يظل ملف بناء المؤسسة
العسكرية الليبية أحد أكثر الملفات تعقيدًا في المشهد السياسي والأمني، في ظل استمرار
الانقسام، وتعدد مراكز النفوذ، وهيمنة التشكيلات المسلحة على الأرض، مقابل محاولات
متكررة لإعادة هيكلة الجيش وتوحيده ضمن إطار وطني جامع.
وأعاد حادث
سقوط الطائرة
التي كانت تقل رئيس أركان
الجيش الليبي الفريق أول محمد علي الحداد وعددًا من مرافقيه،
إثارة النقاش حول مستقبل المسار العسكري، ومدى قدرة المؤسسة على الاستمرار في جهود
التوحيد، خاصة مع غياب شخصيات لعبت أدوارًا محورية في تحقيق توازنات دقيقة داخل المشهد
العسكري وهل هناك فرضيات لكون الحادث مدبرا أن أنه حادث عابر .
وفي لقاء خاص لـ "عربي21"،
قدّم المحلل السياسي الليبي أسامة كعبار قراءة تفصيلية للحادث وتداعياته، متناولًا
تأثير غياب الحداد على مسار توحيد الجيش، والجدل المثار حول ملابسات الواقعة، إضافة
إلى احتمالات الخلافة، وحدود تأثير الحدث على الاستقرار الداخلي والعلاقات الإقليمية.
قال كعبار إن حادث
سقوط الطائرة يمثل خسارة كبيرة للمؤسسة العسكرية الليبية، موضحًا أن الفقد لا يقتصر
على
رئيس الأركان وحده، بل يشمل مجموعة من القيادات التي كانت تشكل جزءًا أساسيًا من
مشروع إعادة تأسيس الجيش الليبي، معتبرًا أن هذا الغياب سيؤدي إلى تباطؤ واضح في مسار
بناء نواة عسكرية مهنية.
وأوضح أن الفريق أول
محمد الحداد كان قد قطع شوطًا مهمًا في ملف إعادة الهيكلة داخل المنطقة الغربية، إلى
جانب دوره في لجنة " 5+5" العسكرية،
التي تعمل على توحيد الجيش بين الشرق والغرب والجنوب، مشيرًا إلى أن فقدان الحداد وعدد
من معاونيه سيكون له تأثير مباشر على هذا المسار، وإن كان لا يعني توقفه بالكامل.
وأكد كعبار أن الحداد
تميز بكونه شخصية عسكرية محايدة، لعبت دور الوسيط بين مختلف الأطراف، ولم يعرف عنه
الاندفاع أو الدخول في مواجهات عسكرية، وهو ما أكسبه قبولًا واسعًا داخل المنطقة الغربية،
وكذلك درجة من القبول في المنطقة الشرقية، وهو أمر نادر في المشهد العسكري الليبي،
بحسب وصفه.
وأشار إلى أن معظم
القيادات العسكرية الأخرى في المنطقة الغربية ارتبطت بسجل من المعارك والمواجهات والخلافات
الجهوية، في حين حافظ الحداد على صورة متوازنة، كونه أحد أبناء ثورة "17 فبراير"،
وفي الوقت ذاته ضابطًا مهنيًا لم تسجل عليه انتهاكات أو دماء، ما جعله يحظى باحترام
مختلف الأطراف.
اظهار أخبار متعلقة
هل تم اغتيال
الحداد؟
وفيما يتعلق بالحديث
عن فرضية الاغتيال أو الافتعال، شدد كعبار على أن هذا الطرح مستبعد تمامًا، مؤكدًا
أن جميع المعطيات المتوفرة تشير إلى أن الحادث عرضي، موضحًا أن الطائرة وطاقمها ليبيون،
وأن وجود الطائرة في تركيا لا يبرر توجيه أي اتهام.
وأضاف أن الدور التركي
في
ليبيا خلال السنوات الماضية كان منصبًا على منع المواجهات العسكرية وحقن الدماء،
مستشهدًا بتدخل أنقرة لوقف الهجوم على طرابلس، وما أعقبه من فرض حالة تهدئة حالت دون
اندلاع مواجهات مفتوحة بين الشرق والغرب، معتبرًا أن الحديث عن تورط تركي يفتقر لأي
أساس واقعي.
كما استبعد كعبار أي
تورط من جانب الحكومة الليبية أو رئيسها عبد الحميد الدبيبة، موضحًا أن الحداد كان
شخصية معتدلة، وحتى في حال وجود خلافات في الرأي، كانت تدار بشكل مهني وإيجابي، ولم
تصل إلى مستوى العداء أو الصدام.
وانتقد كعبار بشدة
ما وصفه بحملات ترويج نظريات المؤامرة، معتبرًا أنها تهدف إلى خلط الأوراق ودفع ليبيا
نحو التوتر، مؤكدًا أن الحداد لم يكن حجر عثرة أمام أي طرف، ولم يُعرف عنه انتماء سياسي
أو خصومات مباشرة.
طائرة مستأجرة
وحول تحرك الحداد بطائرة
مستأجرة، قال كعبار إن ذلك يمكن تفسيره في إطار حرصه على تقليص النفقات، نظرا لسمعته
المعروفة بنظافة اليد وعدم تحميل الدولة أعباء مالية إضافية، معتبرًا أن هذا السلوك
ينسجم مع شخصيته العسكرية المهنية.
وفيما يخص مرحلة ما
بعد الحداد، توقع كعبار أن يشهد منصب رئيس الأركان صراعًا بين أطراف مدنية تمتلك تشكيلات
مسلحة، رغم أن المنصب، بحسب رأيه، يجب أن يُسند إلى شخصية عسكرية مهنية، مرجحًا أن
تكون الحظوظ الأقرب لكل من اللواء صلاح الدين النمروش الذي تم تكلفيه برئاسة
الأركان بشكل مؤقت أو اللواء رمزي القمودي، نظرًا لاعتدالهما وانتمائهما للمؤسسة العسكرية.
صراع على المنصب
وحذر المحلل السياسي الليبي من احتمالات دخول المشهد العسكري في دائرة صراع على
منصب رئاسة الأركان، في ظل واقع أمني معقّد تهيمن عليه التشكيلات المسلحة.
وأوضح أن
الإشكالية لا تتعلق فقط بالمؤسسة العسكرية النظامية، بل بتداخلها مع أطراف مدنية
تمتلك نفوذا عسكريًا واسعًا عبر كتائب مسلحة، ما قد يدفع بعض هذه الشخصيات إلى
محاولة فرض نفسها داخل هرم القيادة العسكرية.
اظهار أخبار متعلقة
وشدّد كعبار على
أن منصب رئيس الأركان، من حيث المبدأ، يجب أن يسند إلى شخصية عسكرية مهنية نشأت
داخل المؤسسة العسكرية، غير أن طبيعة المشهد السياسي الليبي، القائم على توازنات
غير مؤسسية، قد تفتح الباب أمام صراعات حادة تقودها أطراف لا تستند إلى تأهيل
عسكري تقليدي، وهو ما ينذر بتجاذبات قد تعقّد مسار توحيد الجيش خلال المرحلة
المقبلة.
وختم كعبار بالتأكيد
على أن الحادث لن يشكل نقطة تحول حادة في مسار الصراع الليبي، لكنه لن يمر سريعًا بسبب
الجدل المثار حوله، مشددًا على أن العلاقات بين أنقرة وطرابلس ستبقى مستقرة، وأن استقرار
ليبيا يظل مرهونًا بإبعاد المؤسسة العسكرية عن التجاذبات السياسية.