أثار موقع إنترسبت
تساؤلات عن حول سبب تبدد الضغط الدولي، الذي تزايد على
الاحتلال، في حدة الإبادة
الجماعية في
غزة، في اللحظة التي توقف فيها إطلاق النار.
وقال الموقع في تقرير
ترجمته "عربي21" يظهر أن القلق الذي أبدته حكومات عديدة حول العالم، قد
تبدد، والضغط الدولي المتزايد تحول إلى رغبة ملحة لدى العديد من الحكومات
والمشرعين والمؤسسات في العودة إلى الوضع الطبيعي.
وأضاف، بعد أسبوع واحد
بالضبط من دخول خطة غزة حيز التنفيذ، طرح برلمانيو الاتحاد الأوروبي مقترحاتهم
لفرض
عقوبات على الاحتلال بسبب انتهاكاتها
لحقوق الإنسان في غزة. وبعد شهر، أعلنت الحكومة الألمانية، ثاني أكبر مورد للأسلحة
للاحتلال، أنها سترفع حظر الأسلحة المفروض على حليفتها؛ وفي الأسبوع الماضي، وافق
البرلمان الألماني على صفقة بقيمة 3.5 مليار دولار لتوسيع أنظمة الدفاع الصاروخي
لحماية الاحتلال.
وفي وقت سابق من هذا
الشهر، سمحت مسابقة يوروفيجن للاحتلال بمواصلة المشاركة، على الرغم من تعهدات
المقاطعة من إسبانيا وسلوفينيا وهولندا وأيرلندا وأيسلندا. كما أقر مجلس الأمن
التابع للأمم المتحدة خطة ترامب، ووافق على المساعدة في تشكيل ما يُسمى بقوة
الاستقرار الدولية.
في الكونغرس، ورغم أن
استطلاعات الرأي تُظهر استياء معظم الأمريكيين من الإبادة في غزة، إلا أن المشرعين
والمدافعين عن قانون "حظر القنابل" في الكونغرس يواجهون صعوبة في تعزيز
الزخم الذي حققوه خلال الصيف، إذ لم يحصلوا إلا على عضوين جديدين تأييدا للقانون
منذ إعلان ترامب تحقيق السلام.
ما الذي حدث؟
وقال طارق كيني شوا،
الباحث في الشؤون السياسية: "الآن وقد أصبح هناك وقف إطلاق نار رسمي، كان
لهذا وحده أثر كبير في شلّ حركة النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، والأهم من
ذلك، عامة الناس". كانت الدعوات إلى "وقف إطلاق نار فوري" بمثابة
حافز للضغط الشعبي لإنهاء القتل، لذا شكّل اتفاق غزة متنفسا.
ويواصل جيش الاحتلال
انتهاك الاتفاق، ويشن غارات على غزة بشكل شبه يومي، ويواصل حصاره، على المساعدات
الإنسانية. أما الولايات المتحدة، من جانبها، فلم تُبدِ حتى الآن أي استعداد لفرض
الهدنة بشكل فعلي، باستثناء رسائل شديدة اللهجة.
بموجب اتفاق غزة،
تراجعت وتيرة إطلاق النار والقصف، لكنها لم تتوقف تماما، إذ شنّ الجيش أكثر من 350
غارة على غزة منذ ذلك الحين، ما أسفر عن استشهاد 394 شخصا على الأقل وإصابة أكثر
من ألف آخرين في مختلف أنحاء القطاع، وفقا لوزارة الصحة في غزة والأمم المتحدة.
ولا يزال 58 من القطاع
محتلا، ورسم خط أصفر وهمي إلى حد كبير، يقوم الجيش داخله بتدمير المباني والبنية
التحتية المدنية وإطلاق النار على الفلسطينيين على طول الحدود غير المحددة، بمن
فيهم طفلان، فادي أبو عاصي (8 سنوات) وجمعة أبو عاصي (10 سنوات)، اللذان استشهدا
بطائرة مسيرة إسرائيلية أثناء جمعهما الحطب. كما يواصل الجيش شنّ هجمات يومية خارج
الخط الأصفر، بما في ذلك اغتيال الشهيد رائد سعد القيادي بحماس، في 13 كانون
الأول/ ديسمبر، الأمر الذي أثار غضب البيت الأبيض.
اظهار أخبار متعلقة
وقال جوش روبنر، مدير
السياسات في مشروع سياسات معهد فهم الشرق الأوسط، إن خطة ترامب لغزة "منحت
أعضاء الكونغرس ذريعة ملائمة لتجاهل الوضع". وهو يدعم مشروع قانون "حظر
القنابل"، الذي قدمته النائبة ديليا راميريز، عن الحزب الديمقراطي من ولاية
إلينوي، في أيار/ مايو، وأقرّ بأنه قد تعثر في الأشهر الأخيرة. وأضاف: "لكن
الحقيقة هي أن إسرائيل لا تزال تستخدم الأسلحة الأمريكية بشكل شبه يومي لقتل
الفلسطينيين".
يوم الجمعة، أعلن مرصد
الأمن الغذائي العالمي (IPC) أن غزة لم تعد
تعاني من مجاعة، لكنه حذر من أن غالبية سكان غزة ما زالوا يواجهون "مستويات
عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد". وأشار المرصد إلى أن نصف مليون شخص ما
زالوا يعانون من سوء التغذية الحاد، ما يعرضهم لخطر الموت.
ولا يزال نحو 2000 شخص
يعانون من ظروف مجاعة. ومما زاد من حدة أزمة الجوع، أن العواصف الشتوية التي
اجتاحت القطاع اجتاحت مخيمات الخيام والمنازل التي مزقتها الحرب، والتي كانت تأوي
مئات الآلاف من الفلسطينيين النازحين، وأغرقتها بالمياه. وأفاد مسؤولون صحيون في
غزة بوفاة 13 شخصا على الأقل نتيجة لهذه الأحوال الجوية. من بين هؤلاء الطفل سعيد
سعيد عابدين، البالغ من العمر شهرا واحدا، والذي توفي الأسبوع الماضي بسبب انخفاض
حاد في درجة حرارة جسمه.
مع تراجع الاهتمام
والاستياء الشعبي، سعى الاحتلال، ومؤيدوها إلى استعادة زمام المبادرة في سردية
الأحداث التي كافحوا للسيطرة عليها خلال العامين الماضيين من الإبادة الجماعية.
في مؤتمر الاتحادات
اليهودية لأمريكا الشمالية في تشرين الثاني/ نوفمبر، ألقت سارة هورويتز، كاتبة
خطابات أوباما السابقة، باللوم على تطبيق تيك توك في خسارة الاحتلال معركة
العلاقات العامة بين الشباب الأمريكي، حيث "يُغرق التطبيق عقول شبابنا طوال
اليوم بمقاطع فيديو للمجازر في غزة".
وقالت هورويتز خلال
حلقة نقاش، ألقت فيها باللوم أيضا على ردود الفعل السلبية تجاه إسرائيل بسبب فشل
تعليم الهولوكوست: "ولهذا السبب لا يستطيع الكثير منا إجراء حوار عقلاني مع
الشباب اليهودي.. لأن أي شيء نحاول قوله لهم، يسمعونه من خلال جدار من مشاهد
المجازر".
بعد أسابيع، ألقت
وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، خلال مؤتمر استضافته قناة "إسرائيل
هايمون" الإخبارية العبرية، المملوكة للداعمة اليمينية المؤيدة للاحتلال وضم
فلسطين، ميريام أديلسون، باللوم على منصة تيك توك ووسائل التواصل الاجتماعي في
مخاوف الشباب الأمريكي بشأن غزة، واصفة العنف الإبادي الذي يُبث مباشرة بأنه
"دعاية بحتة" و"تهديد للديمقراطية".
وأغفلت كل من هورويتز
وكلينتون الإشارة إلى أن هذه "الاستخفافات بفظائع إسرائيل قد غذتها حملات قمع
واسعة النطاق لحقوق حرية التعبير للمتضامنين مع فلسطين في الولايات المتحدة
وخارجها، وكيف تم استغلال المخاوف المشروعة على سلامة اليهود كسلاح لقمع الخطاب
المؤيد لفلسطين".
ورغم الإجراءات
الأخيرة المتخذة ضد "فلسطين آكشن" المؤيدة للفلسطينيين، قال كيني شوا
إنه يعتقد أن الاحتلال وداعميه سيفشلون على المدى الطويل في استعادة السردية.
وأضاف: "لن
ينجحوا في إعادة إسرائيل إلى هيبتها السابقة في السياسة الأمريكية لقد فات الأوان.
من الواضح أن جيل بايدن نشأ على هذه الخرافات حول إسرائيل، وقد حطمها هذا الجيل
الذي ينشأ على حقائق جديدة عن إسرائيل، على حقيقتها".
تشير استطلاعات رأي
متزايدة إلى أن الأمريكيين، ومعظمهم من اليسار، ولكن بشكل متزايد من اليمين، بدأوا
يرفضون العلاقة الخاصة التي تربط الحكومة بالاحتلال، مما ينذر بدور محوري لهذه
التحولات في انتخابات التجديد النصفي القادمة والانتخابات الرئاسية لعام 2028.
اظهار أخبار متعلقة
لا تزال خطة ترامب
نفسها غير واضحة المعالم. وتقضي مرحلتها الثانية بنزع سلاح حماس، رغم أن الحركة
الفلسطينية السياسية صرحت بأنها لن تتخلى عن أسلحتها إلا إذا وُجد سبيل لإقامة
دولة فلسطينية. إلا أن مسؤولي الاحتلال يواصلون رفض الدعوات لإقامة دولة فلسطينية.
وبدلا من ذلك، كانت حكومة نتنياهو صريحة بشأن سياستها المعلنة المتمثلة في محو
الفلسطينيين تماما من غزة والضفة الغربية سعيا وراء تشكيل "إسرائيل الكبرى".
ويبقى من غير الواضح
أيضا ما إذا كان هذا الوعي المتزايد سيؤدي إلى تحسن ملموس للشعب الفلسطيني. يسعى
بعض المتظاهرين إلى تجسيد جهودهم عمليا من خلال تعطيل سلسلة التوريد العالمية
للأسلحة المُرسلة إلى الاحتلال، في ظلّ ظهور حملات جديدة لحركة شباب فلسطين في
أرصفة ومستودعات أوكلاند ونيوجيرسي. وفي المملكة المتحدة، يخوض أعضاء حركة "فلسطين
أكشن" المعتقلون إضرابا عن الطعام منذ أسابيع، ومن بين مطالبهم إغلاق مصانع
شركة "إلبيت سيستمز" الإسرائيلية لتصنيع الأسلحة في بريطانيا.
وفي الوقت نفسه، تواصل
مؤسسة هند رجب تقديم شكاوى قانونية وطلبات تحقيق في مختلف أنحاء العالم بهدف محاسبة
الجنود وقادة الاحتلال على جرائم الحرب.
وفي الكونغرس، يبدو أن
الضغط الشعبي لا يزال يؤثر على المشرعين. فقد حظي قرارٌ قدّمته مؤخرا النائبة
رشيدة طليب، عن ولاية ميشيغان، والذي يعترف بـ"إبادة الشعب الفلسطيني في
غزة" ويؤكد مسؤولية الولايات المتحدة في الالتزام باتفاقيات منع جريمة
الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، بدعم 20 عضوا آخر في الكونغرس، بمن فيهم
النائبة ماكسين ديكستر، عن ولاية أوريغون، التي انتُخبت بدعم كبير من جماعة الضغط
المؤيدة لإسرائيل "أيباك".
قالت ديكستر خلال
خطابها في مجلس النواب لدعم القرار: "لن أستمر في التواطؤ عن طيب خاطر".
ديكستر واحدة من بين العديد من المشرعين الذين غيّروا مواقفهم العلنية تجاه الاحتلال
بعد احتجاجات متواصلة من ناخبيهم في اجتماعات المجالس المحلية وأمام مكاتب دوائرهم
الانتخابية.
قال روبنر، من مشروع
سياسات الاتحاد الدولي لاقتصاديات الشرق الأوسط: "لقد تغيّر الرأي العام بشكل
جذري ودائم. لا يمكن للناس أن يتجاهلوا ما رأوه خلال العامين الماضيين".