شهدت الأحداث الأخيرة في
فنزويلا، بما في
ذلك العملية الأمريكية ضد الرئيس نيكولاس مادورو، تفاعلًا واسعًا بين النخب
السياسية والفكرية العربية، حيث عبّرت عن قلقها من تجاوز القانون الدولي وانتهاك
سيادة الدول، ودعت إلى موقف عربي فاعل يوازن بين الدفاع عن مصالح الشعوب ومواجهة
التدخلات الخارجية.
وقد قدّمت هذه
المواقف قراءة نقدية للسياسات
الأمريكية، معتبرة أن التحرك الفردي لدولة كبرى يعكس تحولات عميقة في النظام
الدولي وتداعيات على الأمن والسلم العالميين، بينما شددت النخب على ضرورة أن يكون
للعرب دور استراتيجي في حماية الحقوق الوطنية وإعادة ترتيب موازين القوى في
المنطقة والعالم.
فقد أكد الدكتور برهان غليون، أستاذ علم
الاجتماع بجامعة السوربون، أن التطورات الأخيرة على الصعيدين الإقليمي والدولي، لا
سيما في الشرق الأوسط وفنزويلا، تكشف عن تحولات جوهرية في النظام الدولي وعلاقات
القوى العالمية، وتضع الدول العربية أمام ضرورة مراجعة دورها التقليدي من موقع
المشتكي والطالب إلى موقع الفاعل والممارس.
وشدد غليون في تصريحات خاصة لـ
"عربي21"،
على أهمية تحالف أمني عربي ودولي، لا يقتصر على مجرد التنسيق، بل يفرض حدودًا
واضحة للتدخلات الدولية في الشؤون العربية، مع إعطاء الفلسطينيين دورًا مركزياً في
إدارة شؤونهم. وأضاف أن هذا التحالف يمكن أن يشمل وجود قوات عربية ودولية في مناطق
حساسة مثل جنوبي سوريا ولبنان، لتحقيق الأمن ومنع استغلال الأزمات من قبل قوى
خارجية.
وأوضح أستاذ جامعة السوربون أن مواجهة
التغول الإسرائيلي المدعوم أمريكيًا تتطلب استراتيجية عربية فاعلة، لافتًا إلى أن
الولايات المتحدة تظهر مرونة في سياساتها يصعب توقعها، مما يجعل الاعتماد على
التحالفات الدولية وحدها غير كافٍ. وقال إن العرب يجب أن يكونوا جزءًا من صناع
القرار، لا مجرد متلقين أو شاكين من الأحداث الدولية.
وتطرق غليون إلى التطورات الدولية الأخيرة
في فنزويلا، واصفًا العملية الأمريكية بأنها “الضربة القاضية للنظام الدولي وطعنة
في قلب القانون الدولي”. واعتبر أن هذه الحوادث تمثل خروجًا عن منطق القانون
الدولي، حيث تستطيع دولة التحرك منفردة دون الرجوع لأي مؤسسة دولية، وهو ما يضعف
الهيكل القانوني العالمي ويعيد العلاقات الدولية إلى منطق القوة والخضوع لمصالح
القوى الكبرى.
وأكد أن هذه الظواهر تعكس تداعيات خطيرة على
أمن واستقرار المنطقة، مشيرًا إلى أن الدور العربي الفاعل أصبح ضرورة ملحة، ليس
فقط للحفاظ على مصالح الدول العربية، بل لضمان احترام مبادئ القانون الدولي وتطوير
آليات تحقيق الأمن الجماعي والعدالة الدولية.
وختم غليون بالقول إن المرحلة الراهنة تتطلب
توازنًا بين الفاعلية السياسية والعسكرية، واحترام السيادة، وتحركًا استراتيجيًا
ذكيًا من قبل الدول العربية، ليصبح العرب شركاء حقيقيين في صياغة مستقبل منطقتهم
والعالم، بدلًا من الاقتصار على موقع المشتكي أو الطالب.
في المقابل، نشر الدكتور عبد الرزاق مقّري،
الرئيس السابق لحركة مجتمع السلم الجزائرية، تدوينة على صفحته
بـ"فيسبوك"، اعتبر فيها الولايات المتحدة أعظم دولة مارقة في العالم،
تسعى للسيطرة على خيرات ومقدرات الدول بالقوة، مشيرًا إلى أن
العدوان على فنزويلا
ليس له سوى مآرب اقتصادية وسياسية، وأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو من يجب
محاكمته على جرائمه ضد الدول ذات السيادة.
وأضاف مقّري أن المنظمات الدولية والدول
الكبرى لن تتحرك لوقف هذا العدوان، وأن الحل يكمن في صمود الشعب والفِرقاء
والمؤسسات الفنزويلية، محذرًا من أن الإدارة الأمريكية أصبحت خطرًا حقيقيًا على
الأمن والسلم العالميين، وأن نهاية هذا العهد ضرورية لصالح البشرية جمعاء.
من جهته رأى الكاتب والسياسي السوري أحمد
رمضان، في تغريدة له على منصة "إكس"، أن السياسة الأمريكية تعتمد على
الصدمة والارتباك لكسب مكاسب قصيرة المدى، وأن ترامب يرى أن أمريكا تفقد موقعها في
سباق الهيمنة أمام الصين، مما يدفعه إلى استخدام القوة والنفوذ الاقتصادي والسياسي
لتعويض هذا التراجع.
ولفت رمضان إلى أن ضرب الحلفاء قبل الأعداء
وخلق حالة من القلق في الأسواق والعواصم يحقق مكاسب عاجلة، لكنه على المستوى
الاستراتيجي قد يترك الولايات المتحدة محاصرة بطوق من الخصوم في نظام عالمي يعاد
تشكيله.
واعتبر أن هناك دولًا تستعد بحكمة (ألمانيا،
تركيا، السعودية) وأخرى تتجاهل التطورات، وأن ضريبة التقاعس ستكون باهظة وربما
وجودية، مؤكدًا أن النظام الدولي يتآكل، والنظام الإقليمي يتفكك، والجغرافيا
السياسية على أعتاب تحوّل جذري، وفق تعبيره.
وأبرز الدكتور لقاء مكي، الباحث الأول في
مركز الجزيرة للدراسات، أن الولايات المتحدة انتهكت القانون الدولي باختطاف رئيس
دولة ذات سيادة، لكنه أكد أن هذا النهج يعكس فكر إدارة ترامب التي تراعي القانون
الدولي فقط حين يخدم مصالحها، وأن تجاوز القوانين أو تعديلها لخدمة هذه المصالح
أمر متوقع، كما حدث في العراق وغزو بنما.
وأوضح مكي أن المجتمع الدولي يتغاضى عن
انتهاكات الأقوياء للقانون الدولي، معتبرًا إياها مجرد استثناءات ضرورية للحفاظ
على نظام عالمي قائم على الهيمنة، حيث القانون الدولي لا يحمي إلا الأقوياء الذين
يدركون قواعد اللعبة ويملكون القدرة على فرضها.