخبة الهجومية.
مررنا بمحطات للتزود
بالوقود يحظر على الفلسطينيين استخدامها، وبمخافر أمامية جديدة تشوه الممرات وحقول
الزيتون العتيقة. لا مفر من أن تتوسع هذه المخافر غير القانونية البشعة لتصبح
مستوطنات غير قانونية بشعة.
كان بإمكاننا رؤية طريق
مجاور لو كان يسمح لنا بالسير عبره لوصلنا إلى وجهتنا في طولكرم في أقل من نصف
الوقت. ولكن إسرائيل تمنع جميع الفلسطينيين من استخدامه.
بدلاً من ذلك انطلقنا عبر
الطرق الوعرة، نتوقف عند نقاط تفتيش غير متوقعة، حيث يقرر جنود عدائيون شباب ما
إذا كان سيسمح لنا بالمضي قدماً في رحلتنا أم لا. في إحدى المرات سلكنا طريقاً
بديلاً من أجل أن نتجنب إغلاقاً آخر.
صممت هذه الإجراءات
التراكمية من الفصل العنصري من أجل تحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم، الأمر الذي
سيجبر الناس في نهاية المطاف على الرحيل.
غزة في الضفة الغربية
وصلنا أخيراً إلى طول كرم
عبر طريق غير معبد. شاهدنا على يسارنا أطلال مخيم نور شمس المدمر، والذي تم طرد
سكانه جميعاً منه في شهر يناير / كانون الثاني.
تحول المخيم الآن إلى مدينة
أشباح مخيفة، وقد دمر بشكل كامل أو شبه كامل ما يقرب من ثلث مبانيه. ثمة مساحات
شاسعة وفارغة من الأرض شقتها في قلب مخيم نور شمس الجرافات الإسرائيلية، التي دمرت
المئات تلو المئات من البيوت بدعوى فتح الطرق أمام حركة العربات المصفحة والدبابات.
تم رسم نجمة داود الزرقاء
على منزل كان يؤوي ذات مرة عائلة لاجئ فلسطيني، تم تحويله الآن إلى قاعدة عسكرية.
لا وجود لأحد آخر. حينما تسلقت كومة من الركام من أجل التقاط صورة، سارع عابرا
سبيل بتحذيري من أن عليّ أن أنزل في الحال. صاحا قائلين: "القناصة يطلقون
النار على أي شخص بدون سابق إنذار."
يصف اللاجئون كيف أن القوات
الإسرائيلية، وبمجرد غزوها للمخيمات، قامت بقطع جميع الاتصالات والمرافق والخدمات.
اختفت الانترنيت والكهرباء والمياه في الحال. واللاجئون الذين هجروا، طردوا من
ديارهم إلى المجهول. البعض منهم وجدوا أقارب لهم أقاموا معهم، بينما لجأ الكثيرون
منهم إلى المساجد أو المدارس المهجورة، أو إلى قاعات الأفراح، وغير ذلك من الأماكن
العامة. إنهم يعيشون الآن على هامش الحياة.
اظهار أخبار متعلقة
وصف اللاجئون الذين اتخذوا
ملاذاً لهم في مدرسة الموحد، غير مكتملة البناء، في قرية ذنابة، ما بين نور شمس
وطولكرم، ما نالهم من رعب بسبب الهجمات المسلحة، بما صاحبها من مروحيات الأباتشي
وهي تحلق فوق رؤوسهم، والمسيرات الانتحارية وهي تنفجر من حولهم، ومسارعتهم للنجاة
بأنفسهم والخروج في حالة من الهلع من بيوتهم لا يحملون سوى الملابس على ظهورهم.
يقول خالد، البالغ من العمر
خمسين عاماً، وهو جالس في حالة من الإنهاك على كرسي بلاستيكي في ردهة المدرسة التي
يشاركه الإقامة فيه واحد وعشرون عائلة أخرى من مخيم طولكم: "بدأوا بتفجير
البيوت في السادس والعشرين من يناير / كانون الثاني، وخلال سبعة أيام كان المخيم
قد أخلي تماماً من السكان."
ويضيف: "لم يكن أحد
يتوقع ذلك. لم أتمكن حتى من الحصول على قميص واحد من منزلي. إنه مدمر الآن."
أما البيوت التي تركت قائمة
فأضرمت فيها النيران. كان الإخلاء وحشياً. قال لنا حاكم: "حتى عندما سلمنا
الهلال الأحمر الأدوية التي نحتاجها، انتزعها الجنود منا وألقوا بها على الأرض."
وأضاف أن ما يزيد عن 1800 منزل في مخيم طولكرم تم تدميرها.
لما يقرب من اثني عشر
شهراً، عاش 122 لاجئاً مهجراً في المدرسة غير مكتملة البناء، يقيم ما بين كل 10 أو
12 منهم في حجرة مكتظة. وعن ذلك يقول خالد: "المرافق في حدها الأدنى أو
معدومة تماماً."
وقال: "حينما وصلنا،
لم يكن هناك كهرباء، فقمنا بوصل التيار الكهربائي بأنفسنا." في الطابق
الأرضي، يشترك جميع الرجال والنساء والأطفال في استخدام أربع دورات مياه. ولا يوجد
سوى حمام واحد يستخدمه الجميع. وأضاف: "نصطف جميعاً في طابور مثلنا مثل المساجين."
توجد غسالة ملابس كهربائية
واحدة تستخدمها جميع العائلات. تتدلى الملابس من الدرابزين، بينما يتعلق الناس
بأجزاء صغيرة من الروتين بينما هم على بعد أمتار من مخيمهم المدمر.
قالت لي نادية البالغة من
العمر ثمانية وثلاثين عاماً: "كانت الحياة في المخيم شاقة، ولكنها لم تكن
بهذه الصعوبة."
مشهد شنيع
في مخيمي طولكرم ونور شمس،
تستمر ظروف حياة اللاجئين في التردي. في البداية، وفرت الأونروا الطعام والخدمات،
ولكن ذلك توقف بمجرد أن حظرت إسرائيل عملياتها في المناطق الفلسطينية المحتلة.
قال لنا حاكم: "ثلاجتي
فارغة. كنا جميعاً نعمل في مدن فلسطين المحتلة: من يافا إلى حيفا ومن القدس إلى تل
أبيب. أما الآن، فإننا نعيش تحت الحصار، ولا توجد إمكانية للعمل."
كما أنهم ممنوعون بموجب أمر
عسكري من إعادة بناء بيوتهم المدمرة. يقول حاكم: "فقط أريد أن أعود وأن أعيش
على ركام منزلي. وإلا فما الذي يمكننا عمله؟".
عرضت علي ندا مقطع فيديو
صوره جار لهم بعد إخلاء المخيم. الأصوات الوحيدة التي تُسمع في هذا المشهد الشنيع
هي أصوات الخطوات وهي تدوس على الحطام وأصوات العصافير.
وصف حسن خريشة، وهو سياسي
من طولكرم يعمل مع العائلات المهجرة، ما حصل في مخيمات شمالي الضفة الغربية بأنه
انتهاج لما تم تنفيذه من مخطط إسرائيلي في غزة، ولكن على شكل "إبادة صامتة".
بالنسبة لأيهم البالغ من
العمر سبعة عشر عاماً، والذي انتهى تعليمه عندما دمر منزله وأجبرت عائلته على
الخروج: "الأمر مشابه تماماً لما يجرى في غزة. عندما أرى غزة في التلفزيون،
فإنني أشاهد بالضبط ما نمر به نحن." ينام هو وتسعة من أفراد العائلة في حجرة
صغيرة داخل المدرسة. يضيف قائلاً: "ليس لدي حياة اجتماعية. لقد تشرد أصدقائي
كل في جهة، وقتل أعز أصدقائي. لقد فقدت كل شيء."
بالقرب من المدرسة، بقي
قائماً ما تبقى من مكتب اللجنة العامة في نور شمس. على الرغم مما مروا به من
معاناة، يستمر عشرة متطوعين في العمل لدعم من هجروا قسراً من المخيم. وقفنا على
السطح ننظر إلى الأطلال التي كانت يوماً بيوتهم.
تقول فاطمة التي تبلغ من
العمر سبعين عاماً: "لم يعد من الممكن السكن في منزلي، ولكني على الاستعداد
للذهاب والعيش فوق الركام. كرامة الإنسان في بيته. يمكنني رؤية منزلي من هنا،
ولكنني لا أستطيع الوصول إليه."
وصف نهاد، وهو رئيس اللجنة،
حجم الهجوم العسكري، قائلاً إن حملة إسرائيل داخل الأحياء الستة في مخيم نور شمس
بدأت في التاسع من يناير / كانون الثاني. اجتاح مئات الجنود المدعومين بالدبابات
والعربات العسكرية والمسيرات المخيم، وأجبروا كل واحد من السكان على الخروج.
وأضاف: "كل من رفض
الخروج كانت النيران تطلق عليه أمام باب بيته لتحفيز الناس على المغادرة. كانت
القوات تسيطر على الطرقات التي نتخذها. أجبرنا على السير في طابور وكانت المسيرات
تصورنا، وكل من يخرج عن الصف تطلق عليه النيران."
ومضى يقول: "قرر
الاحتلال الإسرائيلي إنهاء المخيم. في نور شمس، حيث يبلغ تعداد السكان 13 ألفاً،
كان لدينا 400 مبنى. وكان كل مبنى يتكون من عدة طوابق والعديد من الوحدات السكنية.
حتى فيما لو لم يتم هدم المنزل بالجرافات والمتفجرات، كانت القوات تضرم النيران
فيه حتى تستحيل الحياة فيه من بعد. ما يقرب من 2300 عائلة أجبرت على المغادرة، وسبعون
بالمائة منهم يعيشون في فقر مدقع."
أضافت فاطمة: "لا يوجد
مياه ولا كهرباء داخل المخيمات، ولا أنابيب مجاري، ولا شوارع. البنية التحتية دمرت
عن بكرة أبيها."
يعبر عن ذلك نهاد صراحة
بالقول: "لقد تم اغتيال المخيم."
كما استهدفوا ودمروا مركز
الشباب والروضة وقاعة الأفراح ومركز رعاية المعوقين.
العودة إلى الأنقاض
وصفت فاطمة، وهي من العناصر
القيادية المحترمة جداً في المخيم، ما وقع لها صبيحة الهجوم، قائلة: "جاءوا
في السابعة صباحاً من يوم التاسع من فبراير / شباط. كانوا أصلاً متواجدين داخل
المخيم. دمروا نصف بيتي، ولكننا بقينا. ثم استخدموا أحد جيراننا كدرع بشري. جاءوا
بالكلاب للبحث. ثم استولوا على منزلنا واستخدموه ثكنة عسكرية. بنهاية اليوم كان
يتواجد داخل بيتنا ما يقرب من مائة جندي."
تعاني فاطمة من السرطان.
مزق الجنود أوراقها الطبية ودمروا خزان المياه في بيتها. وعن ذلك تقول:
"أطلقوا النار على تلفزيوننا الصغير، ودمروا غسالتي وثلاجتي، ولما أكمل بعد
دفع أقساطهما."
وبينما كانوا يمضون في
تدمير المنازل ومعايش الناس ومرافق مجتمعهم، ارتكب الجنود الإسرائيليون سلسلة من
الجرائم الأخرى، بما في ذلك السلب والنهب.
تقول فاطمة: "أمام
أعيننا سرقوا كل شيء. أخذوا حقيبة يدي، وسرقوا 2650 شيقل كنت قد حصلت عليها من
مؤسسة الخليل لترميم بيتي، وسرقوا خاتمين من ذهب، وعقد، وسوار وميدالية."
على الرغم من أن كثيراً من
اللاجئين يقولون إنهم سوف "يعودون ليقيموا على الركام"، إلا أن الواقع
بائس. وذلك أن تدمير المخيمات وطرد السكان منها، وتوجه إسرائيل نحو اقتلاع
الفلسطينيين من أرضهم، كل ذلك يعني أن فرص عودتهم باتت بعيدة.
يقول خالد: "العودة
إلى الركام مجرد شعار. كيف لنا أن نعود؟ فالقوات الإسرائيلية تختار من يمكنه
العودة، وكل من له ارتباطات بالمقاتلين لن يسمح له أبداً بالعودة. في كل يوم تصدر
قرارات جديدة تستهدف عائلات مقاتلي المقاومة، وفي كل يوم يتعرضون للعقاب الجماعي."
لاحظ خريشة أن إسرائيل
أعلنت مؤخراً أن بعض اللاجئين قد يسمح لهم بالعودة، باستثناء "عائلات الشهداء
والجرحى والسجناء أو من له نشاط سياسي." وهذا عملياً يعني استثناء الجميع.
وحتى الاستئجار في أماكن
أخرى من الضفة الغربية من قبل المهجرين الفلسطينيين بات أمراً صعباً، وبشكل
متزايد. يقول خالد: "ليس لدينا مال، ولا مكان لنذهب إليه." ولكن الفقر
جزء واحد من المشكلة. إذ يخشى أصحاب العقارات تأجير لاجئي المخيمات.
ومضى يقول: "كلما
حاولنا استئجار بيت، أول ما يقومون به هو عدنا، ثم يسألون من أين أنتم. حينما نقول
نحن من نور شمس أو من مخيم طولكرم، يردون باستمرار: لا نؤجر بيتنا لأحد من
المخيمات. أنا أتفهم ذلك، نوعاً ما. فلو كان أي من أقاربنا مسجوناً أو من
المقاتلين أو من الذين قتلوا، يخشى ملاك العقارات من التعرض للمداهمة. ولذلك فهم
لا يؤجروننا."
الكل لاجئ
كل سكان المخيمات لاجئون،
وقد استمدوا هذا الوضع من التهجير الجماعي الذي حصل في نكبة عام 1948 ثم في حرب
إسرائيل التي وقعت في عام 1967.
يتم توارث صفة اللجوء عبر
الأجيال، وهو أمر لا ينفصل عن حق العودة الفلسطيني. وذلك أن القانون الدولي، وما
لا يقل عن خمسة قرارات صادرة عن الأمم المتحدة، بما في ذلك المادة 11 من قرار 194
الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، تضمن للفلسطينيين حق العودة إلى الأراضي
التي هجروا منها.
لم يزل العنصر الأساسي في
مشروع إسرائيل هو الحيلولة دون عودة لاجئي عام 1948 وذراريهم إلى ديارهم.
ومع ذلك فإن كل لاجئ تحدثت
معه يرى أن صفة اللجوء التي يحملها هي الضامن في نهاية المطاف لعودتهم.
أكثر من سبعة ملايين لاجئ
فلسطيني يعيشون في الشتات حول العالم. ترى إسرائيل أن إمكانية عودتهم تشكل كابوساً
سكانياً، ولذلك فهي تسعى بكل تكلفة ممكنة إلى منعه.
لا تساور خريشة شكوك بأن
تدمير مخيمات الضفة الغربية هو جزء من مشروع الإبادة الجماعية الأشمل الذي يهدف
إلى محو نفس فكرة مخيم اللاجئين والتوصيف السياسي الذي يضفيه عليهم. كثيرون آخرون
عبروا عن نفس الرأي.
كثيرون قالوا لي إن
"اللاجئين وذراريهم هم الشهود الوحيدون على نكبة عام 1948." وقالوا إن
"إسرائيل تريد الآن طمس معالم المخيمات الشاهدة ومحو القضية الفلسطينية."
قال أحد اللاجئين:
"سوف تجدون حكاية حزينة ومؤلمة من كل واحد من الذين هجروا. الاستيلاء على
البيوت وسلب الأراضي هو تكرار لما حدث في عام 1948. إن المشهد يكرر نفسه."
وقال آخر: "إننا ننتقل
من ألم إلى ألم. يريد الاحتلال أن يقتلع الشعب من أرضه. يريدون التخلص من جميع
الشهود على الجرائم التي ارتكبت منذ عام 1948."
إن تدمير مخيمات جنين ونور
شمس وطولكرم عمل محسوب ومقصود من أعمال الإبادة الجماعية. فمن خلال تدمير
المجتمعات وتفكيك الأونروا وطرد اللاجئين، تسعى إسرائيل ليس فقط إلى سلب ديار
الفلسطينيين، ولكن أيضاً إلى طمس تاريخهم وتجاهل حقوقهم وتفادي مطالباتهم
المستقبلية بالعدالة، بما في ذلك حق العودة.
كما قال نهاد: "يريدون
إنهاء صفة اللجوء من خلال القضاء على المخيم، وتدمير إمكانية العودة، وبالتالي، أي
إمكانية تقرير المصير للفلسطينيين."
ويضيف: "في نور شمس،
هدفنا ليس فقط العودة إلى المخيم وإنما العودة إلى قرى عائلاتنا. فهذا هو حقنا
التاريخي. ولن نتخلى بتاتاً عن هذا الحق. ما المخيم سوى محطة بالنسبة لنا. كلنا
نأمل في العودة إلى وطننا."