محمد السنوار، اسم لطالما برز كأحد القيادات العسكرية المركزية في
كتائب القسام، الجناح العسكري لحماس، لما له من أدوار تنظيمية وعملياتية، حيث عمل على إعادة ترميم قدرات الحركة خلال الحرب، وقاد جناحها العسكري بعد اغتيال محمد الضيف كما واستمر في لعب دور فاعل في مفاوضات وقف إطلاق النار.
في تقرير مطول، تناولت وكالة
رويترز سيرة رجل قالت إنه كان المطلوب الأول لدولة الاحتلال على مدى أشهر بعد استشهاد شقيقه عام 2024، قبل أن تعلن
حماس وفاته في الـ29 من كانون الأول/ديسمبر عن 49 عاما، وذلك بعد نحو سبعة أشهر من زعم "تل أبيب" أنها قتلته في هجوم.
ورغم عدم تقديم حماس تفاصيل عن وفاة محمد السنوار، لكنها نعته مع قادة آخرين في الحركة ووصفتهم بأنهم "الأبطال الشهداء"، وأكدت الحركة في بيان أن السنوار كان قائداً لهيئة الأركان، فيما استذكر كثيرون مقولته الشهيرة، إن "ضرب تل أبيب أسهل من شربة الماء".
ترقى محمد السنوار إلى أعلى مراتب حماس في 2024 بعد استشهاد شقيقه يحيى الذي كان العقل المدبر لهجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 على دولة الاحتلال، وأصبح في وقت لاحق رئيسا للمكتب السياسي للحركة.
مهندس الطوفان
يعتبر محمد السنوار (50 عاما) أحد مهندسي عملية طوفان الأقصى، فقد كان يتبنى قبلها استمرار الهجمات على جيش الاحتلال وإفقاده الدافعية للقتال، وفي هذا الإطار، يقول رئيس سابق لمكافحة الإرهاب في جهاز الموساد لصحيفة التلغراف "إن مجموعة تتكون من 4 أشخاص تقف وراء الهجوم المميت، بنسبة 100، كان محمد السنوار أحد هؤلاء الأربعة".
في تشرين الثاني/نوفمبر 2023 أعلن وزير الحرب يوآف غالانت عن مُلاحقة الاحتلال لمحمد السنوار إلى جانب شقيقه يحيى السنوار، وذلك خلال مؤتمر له في تل أبيب ظهرت فيه صورتا محمد ويحيى، كذلك أعلن الجيش الإسرائيلي في الشهر ذاته أنه دهم مكتب السنوار في قطاع
غزة وصادر منه ما ادعى أنها "كراسات قتال تابعة لمنظمة حماس".
متى أعلن نتنياهو عن استهدافه؟
في أيار/مايو 2025، قال رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو إن محمد السنوار قُتل، وبعد أقل من أسبوعين، زعم جيش الاحتلال إنه انتشل جثة السنوار من نفق تحت الأرض أسفل مستشفى في جنوب غزة.
ورغم منع جيش الاحتلال طواقم الإنقاذ من الوصول إلى المكان، واستهداف الطائرات المسيرة كل من يحاول الاقتراب منه بهدف القضاء على فرص النجاة لأي مصاب، فإن ذلك لم يؤكد نجاح الاحتلال في تحقيق هدفها بقتل السنوار.
ومن المتوقع أن يخلف عز الدين الحداد، الذي كان يشرف على العمليات في شمال غزة، السنوار في قيادة كتائب القسام الجناح العسكري لحماس في أنحاء القطاع، فيما لم يتضح كيف سيؤثر استشهاده على عملية صنع القرار في حماس بشكل عام، لا سيما التنفيذ الكامل لخطة وقف إطلاق النار في غزة.
محاولات اغتيال
وصف مسؤولون في حماس محمد السنوار بأنه "شبح" لطالما راوغ أجهزة مخابرات دولة الاحتلال،
وقالت مصادر في الحركة، إن السنوار نجا من كثير من محاولات الاغتيال الإسرائيلية، شأنه شأن شقيقه يحيى، منها محاولات بغارات جوية وزرع متفجرات.
وذكرت المصادر أنه عندما زار أحد المقابر ذات مرة، اكتشف رفاقه عبوة ناسفة يتم التحكم بها عن بعد تشبه "الكرة" مزروعة في طريقه، وفي 2003، اكتشف أفراد من حماس قنبلة في جدار منزل محمد السنوار وأحبطوا محاولة اغتيال اتهمت الحركة المخابرات الإسرائيلية بتنفيذها.
مؤامرات سرية
قالت مصادر في حماس إن محمد السنوار، المعروف بعملياته السرية، أدى دورا محوريا في التخطيط لهجوم حماس على دولة الاحتلال ضمن "معركة طوفان الأقصى" عام 2023، والذي شكل أسوأ فشل أمني تتكبده تل أبيب.
ويُعتقد على نطاق واسع أنه أحد العقول المدبرة للهجوم عبر الحدود عام 2006 واختطاف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، حيث احتجزت حماس شاليط خمس سنوات قبل مبادلته بأكثر من ألف
فلسطيني مسجونين لدى سجون الاحتلال.
وبموجب اتفاق التبادل، كان شقيقه يحيى السنوار بين المفرج عنهم. ونال يحيى بتخطيطه الدقيق لهجوم 2023 من سمعة الاحتلال بوصفها قوة لا تقهر في منطقة مضطربة.
حماس ضعفت لكنها ظلت صامدة
تقول رويترز، إن نتنياهو توعد بالقضاء على حماس، وأدت حملة الجيش الإسرائيلي على غزة إلى إضعاف الحركة، واستشهاد يحيى السنوار في مواجهة مع دورية للاحتلال في غزة عام 2024.
ونشرت وسائل إعلام عبرية، لقطات مصورة ليحيى السنوار وهو مصاب بجروح بالغة ويرمي قطعة من الخشب على طائرة مسيرة تحوم حوله، وهو آخر موقف تحدى فيه عدوه قبل استشهاده وبزوغ نجم شقيقه محمد.
لكن حماس لا تزال صامدة، فهي حركة تأسست خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى ضد الاحتلال الإسرائيلي عام 1987، ونفذت هجمات أثارت فزع الإسرائيليين خلال الانتفاضة الثانية.
من لاجئ إلى قائد عسكري
ولد السنوار في 16 أيلول/سبتمبر أيلول 1975، ونادرا ما كان يظهر علنا أو يتحدث مع وسائل الإعلام. وأجرى مقابلة مطولة مع قناة الجزيرة من أجل إعداد فيلم وثائقي تم بثه عام 2022، لكنه ارتدى قبعة وجلس في الظلام لإخفاء مظهره.
وتنحدر عائلة السنوار في الأصل من عسقلان التي تبعد مسافة قصيرة عن شمال قطاع غزة. وأصبحوا إلى جانب مئات الآلاف من الفلسطينيين الآخرين لاجئين خلال النكبة عند إعلان قيام دولة الاحتلال خلال حرب 1948.
واستقرت العائلة في مدينة خان يونس بغزة التي تحولت إلى أنقاض خلال الحرب الأخيرة، وتلقى محمد السنوار تعليمه في المدارس التي تديرها وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) والتي لطالما استهدفها الاحتلال، وكثفت من إجراءات التضييق ضدها خلال حرب غزة.
التحق محمد السنوار بحماس بعد فترة وجيزة من تأسيسها متأثرا بشقيقه يحيى العضو السابق في جماعة الإخوان المسلمين، أقدم الجماعات الإسلامية في الشرق الأوسط والتي كانت أكثرها نفوذا، وساعدته سمعته بوصفه شخصية صارمة على الترقي في صفوف حماس. وبحلول 2005، كان قائدا للواء خان يونس في كتائب القسام.
وكانت هذه الوحدة، وهي من أكبر وأقوى الكتائب في الجناح العسكري لحماس، مسؤولة عن هجمات عبر الحدود وإطلاق الصواريخ وزرع القنابل على طول الحدود. وقال السنوار للجزيرة إن "ضرب تل أبيب أسهل من شربة الماء".
وتقول مصادر مقربة من حماس إن محمد السنوار أقام علاقات وثيقة مع مروان عيسى نائب القائد العام لكتائب القسام، ومحمد الضيف القائد العام للقسام، اللذين استشهدا في 2024، وقالت حماس في بيانها الذي أعلنت فيه استشهاد السنوار، إنه كان قد تولى خلافة الضيف.