حين تصبح المعرفة رؤية للعالم.. ماذا يقول القرآن للوعي الحديث؟

الخلاف على الأفكار لا يبدأ دائما من النتائج؛ كثيرا ما يبدأ من المقدمات التي لا نناقشها أصلا لأنها تبدو لنا بديهية.
ليست المعرفة مجرد تراكم للمعلومات، ولا تنتهي مهمتها عند حدود الإجابة عن سؤال: ماذا نعرف؟ فخلف كل تصور للعلم والإنسان والمجتمع والوجود منظومة أعمق تحدد ما الذي نعدّه حقيقة، ومصدر هذه الحقيقة، وحدود العقل، وموقع الإنسان في الكون، وما إذا كانت القيم حقائق ثابتة أم نتاجا للتجربة والتاريخ.

من هذه المساحة يفتح إسماعيل الشطي في كتابه "من المعرفة إلى الرؤية الكونية: جدل التصورات بين القرآن والوعي المعاصر"، الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، نقاشا يتجاوز المقارنة بين نص ديني وفكر غربي، إلى مساءلة البنية التي تتشكل من خلالها رؤيتنا للعالم، وما يترتب عليها من اختلاف في فهم الإنسان والحياة والمجتمع والقيم.

من أين تبدأ الرؤية؟

السؤال الذي يفرض نفسه منذ عنوان الكتاب هو: كيف تنتقل المعرفة من كونها أدوات لفهم الأشياء إلى كونها إطارا شاملا لتفسير الوجود؟ فالإنسان لا يتعامل مع الوقائع منفصلة عن تصوراته السابقة. إنه يقرأ العالم من خلال منظومة من المفاهيم والافتراضات حول الحقيقة والإنسان والغاية والمعنى. ومن هنا، فإن الاختلاف بين منظومتين فكريتين لا يظهر بالضرورة في الإجابات الجزئية، بل في الأسئلة التي تطرحانها أصلا، وفي المرجعيات التي تمنح تلك الإجابات معناها.

العلم يستطيع أن يشرح، بدرجات متفاوتة، كيف تعمل الأشياء، لكنه لا يقدم بالضرورة إجابة نهائية عن سؤال: لماذا ينبغي للإنسان أن يفعل ما يفعل؟ وما الغاية من وجوده؟ وما الذي يجعل قيمة ما أفضل من قيمة أخرى؟
وهنا يضع الشطي المقارنة بين التصور القرآني والوعي الغربي الحديث في مستوى أعمق من مجرد المقابلة بين "الإسلام" و"الغرب". فالمسألة، في جوهرها، تتعلق بمصادر المعرفة، وبالعلاقة بين العقل والوحي، وبحدود التجربة الإنسانية في إدراك الحقيقة، ثم بكيفية انعكاس ذلك كله على تصور الإنسان لنفسه وللعالم من حوله.

المعرفة ليست محايدة تماما

أحد الأسئلة المركزية التي تثيرها المقارنة هو مدى حياد المعرفة. فالتصور الحديث للمعرفة، خصوصا بعد صعود العلوم الطبيعية والعقلانية الحديثة، منح العقل والتجربة والملاحظة مكانة مركزية في إنتاج المعرفة. وأسهم ذلك في تحرير البحث العلمي من كثير من القيود التي كانت تفرضها تصورات دينية أو ميتافيزيقية سائدة في أوروبا، وفي إطلاق طاقات هائلة للعلم والتقنية.

لكن هذا النجاح يفتح، في المقابل، سؤالا فلسفيا آخر: هل تستطيع المعرفة التجريبية وحدها أن تجيب عن أسئلة الغاية والقيمة والمعنى؟

فالعلم يستطيع أن يشرح، بدرجات متفاوتة، كيف تعمل الأشياء، لكنه لا يقدم بالضرورة إجابة نهائية عن سؤال: لماذا ينبغي للإنسان أن يفعل ما يفعل؟ وما الغاية من وجوده؟ وما الذي يجعل قيمة ما أفضل من قيمة أخرى؟

ومن هنا تبرز، في القراءة التي يقترحها الكتاب، أهمية التمييز بين المعرفة بوصفها كشفا عن الواقع وبين الرؤية الكونية بوصفها إطارا لتفسير هذا الواقع وتحديد موقع الإنسان داخله.

الإنسان.. مركز الكون أم مستخلف فيه؟

تظهر الفروق بصورة أوضح عندما تنتقل المقارنة إلى مفهوم الإنسان. في التصورات الحديثة، لا يوجد نموذج واحد يمكن اختزاله في كلمة "الغرب"، إذ شهد الفكر الغربي نفسه صراعات عميقة بين اتجاهات دينية وعقلانية ومادية وليبرالية ووجودية وغيرها. ولذلك لا تبدو المقارنة الجادة ممكنة إذا اختُزل الغرب في تصور واحد ثابت.

لكن الكتاب، بحسب أطروحته، يتوقف عند التحول الكبير الذي جعل الإنسان والعقل والتجربة الإنسانية محاور أساسية في تشكيل المعرفة الحديثة.

في المقابل، ينطلق التصور القرآني من إنسان مرتبط بخالقه وبالعالم الذي يعيش فيه، وليس كائنا مستقلا مكتفيا بذاته. فالإنسان في الرؤية القرآنية يجمع بين البعد المادي والروحي والأخلاقي، ويُنظر إليه باعتباره مسؤولا عن أفعاله، ومستخلفا في الأرض، ومحكوما بعلاقة تتجاوز ذاته الفردية.

وهذا الاختلاف ليس تفصيلا فلسفيا، لأنه ينعكس على تعريف الحرية والمسؤولية والسعادة والسلطة والعلاقة بالآخر.

فإذا كان الإنسان هو المرجعية النهائية للقيمة، فإن منظومة الحقوق والواجبات والأخلاق ستتخذ مسارا مختلفا عما لو كانت هذه المرجعية متصلة بوحي يتجاوز الإنسان.

من الحقيقة إلى القيمة

وهنا يصل النقاش إلى إحدى أكثر القضايا حساسية: هل يمكن فصل الحقيقة عن القيمة؟ الرؤية الحديثة، في أحد مساراتها، سعت إلى التمييز بين الوقائع والقيم، وبين ما يمكن إثباته تجريبيا وما يدخل في مجال الاعتقاد أو الأخلاق أو الميتافيزيقا.

ينطلق التصور القرآني من إنسان مرتبط بخالقه وبالعالم الذي يعيش فيه، وليس كائنا مستقلا مكتفيا بذاته. فالإنسان في الرؤية القرآنية يجمع بين البعد المادي والروحي والأخلاقي، ويُنظر إليه باعتباره مسؤولا عن أفعاله، ومستخلفا في الأرض، ومحكوما بعلاقة تتجاوز ذاته الفردية.
أما الرؤية القرآنية، كما يقدمها الشطي، فلا تقوم على هذا الفصل الحاد؛ إذ تتداخل فيها معرفة الإنسان بالكون مع معرفته بخالقه، ويتصل العلم بالمسؤولية، وتتداخل الحرية مع التكليف، وتصبح المعرفة جزءا من منظومة أخلاقية أوسع.

وبذلك لا يعود السؤال: "كيف نعرف؟" منفصلا عن السؤال: "كيف ينبغي أن نعيش؟".

وهذا الانتقال تحديدا هو الذي يمنح مفهوم "الرؤية الكونية" أهميته في الكتاب؛ إذ لا يتعلق الأمر بمجموعة أفكار فلسفية مجردة، وإنما بإطار شامل يمكن أن ينعكس على الاقتصاد والسياسة والتربية والأسرة والعلاقات الاجتماعية وحتى على تعريف النجاح والسعادة.

الحداثة.. خصم أم تجربة تاريخية؟

ولا يبدو من المفيد قراءة المقارنة باعتبارها محاكمة أخلاقية للغرب أو رفضا للحداثة جملة وتفصيلا. فالحداثة الغربية أنتجت منجزات علمية وفكرية ومؤسساتية هائلة، كما أن الفكر الغربي نفسه ليس كتلة واحدة؛ فقد أنتج في الوقت ذاته نقدا داخليا عميقا للعلموية والمادية والاستهلاك والفردانية والاغتراب.

ومن ثم، فإن السؤال الأكثر إنتاجية ليس: "هل الغرب صحيح أم القرآن صحيح؟"، وإنما: ما الافتراضات التي تقف وراء كل تصور، وما الذي يستطيع كل تصور أن يفسره، وما الذي يعجز عن تفسيره؟

وهذا النوع من المقارنة ينقل النقاش من مستوى الدفاع الأيديولوجي إلى مستوى الفحص المعرفي. فالقراءة القرآنية لا تحتاج، لكي تكون قوية، إلى إنكار منجزات العلم الحديث، كما أن الاعتراف بقوة المنهج التجريبي لا يعني بالضرورة التسليم بأن التجربة العلمية هي المصدر الوحيد الممكن لكل معرفة.

الوحي والعقل.. خصومة أم تكامل؟

في قلب هذه المسألة يقف السؤال القديم المتجدد عن العلاقة بين الوحي والعقل. هل يمثل الوحي قيدا على العقل، أم أنه يفتح له مجالا لا يستطيع الوصول إليه بمفرده؟

في الرؤية التي ينطلق منها الكتاب، لا يبدو العقل منافسا للوحي بقدر ما هو أداة من أدوات المعرفة داخل منظومة أوسع. فالعقل يستطيع اكتشاف قوانين الكون، وفهم العلاقات بين الظواهر، وبناء المعرفة العلمية، لكنه يظل عاجزا عن الإحاطة بكل ما يتصل بالغيب والغاية النهائية للوجود.

وهنا يصبح الوحي، في التصور القرآني، مصدرا لنوع آخر من المعرفة لا تلغيه المعرفة التجريبية ولا تحل محلها.

وهذا يختلف جذريا عن التصورات التي تحصر المعرفة المعتبرة في ما يمكن اختباره أو قياسه، لأن ذلك الحصر نفسه يمثل موقفا فلسفيا لا نتيجة علمية محضة.

لماذا تهم هذه المعركة اليوم؟

تكمن أهمية الكتاب في أنه يعيد النقاش حول العلاقة بين الإسلام والحداثة إلى جذوره الأولى، بدلا من اختزاله في سجالات سياسية أو شعارات ثقافية. فالكثير من الصراعات التي تبدو اليوم سياسية أو اجتماعية تحمل في عمقها اختلافات حول الإنسان والقيمة والحقيقة.

عندما يختلف الناس حول الأسرة، مثلا، فإن الخلاف قد لا يكون حول تفاصيل قانونية فقط، وإنما حول تعريف الأسرة ووظيفتها وموقع الفرد داخلها.

وعندما يختلفون حول الحرية، فإن السؤال لا يتوقف عند حدود حرية التعبير أو الاختيار، وإنما يمتد إلى سؤال أعمق: هل الحرية غاية مطلقة أم أنها مرتبطة بمسؤوليات أخلاقية واجتماعية؟

وكذلك الأمر بالنسبة إلى الاقتصاد والسياسة والتربية؛ فكل نظام اجتماعي يحمل، في النهاية، تصورا معينا عن الإنسان وما يحتاج إليه وما الذي ينبغي أن يكون عليه.

من "المعرفة" إلى "الرؤية"

بهذا المعنى، فإن أهمية عنوان الكتاب لا تكمن في الانتقال اللغوي من مفهوم إلى آخر، وإنما في الإشارة إلى طبقتين مختلفتين من التفكير.

المعرفة تجيب عن أسئلة جزئية ومتخصصة، بينما الرؤية الكونية تحاول أن تجمع هذه الإجابات داخل تصور شامل عن العالم.

تكمن أهمية الكتاب في أنه يعيد النقاش حول العلاقة بين الإسلام والحداثة إلى جذوره الأولى، بدلا من اختزاله في سجالات سياسية أو شعارات ثقافية. فالكثير من الصراعات التي تبدو اليوم سياسية أو اجتماعية تحمل في عمقها اختلافات حول الإنسان والقيمة والحقيقة.
وقد يمتلك مجتمع ما قدرا هائلا من المعرفة العلمية والتقنية، لكنه يظل عاجزا عن الاتفاق على سؤال الغاية التي ينبغي أن تستخدم هذه المعرفة من أجلها.

وهنا يظهر أحد التحديات الكبرى التي تواجه الإنسان المعاصر: كلما اتسعت قدرته على التحكم في العالم، ازدادت حاجته إلى الإجابة عن سؤال: ماذا يريد من هذا العالم؟

إن القدرة التقنية لا تحدد وحدها الغاية الأخلاقية، والعلم لا ينتج تلقائيا منظومة قيم، والتقدم المادي لا يضمن بالضرورة معنى للحياة.

ومن هذه الزاوية، يعيد الشطي طرح السؤال عن إمكان وجود رؤية كونية تستوعب المعرفة الحديثة دون أن تتحول إلى مجرد تابع لها، وتستفيد من العقل والعلم دون أن تختزل الوجود فيما يستطيع العقل التجريبي قياسه.

معركة التصورات قبل معركة السياسات

في النهاية، يبدو أن الرهان الأساسي في "من المعرفة إلى الرؤية الكونية" يتجاوز الدفاع عن تصور ديني في مواجهة تصور غربي، إلى إعادة الاعتبار للسؤال الذي يسبق كل مشروع فكري أو اجتماعي: أي رؤية للإنسان والوجود نريد أن نبني عليها حياتنا؟

فالخلاف على الأفكار لا يبدأ دائما من النتائج؛ كثيرا ما يبدأ من المقدمات التي لا نناقشها أصلا لأنها تبدو لنا بديهية. وحين تختلف نقطة البداية، تختلف بالضرورة صورة العالم في نهايتها.

لهذا تبدو المقارنة بين القرآن والوعي المعاصر، كما يطرحها الكتاب، محاولة للعودة إلى مستوى أكثر عمقا من السجال التقليدي حول "الأصالة والمعاصرة": مستوى السؤال عن مصادر الحقيقة، وحدود العقل، وموقع الوحي، وتعريف الإنسان، ومعنى الحرية، ومصدر الأخلاق، والغاية من المعرفة.

وفي زمن تتضاعف فيه قدرة الإنسان على إنتاج المعلومات بوتيرة غير مسبوقة، ربما يصبح السؤال الأكثر إلحاحا ليس كم نعرف؟، وإنما أي رؤية للعالم تصنعها هذه المعرفة، وأي إنسان تريد أن تصنعه في النهاية؟

إسماعيل الشطي.. من السياسة إلى الاشتغال على سؤال الحضارة

إسماعيل خضر الشطي كاتب ومفكر وسياسي كويتي، صاحب مسار يجمع بين العمل الدعوي والصحفي والأكاديمي والسياسي. بدأ نشاطه في المجال الإسلامي والصحافة منذ ستينيات القرن الماضي، وترأس في ثمانينيات القرن الماضي تحرير مجلة "المجتمع"، إلى جانب عمله الأكاديمي في الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب.

وانتقل الشطي لاحقا إلى العمل السياسي، فكان عضوا في مجلس الأمة الكويتي عام 1992، وتولى في عام 2006 منصب وزير المواصلات، كما شغل منصب نائب رئيس مجلس الوزراء ومستشارا لمجلس الوزراء بدرجة وزير حتى عام 2014.

لكن المسار السياسي لم يكن نهاية تجربته الفكرية، بل يبدو أن الخروج التدريجي من العمل التنظيمي والسياسي دفعه إلى إعادة النظر في عدد من الأفكار التي شكلت تجربته السابقة. وقد تحدث الشطي عن انخراطه في جماعة الإخوان المسلمين في الكويت لنحو ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي علاقته التنظيمية بها عام 2006، مشيرا إلى أن تجربته السياسية دفعته لاحقا إلى الاهتمام بـ"الفكر المعمق" والابتعاد عن السياسة المباشرة.

وفي السنوات اللاحقة، اتجه الشطي إلى مشروع فكري أوسع يحاول من خلاله قراءة جذور الثقافة العربية وعلاقة الإنسان بالكون والحضارة والقيم. ويظهر هذا الاتجاه بوضوح في مشروعه "جذور الثقافة في المنطقة العربية"، الذي قدمه في أربعة أجزاء، وسعى من خلاله، بحسب عرضه لأفكاره، إلى إعادة بناء صورة الإنسان العربي وقراءة التاريخ الثقافي للمنطقة من منظور مختلف.

ومن هذه الخلفية يمكن قراءة كتابه الجديد "من المعرفة إلى الرؤية الكونية" باعتباره امتدادا لمسار فكري لا يكتفي بمناقشة الأفكار الإسلامية أو الغربية في صورتها السياسية، وإنما يحاول النزول إلى مستوى أعمق: كيف تتكون التصورات التي تحكم نظرتنا إلى الإنسان والكون والحياة؟ وما الذي يحدث عندما تتحول هذه التصورات إلى منظومات معرفية وأخلاقية واجتماعية؟

وهنا تحديدا تكتسب تجربة الشطي أهميتها؛ فهو لا يقدم نفسه في هذا المشروع بوصفه مراقبا أكاديميا من خارج التجربة، بل بوصفه مفكرا مرّ بمراحل متعددة: من العمل الإسلامي والتنظيمي، إلى البرلمان والحكومة، ثم إلى محاولة بناء رؤية أوسع للتاريخ والثقافة والحضارة. وهذا الانتقال هو أحد المفاتيح المهمة لفهم طبيعة الأسئلة التي يطرحها في كتابه الجديد.