في لحظة إقليمية تتجدد فيها الأسئلة حول
شرعية الحكم، وتُعاد صياغة السرديات الرسمية والتاريخية لخدمة السلطة، يطلّ النقاش
حول الحقبة الملكية في مصر كأحد أهم الملفات التي أُعيد تشكيلها بصورة منهجية منذ
عام 1952. فبينما تستمر الدولة الحديثة في إنتاج روايتها الخاصة عن الماضي، تتكشف
اليوم أصوات فكرية مصرية تحاول إعادة تفكيك هذا التاريخ، وتحرير الوعي الجمعي من "الذاكرة
المصنوعة" التي تشكّلت تحت وطأة الحكم العسكري.
ضمن هذا السياق، يقدم الكاتب والإعلامي
المصري جمال سلطان قراءة نقدية جريئة لمسار صناعة الصورة الذهنية عن العصر الملكي
في مصر، مسلطاً الضوء على الفجوة بين الواقع التاريخي وما بثّته المناهج الرسمية
والدعاية السياسية على مدى سبعين عاماً. وتنشر "عربي21" هذا النص
بالتزامن مع نشره على صفحة الكاتب في فيسبوك، باعتباره جزءاً من حوار عربي أشمل
حول الدولة، والسلطة، والشرعية، وكيف يُصاغ التاريخ ليخدم المستقبل أو يقيّده.
مقال سلطان لا يكتفي بمراجعة تاريخية، بل
يطرح سؤالاً معاصراً: إلى أي مدى ما
زالت النخب والجماهير تعيش تحت تأثير رواية سياسية أنتجتها ثورة يوليو، واستمرت في
تشكيل الوعي العام لأجيال كاملة؟
إنها دعوة لفحص الذاكرة الوطنية، وإعادة
النظر في المسلّمات التي بُنيت عليها تصورات المصريين عن الدولة والحرية
والديمقراطية.
الفترة الملكية المفترى عليها في مصر
في مذكراته كتب المفكر الكبير خالد محمد
خالد يقول أن الملك فاروق كان محبوبا من الشعب وقريبا من قلبه ويحظى باحترامه
وولائه، وهذا هو ما كتبه الأديب الكبير أحمد حسن الزيات في مقاله، وإن كان صاغه
بأسلوبه البلاغي المتأنق والمغالي، وهذا ما قاله العشرات من مفكري وأدباء الفترة
الملكية، البعض اليوم لا يريد أن يصدق ذلك، ويراه نفاقا، أو خوفا من سلطة، بينما
كانت أجواء الحرية وحرية النشر والإعلام تحديدا وقتها تضارع مثيلاتها في بريطانيا
وفرنسا، كما كان الملك نفسه ينتقد علنا، ورئيس الحكومة وأي رأس في البلد يتم
انتقادها والسخرية منها، وذلك أن هناك أكثر من جيل في مصر تربى منذ بداية
الخمسينات على مناهج دراسية شربت في وعيه ووجدانه صورة سوداء وكئيبة عن الفترة
الملكية، حرصت على تشويهها لكي تهيئ العقول للقبول بالحكم العسكري الجديد، ولا
تقارنه بما قبله، لأن قادة المجلس العسكري كانوا يدركون أن الناس تحن إلى الفترة
الملكية، وإلى حنان الملك على الناس، لذلك حرصوا على تصفية فاروق في إيطاليا بعد
عشر سنوات من خروجه من مصر، رغم انقطاع صلته بمصر، حتى لا يكون هناك بديل يحلم به
الناس، كما كانت جنازة مصطفى النحاس مؤشر لا تخطئه العين أيضا.
هناك أكثر من جيل في مصر تربى منذ بداية الخمسينات على مناهج دراسية شربت في وعيه ووجدانه صورة سوداء وكئيبة عن الفترة الملكية، حرصت على تشويهها لكي تهيئ العقول للقبول بالحكم العسكري الجديد..
في الفترة الملكية كانت مصر تشهد تطورا
لافتا ونهضة سياسية واقتصادية واجتماعية وعلمية وتعليمية وفكرية وأدبية وفنية
شاملة، إذا قارنتها ببقية العالم وقتها فسترى أنها كانت أفضل حالا من تركيا
واليونان وإسبانيا، وأفضل حالا من كوريا والصين وماليزيا، ثم بدأ المسار ينقلب مع
سيطرة الضباط الشبان على الحكم منذ يوليو 1952، ورغم وجود أي سلبيات اجتماعية في
الفترة الملكية إلا أن المجتمع كان يمور بالحركة والفكر والسياسة والطموح، وهناك
أفكار تطرح في مجالات التعليم والإصلاح الزراعي والصناعي والإسكان والعمران
وغيرها، استفاد من بعضها ضباط يوليو وحاولوا تطبيقها، لكن كان ينقصهم الوعي
السياسي والخبرات المدنية، فانتهت التجارب إلى انهيار تعليمي وانهيار زراعي
وانهيار صناعي وعشوائية عمرانية في القاهرة وتجريف للريف، لأن التخطيط والتنفيذ
كان بعيدا عن أهل الخبرة ـ إلا ما ندر ـ كما كان الاستعراض والمنظرة طاغية على
التخطيط التراكمي بآفاقه المستقبلية، كما كانت تغيب المؤسسات، وخاصة المؤسسات
الرقابية، ولا يوجد مجتمع مدني ولا توجد صحافة حرة مثل التي كانت أيام الملك.
من الصعب جدا أن تقنع من تشرب منذ نعومة
أظفاره في المدرسة الابتدائية ثم الإعدادية ثم الثانوية، مناهج تربوية مضللة،
مشحونة بدعايات شعبوية سخيفة وكاذبة عن الشعب الذي كان أيام الملك يعيش أغلبهم
حفاة عراة، ويحيون حياة العبيد، ولا يستطيعون الذهاب للمدرسة، ستجد مثل هذه
القناعات المثيرة للشفقة مترسخة لا شعوريا حتى في عقول ومشاعر من يمكن اعتبارهم
نخبة مثقفة، لأنه ميراث نفسي ومعلوماتي متراكم شكل الوعي منذ الطفولة.
كان هناك مسار سياسي ديمقراطي متطور للغاية بمعايير تلك المرحلة ، ويتطور تدريجيا، ويمكن إصلاحه، والشعب حاضر في المعادلة، في الشوارع والجامعات والمظاهرات حية وفوارة عند أي تحد، بل والمقاومة المسلحة للاحتلال، ورأس المال الوطني يصنع توازن قوة مع القصر ومع الأحزاب، والدولة تديرها عقول مدنية وطنية، والانتخابات أكثر نزاهة بمراحل عما جرى بعد ذلك من تزوير يفوز فيه الضابط العسكري بنسبة 99%
الفترة الملكية، كانت لها مشكلاتها
وأخطاؤها، خاصة أخطاءها السياسية بلا شك، إلا أن تلك الأخطاء أهون بمراحل بعيدة عن
الكوارث التي خلفها حكم العسكر بعد ذلك ومصادرته للفضاء العام بكامله، وهو ما
اعترف به الرئيس الأسبق أنور السادات ـ أحد ضباط يوليو ـ الذي عاش الحقبتين،
الديمقراطية والعسكرية، في حوار تليفزيوني شهير، عندما قال " أخطاء دهر كامل
من الديمقراطية لا يوازي أخطاء ساعة واحدة من الديكتاتورية".
نعم كان هناك مسار سياسي ديمقراطي متطور
للغاية بمعايير تلك المرحلة ، ويتطور تدريجيا، ويمكن إصلاحه، والشعب حاضر في
المعادلة، في الشوارع والجامعات والمظاهرات حية وفوارة عند أي تحد، بل والمقاومة
المسلحة للاحتلال، ورأس المال الوطني يصنع توازن قوة مع القصر ومع الأحزاب،
والدولة تديرها عقول مدنية وطنية، والانتخابات أكثر نزاهة بمراحل عما جرى بعد ذلك
من تزوير يفوز فيه الضابط العسكري بنسبة 99%، كل ذلك تم قمعه ووأده، لتصبح السيطرة
الكاملة على الدولة بجميع مؤسساتها في قبضة مجموعة من العسكريين.
باختصار، كل ما نحن فيه اليوم هو حصاد حكم
العسكر، هو الميراث النكد الذي حملته الأجيال منذ انقلاب الضباط الشبان في يوليو
1952، ثم ظلوا يتوارثون الحكم حتى اليوم، ولا يقبلون أبدا أن يخرج من أيديهم إلى
المدنيين، ولو كلفهم ذلك بحر من الدماء.