فتحت
الحدود البرية بين
المغرب والجزائر،
عبر الممر الحدودي وجدة ـ مغنية (معبر جوج بغال)، بصورة استثنائية الأربعاء 19
أغسطس/آب، لتمكين السلطات
الجزائرية من تسليم نظيرتها المغربية دفعة جديدة من
المواطنين المغاربة الذين كانوا محتجزين على خلفية محاولات الهجرة غير النظامية،
في خطوة تعيد إلى الواجهة ملف المغاربة العالقين في الجزائر، في ظل استمرار وجود
مئات الملفات المرتبطة بموقوفين ومعتقلين ومفقودين ومتوفين.
وبحسب معطيات نقلتها "الجمعية المغربية
لمساعدة المهاجرين في وضعية صعبة"، فقد شملت الدفعة الجديدة 49 مغربيا، بينهم
امرأتان وقاصرون، وهي ثاني عملية تسليم خلال أغسطس/آب الجاري، بعدما جرى في 12
أغسطس تسليم 10 مغاربة عبر الممر الحدودي نفسه. وأكدت الجمعية أنها تواصل متابعة
عدد كبير من الملفات المرتبطة بمغاربة حاولوا الهجرة غير النظامية عبر الأراضي
الجزائرية.
وتكتسب العملية أهمية خاصة بالنظر إلى أن
الحدود البرية بين البلدين مغلقة منذ عقود أمام حركة التنقل العادية، ما يجعل
فتحها في مثل هذه الحالات استثنائيا ومرتبطا أساسا بعمليات التسليم أو معالجة
ملفات إنسانية وأمنية محددة. وكانت الحدود قد شهدت في يوليو/تموز الماضي عملية
مماثلة، سلمت خلالها الجزائر 24 مواطنا مغربيا، بينهم ثلاث نساء، إضافة إلى جثمان
مواطن مغربي، وفق معطيات الجمعية نفسها.
ثاني دفعة خلال أغسطس
وتأتي عملية 19 أغسطس بعد أسبوع واحد فقط من
عملية التسليم السابقة في 12 أغسطس، التي شملت 10 مغاربة، ما يشير إلى استمرار
معالجة السلطات الجزائرية لملفات مهاجرين مغاربة كانوا موقوفين أو محتجزين على
خلفية محاولات الوصول إلى أوروبا عبر طرق غير نظامية.
وتفيد المعطيات التي أوردتها صحف مغربية
نقلا عن الجمعية بأن الأخيرة تتابع حاليا أكثر من 800 ملف لمغاربة عالقين في
الجزائر بسبب محاولات الهجرة غير النظامية، وتتوزع هذه الملفات بين سجناء في
المؤسسات السجنية الجزائرية، ومحتجزين إداريا بعد انتهاء مدة محكوميتهم، وأشخاص
يوجدون في طور الترحيل، فضلا عن مفقودين.
ولا تقتصر هذه الملفات على الأشخاص الذين لا
يزالون قيد الاحتجاز، إذ تقول الجمعية إنها تتابع أيضا ملفات أشخاص فقد الاتصال
بهم أو توفوا خلال محاولات الهجرة، إلى جانب ملفات تتطلب تدخلا لدى السلطات أو
متابعة قضائية.
حدود مغلقة.. وفتح لأغراض التسليم
وتكتسي عملية التسليم طابعا خاصا في سياق
العلاقات المغربية الجزائرية، إذ إن المعبر الحدودي بين البلدين لا يعمل كمعبر
مفتوح لحركة المواطنين منذ إغلاق الحدود البرية عام 1994.
وبالتالي، فإن المشاهد التي تتكرر عند معبر
وجدة ـ مغنية لا تعني إعادة
فتح الحدود أمام المسافرين، وإنما فتحا استثنائيا
ومحدودا لغرض محدد، غالبا ما يتعلق بتسليم أشخاص أو جثامين أو معالجة ملفات مرتبطة
بالهجرة.
وقد شهد المعبر في 22 يوليو/تموز الماضي
عملية تسليم مماثلة، عندما سلمت السلطات الجزائرية 24 مغربيا، إلى جانب جثمان
مواطن مغربي، في إطار معالجة ملفات المهاجرين المغاربة المحتجزين أو المرحلين.
ويعكس تكرار هذه العمليات وجود مسار عملي
محدود بين البلدين، رغم استمرار القطيعة السياسية وإغلاق الحدود، يسمح بتنسيق
السلطات في ملفات ذات طبيعة أمنية أو إنسانية، ولا سيما في ما يتعلق بالمواطنين
المغاربة الموجودين في الجزائر.
الهجرة غير النظامية.. طريق مغاربي نحو
أوروبا
ويأتي تسليم هؤلاء المغاربة في وقت تتزايد
فيه الضغوط المرتبطة بالهجرة غير النظامية في منطقة المغرب العربي، ولا سيما مع
تصاعد محاولات الوصول إلى أوروبا عبر البحر أو عبر الحدود البرية مع الجيوب
الإسبانية في شمال أفريقيا.
وكانت الجزائر قد أعلنت، في 19 أغسطس، أن
وحدات الجيش أوقفت 211 مهاجرا غير نظامي من جنسيات مختلفة داخل الأراضي الجزائرية
خلال الفترة من 12 إلى 18 أغسطس، بينما أعلن حرس السواحل إحباط محاولات إبحار
وإنقاذ 223 شخصا كانوا على متن قوارب تقليدية. ولا تتعلق هذه الأرقام بالمغاربة
وحدهم، لكنها تعكس حجم الضغط الذي تمثله الهجرة غير النظامية على دول المنطقة.
وفي الجانب المغربي، شهد صيف 2026 تصاعدا
لافتا في محاولات العبور نحو سبتة ومليلية، وسط انتشار واسع لمقاطع الفيديو
والحسابات التي تشجع على العبور وتروّج لمعلومات حول إمكانية تسوية أوضاع
المهاجرين بعد الوصول، بحسب تقرير للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان.
كما خلصت دراسة حديثة لمركز الجزيرة
للدراسات إلى أن أحداث الهجرة الأخيرة ارتبطت، إلى جانب عوامل أخرى، بأزمة ثقة لدى
قطاعات من الشباب المغربي بشأن المستقبل، وبالبطالة وتعطل مسارات الاندماج
الاجتماعي، فضلا عن تأثير منصات التواصل الاجتماعي في تشكيل تصورات الشباب عن فرص
الحياة خارج البلاد.
أكثر من 800 ملف.. والبحث عن المفقودين
ولا تتوقف مهمة الجمعية المغربية لمساعدة
المهاجرين في وضعية صعبة عند عمليات التسليم التي تتم عبر الحدود، إذ تتابع، بحسب
المعطيات التي نقلتها وسائل إعلام مغربية، مئات الملفات التي تختلف طبيعتها بين
الاعتقال والسجن والترحيل والفقدان والوفاة.
وتشمل هذه المتابعة، وفق الجمعية، التدخل
لدى الجهات المعنية، ومتابعة مجريات المحاكمات، وتوفير الوثائق التي تساعد على
تحديد هويات الأشخاص، فضلا عن إثبات صلة القرابة بالنسبة إلى الأسر التي تبحث عن
أبنائها أو أقاربها.
وتكتسب ملفات المفقودين والمتوفين حساسية
خاصة، إذ تواجه الأسر صعوبات في الوصول إلى معلومات دقيقة بشأن مصير ذويها، خصوصا
عندما تتم محاولة الهجرة عبر مسارات غير نظامية تمتد بين أكثر من دولة.
كما تقول الجمعية إنها تتابع ملفات أخرى
لمغاربة محتجزين أو موقوفين في ليبيا، بما يعكس اتساع نطاق مسارات الهجرة غير
النظامية التي يسلكها الشباب المغاربة، وتعدد الدول التي تصبح طرفا في ملفاتهم
القانونية والإنسانية.
ملف يتجاوز الحدود المغلقة
ويكشف تكرار عمليات التسليم عن مفارقة لافتة
في العلاقات المغربية الجزائرية: حدود برية مغلقة منذ عقود، لكنها تفتح استثنائيا
عندما يتعلق الأمر بملفات إنسانية وأمنية محددة.
ففي الوقت الذي لا تزال فيه الحدود البرية
مغلقة أمام حركة المواطنين، يستمر التواصل الرسمي المحدود لمعالجة ملفات المهاجرين
والمحتجزين والمرحّلين. ويبدو أن ملف الهجرة غير النظامية فرض نفسه باعتباره إحدى
القنوات القليلة التي تستدعي تنسيقا عمليا بين البلدين، حتى في ظل استمرار
الخلافات السياسية بينهما.
وفي يوليو/تموز الماضي، كان فتح المعبر
لتسليم 24 مغربيا وجثمان مواطن واحد مؤشرا على هذا النمط من التعامل، قبل أن تتكرر
العملية في أغسطس مع تسليم 10 مغاربة، ثم 49 شخصا في العملية الأخيرة.
ومع استمرار الجمعية في الحديث عن أكثر من
800 ملف، فإن عمليات التسليم المتتالية لا تبدو نهاية للملف، بل جزءا من مسار أطول
لمعالجة أوضاع المغاربة الموجودين في الجزائر على خلفية الهجرة غير النظامية.
وبذلك، فإن فتح الحدود المغربية الجزائرية
في هذه الحالات لا يمثل عودة لحركة العبور بين البلدين، وإنما استثناء تفرضه
عمليات التسليم ومعالجة الملفات الإنسانية والقانونية المرتبطة بالهجرة، فيما يبقى
ملف المهاجرين المغاربة العالقين في الجزائر، بما فيه من معتقلين ومفقودين
ومتوفين، أحد الملفات الإنسانية التي تتطلب معالجة متواصلة وتنسيقا بين السلطات
والجهات المدنية المعنية.
حدود مغلقة منذ 1994.. واستثناءات إنسانية
محدودة
وتعيد عمليات التسليم المتكررة عبر معبر
وجدة ـ مغنية إلى الواجهة ملف الحدود البرية بين المغرب والجزائر، المغلقة منذ عام
1994، في واحدة من أبرز تجليات القطيعة السياسية المستمرة بين البلدين. فمنذ ذلك
التاريخ، ظل المعبر مغلقا أمام حركة الأشخاص والبضائع، ولم تنجح التحولات التي
عرفتها المنطقة المغاربية، ولا الدعوات المتكررة إلى تطبيع العلاقات، في إعادة فتح
الحدود أمام التنقل العادي بين الشعبين الجارين.
وبينما تحولت الحدود المغلقة إلى أحد رموز
التوتر المغربي ـ الجزائري، فإنها تُفتح بصورة استثنائية في حالات محددة، من بينها
تسليم الموقوفين والمرحلين أو جثامين المواطنين، وهو ما يفسر عمليات التسليم التي
شهدها المعبر خلال الأشهر الأخيرة. وتؤكد هذه الاستثناءات، في الوقت نفسه، أن
الإغلاق السياسي لا يمنع بالضرورة وجود قنوات اتصال عملية عندما تفرض الملفات
الإنسانية والقانونية ذلك.
ويكتسب ملف الحدود أهمية تتجاوز مسألة
التنقل بين البلدين، إذ إن استمرار إغلاقها منذ أكثر من ثلاثة عقود انعكس على حركة
الأشخاص والتجارة والتواصل الاجتماعي والاقتصادي في المنطقة الحدودية، كما حرم
المغرب العربي من أحد أهم الممرات البرية التي كان يمكن أن تسهم في تعزيز اندماجه
الاقتصادي. وفي المقابل، ظل ملف الحدود مرتبطا بصورة مباشرة بالتوترات السياسية
والأمنية بين الرباط والجزائر، ما جعل أي حديث عن إعادة فتحها مرتبطا، عمليا،
بمسار أوسع لتسوية الخلافات الثنائية.
ومن هذه الزاوية، فإن فتح المعبر لتسليم 49
مغربيا في 19 أغسطس/آب لا ينبغي قراءته باعتباره مؤشرا على إعادة فتح الحدود،
وإنما باعتباره استثناء إنسانيا محدودا داخل واقع حدودي مغلق منذ 1994. غير أن
تكرار هذه العمليات يسلط الضوء على مفارقة لافتة: فحتى في ذروة القطيعة السياسية،
تظل هناك ملفات بشرية وقانونية تفرض على الطرفين إبقاء حد أدنى من قنوات التواصل
مفتوحا، ولو عبر بوابة ضيقة لا تتجاوز عمليات التسليم.